في أمستردام، بعد سنوات من الخروج من سوريا، أذكر كيف تحولت لغتي جذرياً، عددٌ كبير من المفردات صار يحمل تعباً لا يظهر في القواميس، بل يظهر في روحي على شكل ندبات، كلمة مثل “البيت” باتت تحمل معها بيتي في معضمية الشام الذي فقدته، فتحضر صورته كلما ذكرت مفردة “بيت”.
وكلمة “الطريق” تذكرني بطريق اللجوء، وطريق التهريب، والطريق إلى الحدود، والطريق الذي لا يعود منه أحد أحياناً كما سبق، فقد عبر بدر شاكر السياب في الحديث عن موت أمه: طريق لا يعود السائرون عليه، تلك القصيدة التي أستمتع في تحليلها لطلابي في جامعة دمشق!
لم تغيّر الثورة السورية السياسة والمجتمع والتفاصيل فقط، تغيّرت اللغة أيضاً. كأن السوريين، خلال هذه السنوات الطويلة، اضطروا إلى إعادة تعلم الكلام من جديد، نعم عاد الثلاثينيون والأربعينيون والخمسينيون لتعلم لغات جديدة كي يتواصلوا مع مجتمعات اللجوء بدل الانزواء بعيداً بصفتهم كائنات منبوذة، ليس تعلم اللغة التواصلية، فحسب بل لغة فهم ثقافة الشعوب الجديدة.
دمشق لم تعد المدينة القديمة التي تظهر في الروايات بوصفها مكانًا للذاكرة، المدن نفسها بدت إنما شخصيات مجروحة داخل النصوص، وباتت: القابون ومساكن برزة والمخيم وداريا والمعضمية وجوبر هي المركز الجديد للغة والحدث، من يريد أن يجد لغة جديدة بفعل شبابي جديد، عليه أن يتسلل إلى المظاهرات ليجد أفعالاً بطولية ولغة خارقة لأسوار المدينة القديمة.
قبل عام 2011، كان الكثير من الأدب السوري يتحرك بركاكة طول الاستبداد وتغوله في الحياة، فالجملة تنحو نحو الرمز، والاستعارة تقوم بجزء كبير من العمل، كنا نعيش في صناديق لغوية، وأسوار نخاف من الاقتراب منها حتى لا تخوننا اللغة فتكون نهايتنا في “بيت خالتنا”. أذكر جيداً كيف كنا نلعب مع اللغة حين نتحدث عن شياطين المخابرات، قد يكون ذلك، من جهة أخرى، أكسبنا مهارات في تطويع اللغة، وكشف جوانب مهملة منها.
سنوات الخوف الطويلة جعلت الكثير من الكتاب السوريين يتحدثون بطريقة ملتوية أحياناً، ثمة خشية من القبض على المعنى. فألمنا رغم حدته نكتبه بهدوء الموت، رغم الاختلاف بينهما، واللغة تمشي على أرض سائلة بتعبير زيغمونت باومان الذي فسر الكثير مما نمر به من ظواهر بعيون سائلة.
مع حدث الثورة تغير الإيقاع، فخرجت اللغة السورية هي الأخرى من تحت الركام مثلما خرجت أحلامنا من قمقمها. أخذت تتخفف كثير من النصوص من زينة اللغة، فقصرت الجمل، والتراكيب.
ودخلت كلمات جديدة إلى القاموس السوري اليومي: الحاجز، البرميل، الفرع الأمني، التهريب، القارب، اللجوء، المعتقل، المخيم، الشبيحة، الخط العسكري على الحاجز، المسلحون والجماعات، نحرق البلد.
غير أنه بات مرة أخرى لدينا وجهان ولغتان: لغة الفضاء العام المواربة والموالية والرمادية.
ولغة المنزل والمجموعات الخاصة والأصدقاء حيث الوضوح الشديد والتعبير عن الأحلام المخنوقة.
المدن تغيّرت داخل الكتابة. دمشق لم تعد المدينة القديمة التي تظهر في الروايات بوصفها مكانًا للذاكرة، المدن نفسها بدت شخصيات مجروحة داخل النصوص، وباتت: القابون ومساكن برزة والمخيم وداريا والمعضمية وجوبر هي المركز الجديد للغة والحدث، من يريد أن يجد لغة جديدة بفعل شبابي جديد، عليه أن يتسلل إلى المظاهرات ليجد أفعالاً بطولية ولغة خارقة لأسوار المدينة القديمة.
ظهرت كتابة جديدة: اليوميات، الرسائل، الشهادات الشخصية، كذلك المنشورات القصيرة على وسائل التواصل، قصصنا مع الحواجز، والأسئلة المحرجة، كيف تتجنب اللغة، وصديق عمرك قد اعتقل أو بيتك قد تم تفجيره؟ أو تعرضت لإهانة على حاجز؟
منشور صغير على الفيسبوك يحمل حياة كاملة داخله، نكتب بسرعة قبل أن تضيع الذاكرة أو يختفي ذكر أصحابها، أصدقاؤنا الراحلون، كيف لي أن أتجنب اللغة وأنا أنقل جزءاً من مكتبتي من المعضمية، كيف لي أن أتجنبها وعسكري الحاجز يقول لي: أريد كتاباً سميكاً! كيف لنا أن نثبت سرديتنا وهناك سردية أخرى يتم تكوينها!
صوت المرأة كذلك تغيّر داخل الأدب السوري، أعاد تموضعه. كثير من الكاتبات اقتربن من التفاصيل التي بقيت بعيدة عن الخطاب السياسي العام: الخوف داخل البيت، الأمومة في المنفى، التعب اليومي، العلاقات العائلية المتعبة، والجسد القلق. كشفت لي الثورة أن النساء تخلتف جذرياً عن الرجال، المنشغلين بالحديث عن البطولة، المرأة حاولت أن تؤمن التفاصيل لتحمي أطفالها، أو تشتري حبلاً لتمدّه لهم من البرندة الخلفية، في حال حدث اعتقال، أو تشتري سماً لتسمّم نفسها بدل أن تغتصب، كم نختلف نحن الرجال عنهن في التفاصيل والعيون والقراءة، ليتني كنت أعرف هذه التفاصيل في الشباب المبكر!
موقف الكتاب السوريين من الثورة ترك أثره، فمن انحازوا إليها كتبوا نصوصاً تركض وراء الحدث أو بجانبه قبل أن يختفي، فظهرت روايات كثيرة تريد ملاحقة شرف الكتابة عن اليومي، وسمتْ نفسها بأسماء أحياء تعرضت للإبادة، أو تعلن موهبتها وتريد اسمها أن يرتبط بفعل الثورة العظيم، سمع عدد منهم من قبل أن كتاباً كباراً حملتهم التحولات التاريخية الكبرى فحذوا حذوهم، منهم من ترك بصمة ومنهم من راكم الرواية خلف الرواية ولم يكن لما كتبه طعم خاص ولم يترك بصمة!
أما الذين خافوا من الثورة أو وقفوا ضدها، فكانت لغتهم أكثر حذراً وقلقاً من الفوضى والانهيار، وبدا أنهم لا يريدون التخلي عن اعتياداتهم الشخصية، ويركزون على الخشية والحذر والقادم، ويمشون في الخوف من سيناريوهات “سيطرة المتشدددين”!
في حين أن الكاتب الذي عاش تجربة المنفى واللجوء والتشرد وكتب من مسافة مختلفة، كان يحمله الحنين والشوق إلى البلد/الوطن ويظن أنه لن يعود بعد خيباته السياسية!
وفيما يخص تجربة الكتاب الذين مرّوا بتجربة الاعتقال فقد خرجوا غالباً بلغة هادئة وقاسية، حيث نقلوا لنا: صوت المفتاح، رائحة الرطوبة، وحركة المعدة، وفقدان الماء، ورائحة الدم، والصمت الطويل، والزمن البطيء، والأمل الهش، وانتظار الموت وصراخ التعذيب الذي يقطع نياط القلب.
وهذا يقودنا إلى سؤال لصيق بالفكرة: هل من فروق واضحة بين الأدب الذي كتب عن سجن تدمر قبل الثورة، وبين الكتابة التي ظهرت خلال الثورة نفسها؟
في رصد للظاهرة من خلال عدد من الأمثلة الروائية التي تناولت سجن تدمر بدا أن النصوص التي كتبت حين كان الكتاب خارج البلاد مليئة بعالم الأسرار والقسوة، فالسجن التدمري وقتها كان عالماً مغلقاً وغامضاً.
في الكلام اليومي العادي في مقهى الروضة أو سواها، الناس يتحدثون بطريقة مختلفة، يتذكرون بطريقة مختلفة، كأن البلاد كلّها خرجت وهي تحمل تعباً خفيفاً في صوتها، وأرصفتها ووجوه ناسها.
أما بعد عام 2011، فصار الاعتقال جزءاً من المجال العام كله. وأسماء الفروع الأمنية معروفة أكثر وأكثر، وحكايات التعذيب تُروى علناً!
من جهة أخرى وجد الناشر الغربي في الحكاية السورية موضوعاً يجمع الحرب والهجرة والحدود والخوف والهوية والعنف والانهيار العربي الحديث وهي موضوعات تجذب القراء بسهولة فظهرت نصوص عدة في دور النشر الغربية تتناول مغامرات اللجوء أو الهجرة المعاكسة، والكثير منها كان ضمن الصور
النمطية عن الثقافة العربية. واقترب عدد من هذه الأعمال (بحدود ما اطلعت عليه من نصوص هولندية) بصدق من التجربة السورية، وبعضها تعامل مع سورية كحدث عالمي قابل للبيع داخل السوق الثقافي.
وجد سوريون كثيرون أنهم وحدهم لهم الحق في رواية الحكاية السورية، يركضون من هذا الحدث إلى آخر ليصححوا الرواية القادمة من يقينهم الشخصي وما يعتقدون أنه حقهم وحقيقتهم!
ماذا فعلت الثورة باللغة السورية نفسها؟
في الكلام اليومي العادي في مقهى الروضة أو سواها، الناس يتحدثون بطريقة مختلفة، يتذكرون بطريقة مختلفة، كأن البلاد كلّها خرجت وهي تحمل تعباً خفيفاً في صوتها، وأرصفتها ووجوه ناسها.
بتنا نحاول حماية تفاصيلنا من الضياع: رائحة البيت، واسم شارع، ووجه الأم، وصوت الصديق الذي اختفى، والحارة التي تم تدميرها و غرفة الطعام، كما حدث في معظم مدينة دير الزور مثلاً أو داريا أو جوبر والقابون!
أخيراً: لغتنا مثلنا هشّة، تخرج من الحروب متعبة. لكنها، رغم ذلك، تواصل الكلام.
عنفوان الثورة الذي يلفنا يولد لغة من يقين، نحتاج وقتاً حتى نبرّد رؤوسنا الحامية، التي تبحث عن لغة تعبر عن انكساراتها وفقدانها، وفي الوقت نفسه عن يقينها الجارف، وثقتها بالنصر الذي تحقق، تحاول أن تعبر عنه كل يوم لتؤكد لنفسها أنه تحقق، نعم تحقق!
- تلفزيون سوريا






















