يتعاون كل من غوغل ووكالة الأمن القومي بالولايات المتحدة في تحقيق مشترك، لتحديد هوية القراصنة الصينيين الذين اخترقوا شبكات غوغل الآمنة، وتجسسوا على المراسلات الإلكترونية لعدد من المنشقين الصينيين. وسيعمل الطرفان معاً أيضاً لتطوير دفاعات جديدة ضد الهجمات الافتراضية، التي تشن على البنية التحتية الرقمية لأميركا. ومع أن نقاط الضعف في الفضاء الافتراضي الأميركي تثير قلق وكالات الاستخبارات الأميركية منذ زمن، إلا أن حادثة غوغل الأخيرة وضعت هذه القضية في سلم أولويات الأمن القومي.
لا أحد يعرف عن مقدرات الصين في الحرب الافتراضية أكثر من مايك مكونيل، الذي شغل منصب مدير الاستخبارات القومية، السلطة العليا التي تضم تحت مظلتها جميع أجهزة الاستخبارات الأميركية، بين فبراير 2007 ويناير 2009، كما سبق له أن شغل منصب مدير وكالة الأمن القومي من 1992 إلى 1996.
بعد الهجمات التي وقعت الربيع الماضي على كل من البنتاغون وبورصة نيويورك، جلست معه لمناقشة أمر المشتبه فيه الرئيسي في هذه الأعمال، والذي كان في حينها أيضاً الصين، وأيضاً لإلقاء نظرة على الأوضاع العامة في حقل المعارك الرقمية. يقول بعض محللي الدفاع إن 90% من عمليات الاختراق والتجسس والمسح الرقمي، التي تتعرض لها أنظمة الدفاع الأميركية والشبكات الحاسوبية التجارية في الولايات المتحدة، تأتي من الصين.
سألت مكونيل عن رأيه في هذه التقديرات فأجاب: «لا أدري ما إذا كانت نسبة 90% دقيقة، لكن ما أعلمه جيداً أن الصينيين مصممون على أن يكونوا الأفضل. ربما تكون أفضل قوة في العالم الآن في الفضاء الرقمي هي، ثم أميركا يليها الروس، والبريطانيون، ثم الإسرائيليون والفرنسيون. ويأتي الصينيون في المستوى التالي».
وتابع قائلاً: «الصينيون يستغلون أنظمة المعلومات الخاصة بنا لمصلحتهم، حيث يخترقون أنظمة بيانات مقاولي وزارة الدفاع للبحث عن خصائص سلاح معين، أو ينبشون في الأبحاث الأكاديمية للاطلاع على آخر مستجدات تكنولوجيا البلازما، وليس من أجل تدمير البيانات وإلحاق الضرر بالشكبات الحاسوبية.
وأعتقد أن ما يردعهم الآن عن الإقدام على تدمير البيانات الأميركية، هو الحاجة للتصدير إلى الولايات المتحدة، والحاجة للحفاظ على استقرار العملة واستقرر الأسواق العالمية. «لكن ماذا يحدث إذا نشبت حرب؟ إن إمكانيات استغلال المعلومات بهذه الطريقة الحساسة قد تستخدم سريعاً لتدمير الأنظمة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة».
لكن الصين ليست القوة الوحيدة في العالم التي تمارس مثل هذه الأنشطة المشبوهة، وتبحث عن ثغرات أمنية في الفضاء الحاسوبي الافتراضي لدول أخرى، فماذا يقول مكونيل في هذا؟ يقر مكونيل بأن كل دولة في العالم تملك تكنولوجيا متقدمة لابد أنها تستكشف الخيارات المختلفة لبناء سياسة وقواعد وآليات خاصة، لاستخدام هذه المقدرات الجديدة في شن الحروب. وهذا النشاط ليس حكراً على الصين. ولقد كثر الحديث عن الصين الآن بسبب هجوم غوغل. لكني سألته، ماذا عن الخطر الإرهابي؟
يقول: «تعتبر مقدرات المجموعات الإرهابية متدنية جداً في هذا المجال، حسب التصنيفات الاستخباراتية الحالية، لكن المنظمات الإجرامية غالباً ما تكون أكثر تطوراً. وهناك تسلسل هرمي في هذا المضمار؛ من الدول القومية التي يمكنها القيام بهجمات إلكترونية مدمرة، إلى المجرمين الذين يمكن أن يسرقوا الأشياء، إلى القراصنة العاديين الذين يمتلكون مهارات عالية.
لكن يوماً ما سيتمكن الإرهابيون من تجنيد خريج أو اثنين من إحدى أفضل الجامعات العالمية في مجال القدرات الرقمية. وعاجلاً أو آجلاً، ستتمكن الجماعات الإرهابية من التقدم في هذا الميدان. الأمر يشبه انتشار المعارف والتقنيات النووية، لكنه أسهل بكثير.
فحالما تتوفر لديك المعرفة، لا ينبغي عليك ان تمضي سنوات في تخصيب اليورانيوم واختبار الصواريخ بعيدة المدى. ولا يستغرق الأمر طويلاً لكي يمتلك أي طرف القدرة على شن هجوم إلكتروني. وبخلاف الدول القومية التي لديها مصلحة في استقرار الأوضاع والأسواق العالمية، فليس هناك ما يردع الإرهابيين عن تدمير بياناتنا لتحقيق أهدافهم».
وهل تهدف الصين من وراء ذلك إلى تطوير قدراتها الدفاعية أم الهجومية؟ «تفهم الصين أن من نقاط الضعف الاسترايتجي للولايات المتحدة، الثغرات الكثيرة في فضائها الحاسوبي. ولذلك، فهي تسعى للتفوق في هذا المجال لاستغلال هذه النقطة. لقد تلقى الصينيون صدمة كبيرة وهم يراقبون عملية عاصفة الصحراء (خلال حرب العراق الأولى)، حيث شاهدوا قوة التكنولوجيا الأميركية التي تربط بين الكمبيوترات والأسلحة، لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الدقة.
ففي الحرب العالمية الثانية كنا نلقي ألف قنبلة للتأكد من تدمير الهدف. وفي فيتنام أصبحنا نلقي مئات القنابل. أما اليوم فلا نحتاج لأكثر من قنبلة واحدة. هدف واحد، قنبلة واحدة. هكذا آلت لنا السيطرة على ميدان الحروب، وامتلكنا القدرة على رصد وتحديد مواقع الأهداف عبر صور الأقمار الصناعية التي لا تتوفر للآخرين، وأصبح بمقدورنا نسف أي هدف مكشوف بقنبلة واحد ساعة نشاء.
وأعتقد أن النتيجة التي خلص بها الصينيون من تجربة عاصفة الصحراء، هي أنهم لكي يتحدوا سيطرة أميركا على فضاء المعركة، عليهم أن يبنوا قدرات لتعطيل الأقمار الصناعية وغزو الشبكات الحاسوبية. وتحت اسم الدفاع عن الصين في هذا العالم الجديد، يشعر الصينيون أن عليهم انتزاع هذه الأفضلية من الولايات المتحدة في حالة نشوب حرب».
ويعتقد رجل الاستخبارات المخضرم، الذي يتابع الملف الصيني عن كثب منذ سنوات، أن مقدرات الحرب الإلكترونية أصبحت الآن جزءاً لا يتجزاً من قوة الصين العسكرية المتنامية. ويقول: لقد طور الصينيون القدرة على إسقاط الأقمار الصناعية، وطوروا قدرات رادارية ترصد الأهداف فوق خط الأفق، ولديهم صواريخ يمكن إعادة توجيهها وتغيير مسارها خلال تحليقها في الجو.
وليس لدى مكونيل اية شكوك في حجم التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة من جانب الصين، حيث يختم قائلاً: «إنهم يرون مملكتهم الوسطى باعتبارها مركز العالم، وهم مصممون على أن يتركوا ما يصفونه ب«قرن العار» وراء ظهورهم، والمضي قدما لاستعادة أمجادهم السالفة. وبطبيعة الحال فهم حريصون على حماية أنفسهم من الولايات المتحدة أو اي دولة أخرى، ولذلك يريدون السيطرة على فضاء المعلومات وتطوير القدرة على مهاجمة شبكات الخصوم، لحرمانهم من هذه الأفضلية في وقت الحرب».
"البيان"




















