إنهاء الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني وبداية مسار السلام يتطلبان تنازلات وتوافقات كثيرة من جميع الأطراف. الأنظار الآن تتجه إلى الدولة التركية: كيف ستردّ على هذه الخطوة؟ هل ستفتح أبواب العمل السياسي أمام الكرد؟ هل ستعيد النظر في علاقتها مع قنديل ومع شمال شرقي سوريا؟
أعلن حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه، منهياً مرحلة الكفاح المسلّح، بعدما “أوصل القضية الكردية إلى طريق الحل وأكمل مهمته التاريخية”. يأتي هذا الإعلان بعد مسار من التغييرات السياسية في المنطقة، تُوّج ببدء مفاوضات السلام مع الدولة التركية نهاية العام المنصرم، وصولاً إلى رسالة عبدالله أوجلان، قائد الحزب، من سجنه، التي دعا فيها إلى عقد المؤتمر وإلقاء السلاح.
وصلت ارتدادات هذا الحدث إلى سوريا، عبر توقف المعارك بين تركيا والإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بفضل توافقات إقليمية ودولية، من بينها الاتفاق بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي في آذار/ مارس الماضي. ويُعد هذا الاتفاق أول وثيقة في تاريخ سوريا تشير إلى حقوق دستورية لجماعة كردية.
سمّت الوثيقة الكرد بوصفهم “مجتمعاً أصيلاً”، بينما كانت أطراف سياسية كردية تدعو إلى الاعتراف بالكرد كـ”شعب يعيش على أرضه التاريخية” وأحد الشعوب السورية الأصيلة. لكن الجدل حول هذا البند لم يُلغِ أهمية الوثيقة وسابقيّتها في تاريخ الجمهورية السورية. فما شكل الحكم في سوريا الجديدة إذا استمرت سياسة تجنب الاشتباك بين الشرع وعبدي؟ والأهم، ما شكل العلاقة الكردية – التركية في المرحلة المقبلة؟
تاريخ الإمارة الكرديّة
في رسالته الأخيرة، أشار أوجلان إلى تعايش الشعبين الكردي والتركي لأكثر من ألف عام، واصفاً إياه بعلاقة أخوّة إيجابية، شابها التوتر بفعل التمدد الغربي، والرأسمالية، والثورة الصناعية. يتضمّن هذا الخطاب إشارة إلى حقبة الإمارات الكردية تحت الحكم العثماني، حين كان الكرد يحكمون أنفسهم في إمارات “ذات حكم ذاتي”، ملتزمين بدفع الضرائب للسلطان العثماني، وإعلان الولاء له، مع الاحتفاظ بصلاحيات واسعة في الحكم المحلي.
وربما أبرز ما يتصل به الكرد السوريون من هذا التاريخ هو إمارة إبراهيم باشا الملّي، الذي عُرف بندّيته ضد العثمانيين والفرس، وبقيادته القوية، فحكم مناطق واسعة مما يُعرف اليوم بشمال سوريا وشرقها، وقاد “الجيش الملّي” المؤلّف من ائتلاف عشائري.
وفّر حكم الإمارات الكردية حماية للإرث والتراث الكردي، من لغة وعادات ونسيج اجتماعي. وبقي متمركزاً في منطقة الكثافة الكردية، مع قدرة عالية على الحوكمة المحلية من خلال الباشوات آنذاك. كما وفّر للدولة العثمانية تحالفاً يضمن لها الضرائب، وولاءً سياسياً من دون الحاجة الى التدخل المباشر في شؤونها الداخلية، فضلاً عن تشكيله سداً منيعاً أمام الدولة الصفوية في ذلك الوقت.
“الحدود الكردية” أو The Kurdish Frontier، شكّلت خط الدفاع الأول أمام التهديدات الخارجية للإمبراطورية. ويمكن قراءة هذا التحالف على أنه خيار براغماتي، فرضته وعورة المناطق الجبلية، واعتماد السلطنة على الكرد كجنود عند الحاجة.
لم تكن الإمارات الكردية استثناءً، إذ كانت السلطنة العثمانية ذات طابع لا مركزي، خصوصاً خلال القرنين الأولين من حكمها، وهو ما منحها قوة وسلطة كبيرة في إدارة المناطق. لكن مع التوسع في أوروبا والبلقان، بدأت تشتبك مع مجتمعات مختلفة في الدين والعادات، ما جعل الحكم أكثر تعقيداً، ودفعها نحو المركزية، وهو ما أدى لاحقاً إلى تقويض الولاءات المحلية وفقدان السيطرة.
حكم محلي كردي؟
قد يشكّل هذا النوع من العلاقة اليوم، نموذجاً مقبولاً كحلّ سياسي يوفّق بين مختلف الأطراف في سوريا، ولا سيما الأكراد وتركيا. لكن ليس بالطبع على شكل الإمارات التي وُجدت قبل قرون. هذا النموذج قد يُقلق قوى إقليمية أخرى كإسرائيل وبعض الأنظمة العربية، التي لا تطمئن لما تعتبره “التمدد التركي” تحت شعار “العثمانية الجديدة”. ليبقى السؤال: هل يمكن لهيمنة اقتصادية تركية على سوريا، مقابل صلاحيات واسعة في الحكم المحلي في مناطق متعددة، على غرار نموذج “إقليم كردستان العراق”، أن ترضي جميع الأطراف؟
في سوريا، يبدو أن كلاً من الشرع وعبدي يجدان مصلحة في هذا النموذج، فهو يقدّم لهما الاستقرار السياسي ويوقف النزاع، ويتيح لكلٍّ منهما التفرّغ للملفات الاجتماعية والاقتصادية. كما أن هذا الاتفاق غير المعلن يحفظ لكل طرف مناطقه، ويبقيه وكيلاً لقوى أكبر تضمن عدم التصادم بينهما.
أما بالنسبة الى تركيا، فهي تجد في توحيد التيارات السورية، بما فيها الكردية، فرصة استراتيجية لمواجهة التمدد الإيراني أو الإسرائيلي في المنطقة. هذا المشروع، على رغم كونه طموحاً وربما مفرطاً في التفاؤل بنظر البعض، إلا أنه يوفّر مساحة آمنة لجميع الأطراف في منطقة أنهكتها الحروب.
ماذا يعني حل حزب العمال الكردستاني؟
حلّ الحزب نفسه وإعلان انتهاء الكفاح المسلح، كما جاء في بياناته، يعكسان إدراكاً لتحوّلات الواقع السياسي، ومحاولة لمواكبة “حركة التاريخ”. لكن بعض المراقبين اعتبروا ذلك استسلاماً أمام صعود تركيا وقوتها بعد انكفاء النظام السوري. وقد يكون لكلَي الرأيين نصيب من الصحة. لكن الثابت أن هذه الخطوة تمثل تضحية من الحزب الأم، لولادة مشروع جديد في سوريا، ممثلاً بالإدارة الذاتية وحزب المساواة، وكذلك بديل سياسي في تركيا عبر حزب الشعوب الديمقراطي.
هذه الخطوة لا تعني نهاية الحزب، بل قد تمثل انتصاراً سياسياً شبيهاً بما حققه الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA في اتفاق “الجمعة العظيمة” عام 1998، حين تخلّى عن السلاح من دون أن يحقق استقلال إيرلندا الشمالية، لكنه كسب تمثيلاً سياسياً واتفاقات تحفظ مصالحه.
حلّ الحزب يُسقِط الذريعة عن التدخلات العسكرية التركية في سوريا والعراق، ويقوّي الموقف الكردي في العمل السياسي السلمي. لكن يبقى التحدي داخلياً، في إقناع مقاتلي الحزب الذين أفنوا حياتهم من أجل مشروع الدولة الكردية، بجدوى هذا التحول التاريخي. لذلك طُرحت فكرة إشراف أوجلان شخصياً على عملية إلقاء السلاح وضمان حقوق المقاتلين، مقابل عودته إلى الحياة السياسية.
بداية جديدة أم اختبار صعب؟
إنهاء الكفاح المسلح وبداية مسار السلام يتطلبان تنازلات وتوافقات كثيرة من جميع الأطراف. الأنظار الآن تتجه إلى الدولة التركية: كيف ستردّ على هذه الخطوة؟ هل ستفتح أبواب العمل السياسي أمام الكرد؟ هل ستعيد النظر في علاقتها مع قنديل ومع شمال شرقي سوريا؟
على رغم هشاشته، فإن هذا الاتفاق يمكن أن يشكّل قاعدة لعلاقة أفضل بين الأكراد والأتراك، وقد ينعكس على العلاقة مع المحيط العربي أيضاً. لكنّه سيبقى رهناً بشكل الحكم في المناطق الكردية، ومدى ذاتية الإدارة التي سيُسمح لها بممارستها في إطار الدولة السورية المستقبلية.
ـ كاتب سوري
- درج



























