من قساوة العقوبات إلى أروقة الشراكات الدولية، تشهد سوريا تحولًا لافتًا يفتح الباب أمام إعادة الإعمار والانفتاح السياسي، فهل تنجح سوريا الجديدة في تثبيت موقعها في المعادلات الإقليمية؟
من العداوة إلى الشراكة: دروس السياسة المتقلبة
في عالم السياسة، لا وجود لعداوات أبدية ولا لتحالفات ثابتة، فصديق اليوم قد يصبح عدو الغد، وعدو الأمس قد يتحول إلى حليف استراتيجي اليوم.
وهذه الحقيقة تتجلى بوضوح في اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بضيافة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الفيديو.
لم يكن اللقاء مجرّد مصافحة عابرة أمام عدسات الكاميرات، بل محطة مفصلية في مسار سوريا الجديدة، ورسالة قوية إلى العالم بأن خرائط النفوذ والتحالفات يعاد رسمها وفق المتغيرات والمصالح، لا الأيديولوجيات ولا الذكريات القديمة.
السياسة لا تعترف بالجمود، بل تتحرك بالفعل، وكل خطوة تحدث فرقًا، مهما بدت صغيرة أو مترددة.
الذاكرة السياسية.. بين الحدث والتأريخ
حين يُصنع حدث سياسي بهذا الحجم، فإنه لا يُسجَّل فقط في عناوين الأخبار، بل يُدوَّن في ذاكرة الشعوب والدول.
فالسياسة لا تعترف بالجمود، بل تتحرك بالفعل، وكل خطوة تحدث فرقًا، مهما بدت صغيرة أو مترددة.
ذاكرة السياسة ليست تمسكاً بالماضي، بل قدرة على قراءته واستيعابه وتوظيفه لبناء مستقبل أكثر اتزانًا. بهذا المعنى، لم يكن لقاء الرئيس الشرع بترامب مجرد تقارب رمزي، بل تجسيدًا لتحول عميق في موازين القوى الإقليمية والدولية والدور الجديد لسورية في المرحلة المقبلة.
رفع العقوبات.. خطوة أولى نحو إعادة الإعمار
من أبرز نتائج اللقاء، وربما أكثرها تأثيرًا على المدى القريب، إعلان الإدارة الأميركية قرارها رفعَ العقوبات المفروضة على سوريا، والتي طالما أعاقت عملية التعافي الاقتصادي وأبقت البلاد في دائرة العزلة الدولية. هذه العقوبات فُرضت على نظام بشار الأسد الذي طُوي الآن في صفحات الماضي ومزابل التاريخ، ولا معنى لاستمرارها في ظل واقع سياسي جديد.
رفع العقوبات لا يعني فقط تخفيف القيود الاقتصادية، بل هو أيضًا فتح الباب أمام عودة الاستثمارات، وتنشيط عجلة الاقتصاد، وإعادة بناء البنية التحتية التي دمّرتها الحرب. إنه، باختصار، اعتراف أميركي ضمني بأن زمن المقاطعة قد ولّى، وأن التعامل مع السلطة الجديدة بات ضرورة لا يمكن تجاهلها.
الحكمة السياسية.. التوازن لا يعني الحياد
في السياسات الكبرى، لا تُقاس القرارات دائمًا بميزان الصواب والخطأ، بل بميزان التوقيت والكلفة والمخاطر. وهنا تتجلى براعة الرئيس أحمد الشرع وفريقه في اختيار اللحظة المناسبة للمناورة والانفتاح، من دون الوقوع في فخ التبعية أو الاصطفاف الأعمى.
القرار بلقاء ترامب لم يكن سهلاً ولا عابرًا، بل مثال حيّ على ما يسميه بعضهم “فنّ الممكن”، حيث تسعى السياسة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من التصادم. وهذا بالضبط ما تحقق في هذا الحدث المفصلي.
سوريا الجديدة تقف اليوم على أعتاب مرحلة مختلفة كليًا، عنوانها الشراكة لا العزلة، والبناء لا الهدم، والمرونة لا الانكسار.
سوريا الجديدة.. من العزلة إلى التأثير
أعاد اللقاء سوريا إلى واجهة المشهد الدولي، ولكن هذه المرة من موقع الفاعل لا المفعول به. لقد وجّه رسالة واضحة بأن سوريا الجديدة لا ترغب في البقاء ضحية أو في موقع المنفى السياسي، بل تطمح للعب دور محوري في الإقليم، عبر الانفتاح المتوازن الذي يحقق مصلحة الشعب السوري أولاً.
كما أظهر هذا التقارب مع الولايات المتحدة، عبر الوساطة السعودية، أن الصراع لم يعد حول من يحكم سوريا، بل كيف تُحكم سوريا، ومن يمتلك الشرعية والقدرة على تمثيلها بثقة على الساحة الدولية.
التحول لا يعني التخلّي
السياسة فنّ التغيير لا فنّ التنازل، ومن الطبيعي أن تتبدل المواقف والاصطفافات، ما دام ذلك يجري من دون المساس بالثوابت والمبادئ الأساسية.
ما جرى في هذا اللقاء يثبت أن السياسة الناجحة هي التي تعرف متى تصافح، ومتى ترفض، ومتى تمضي، ومتى تنتظر.
سوريا الجديدة تقف اليوم على أعتاب مرحلة مختلفة كليًا، عنوانها الشراكة لا العزلة، والبناء لا الهدم، والمرونة لا الانكسار.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستُحسن القوى الإقليمية والدولية قراءة هذه الرسائل الجديدة؟
وهل سينجح الداخل السوري في مواكبة هذا التحول الكبير؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
- تلفزيون سوريا



























