دمشق ـ «القدس العربي» : أعلنت الولايات المتحدة، أمس الثلاثاء، عن بدء تقليص وجودها العسكري في سوريا، مع خطة لإغلاق معظم قواعدها والإبقاء على قاعدة واحدة فقط، في خطوة، تعكس، حسب ما قال خبراء ومراقبون لـ «القدس العربي»، تحولا استراتيجيا لافتا وإعادة تقييم للدور الأمريكي في سوريا.
تقليل الأعباء
وصرّح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، أمس الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة بدأت في تقليص وجودها العسكري في سوريا، مع نية تقليص عدد القواعد من ثمان إلى واحدة فقط، موضحا أن هذا القرار يأتي في إطار مراجعة شاملة للسياسة الأمريكية في سوريا.
وقال: إن «الوجود العسكري الأمريكي في سوريا سيتقلص تدريجيا، مع الحفاظ على قاعدة واحدة في الشمال الشرقي، لدعم العمليات ضد تنظيم «داعش» وضمان الاستقرار في المنطقة».
وأضاف أن «هذا التحول يعكس التقدم المحرز في مكافحة تنظيم «داعش»، ويهدف إلى تقليل الأعباء العسكرية والمالية على الولايات المتحدة، مع الحفاظ على القدرة على الردع ومكافحة الإرهاب في المنطقة».
فيما أكد البنتاغون أن «الولايات المتحدة بدأت في سحب مئات الجنود من سوريا، مع إغلاق عدة قواعد عسكرية، وذلك في إطار توجيهات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة».
وأشار مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن «هذا الانسحاب يتم بالتنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين، لضمان عدم حدوث فراغ أمني يمكن أن يستغله تنظيم «داعش» أو أي جماعات متطرفة أخرى».
وفي تصريحات أخرى، أوضح باراك أن «الولايات المتحدة تشجع قوات سوريا الديمقراطية على الاندماج في الجيش السوري الوطني، كجزء من الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار وإعادة توحيد البلاد» مشيرا إلى أن «هذا الاندماج سيساعد في تعزيز قدرات الحكومة السورية الجديدة على مواجهة التحديات الأمنية، خاصة في ظل استمرار تهديد تنظيم داعش».
ولفهم دلالات هذا القرار والتبعات المحتملة المترتبة عليه، قال الكاتب والباحث السياسي طلال عبد الله جاسم لـ «القدس العربي» إن التدخل العسكري الأمريكي في سوريا، والذي جاء ضمن تحالف دولي لمحاربة تنظيم «الدولة»، تمركز أساسًا في مناطق الجزيرة السورية، مشيرًا إلى أن ترامب كان قد عبّر عن رغبته في الانسحاب خلال ولايته الأولى، غير أن ضغوطًا داخل الإدارة الأمريكية حالت دون تنفيذ ذلك القرار في حينه. أما اليوم، حسب جاسم، فإن المعطيات قد تغيرت جذريا، ما يرجّح أن الانسحاب سيتم دون عوائق تُذكر. وأكد أن من أبرز تلك المتغيرات «سقوط النظام ووجود حكومة شرعية في دمشق تتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية على أعلى المستويات، ما أتاح لواشنطن إمكانية إعادة النظر في وجودها العسكري».
محللان تحدّثا لـ «القدس العربي» عن أسباب الخطوة
واعتبر أن الولايات المتحدة تسعى الآن للتخلص من أعباء جسيمة، من بينها مخيمات تكتظ بالنساء والأطفال، وسجون تضم آلاف المعتقلين، بينهم قاصرون لا يخضعون لمحاكمات عادلة أو لم توجه إليهم تهم بشكل قانوني.
وأشار إلى أن الوجود الأمريكي في سوريا لم يعد مبررا لا من الناحية القانونية ولا السياسية، خاصة في ظل غياب موافقة دولية أو موافقة الدولة السورية ذات السيادة.
وأضاف أن «تنامي الرفض العربي لهذا الوجود» بات واضحا، معتبراً أن استمرار القوات الأمريكية على الأراضي السورية يُعد «عائقا أمام إعادة دمج مناطق الشمال الشرقي ضمن الدولة السورية»، وترك السكان تحت حكم مجموعات غير نظامية.
وأوضح أن «استثمار موارد المنطقة لا يتم بطريقة قانونية، وهو أمر قد تترتب عليه تبعات مستقبلية»، لافتًا إلى أن الظروف باتت مواتية لأن تسحب الولايات المتحدة قواتها، تاركة المسؤولية الكاملة للحكومة السورية ودول الإقليم، مثل المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والأردن، التي ستتولى، حسب قوله، دعم الحكومة السورية في مواجهة فلول تنظيم «الدولة»، بالإضافة إلى نقل السجناء إلى عهدة الدولة السورية تمهيدًا لمحاكمتهم، أو ترحيلهم، أو إعادة تأهيلهم، حسب كل حالة.
إعادة ترتيب المنطقة
وفي رأيه أن ما يجري حاليا يعكس ترتيبات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة ودول إقليمية بارزة، في مقدمتها السعودية وتركيا وقطر، بهدف إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة. وأكد أن هناك «قرارا دوليا حاسما» بإنهاء وجود الميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط، وأن تنفيذه سيتم بوتيرة أسرع مما هو متوقع.
وختم تصريحه بالقول إن المعطيات تشير إلى وجود توافق دولي ـ خليجي ـ تركي على استقرار سوريا، وفتح الطريق أمام إعادة إعمارها وازدهارها، مما قد يضع حدًا لمرحلة من الفوضى ويمنح الشعب السوري فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
وكانت الولايات المتحدة كانت قد نشرت نحو 2000 جندي في سوريا، معظمهم في الشمال الشرقي، لدعم قوات سوريا الديمقراطية في محاربة تنظيم «داعش». ويأتي هذا الانسحاب في إطار استراتيجية أوسع لإعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتقليل الانخراط في النزاعات الإقليمية الطويلة الأمد.
بعد سلبي
وفي هذا الإطار، قال الأكاديمي السوري محمود حمزة لـ «القدس العربي» إن التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن تقليص الوجود العسكري في سوريا تعد «إيجابية بشكل عام»، لكنه عبّر عن تحفظه إزاء الإبقاء على قاعدة عسكرية واحدة في البلاد، معتبراً أن هذه الخطوة تحمل بعدا سلبيا يتمثل في تقديم دعم معنوي لما وصفها بـ«ميليشيات قسد»، التي قال إنها «تحتل ربع مساحة سوريا شرق الفرات وتمتد على ثلاث محافظات».
وأضاف أن هذه المنطقة تقع تحت سيطرة ميليشيات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، متهما إياها بـ«نهب خيرات المنطقة واستغلال مواردها لصالح أجندات غير وطنية». وأشار إلى وجود معلومات تفيد بأن منطقة الجزيرة، التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تضم «عدداً من ضباط جيش النظام السوري الفارين من مناطق أخرى، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين كانوا سابقاً في تركيا.
وأوضح أن حل حزب العمال الكردستاني وتسليم أسلحته دفع العديد من مقاتليه إلى الانتقال نحو منطقة الجزيرة والفرات، ما جعل هذه المناطق، حسب تعبيره، «خاصرة رخوة» في الجغرافيا السورية، ومصدر تهديد مستمر لوحدة البلاد.
وأكد حمزة أن سوريا اليوم «بانتظار الخطوة الأخيرة»، وهي دمج جزء من عناصر «قسد» في صفوف الجيش السوري، بما يتيح إعادة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، في محافظاتها الثلاث، إلى سيطرة الحكومة السورية الجديدة بشكل كامل. واعتبر أن هذا التطور سيمثل نهاية مرحلة من الانقسام والفوضى، ويعيد للبلاد وحدتها الجغرافية والسياسية.
وأشار الأكاديمي السوري إلى أن الولايات المتحدة تتبع ما وصفها بسياسة «عدم الانسحاب الكامل»، من خلال الإبقاء على قاعدة عسكرية واحدة داخل الأراضي السورية، موضحًا أن هذا الوجود، وإن كان رمزيا، إلا أنه يحمل رسائل استراتيجية مهمة إلى الدول الإقليمية المعنية بالملف السوري والعراقي.
وخلص إلى القول إن «الأخطر من إبقاء القاعدة الأمريكية في سوريا هو استمرار ملف «قسد» دون حل جذري»، محذرا من أن ذلك قد يُبقي التوتر قائمًا في المنطقة، ويعرقل الجهود الجارية لتحقيق استقرار شامل في سوريا، وفق ترتيبات إقليمية ودولية باتت واضحة المعالم.
- القدس العربي


























