أصبحت سورية محطّ أنظار العالم في الأشهر الماضية، وتحديداً منذ إعلان الرئيس ترامب عزمه رفع العقوبات عنها، وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع باريس، وزياراته المتكرّرة إلى تركيا والخليج. لم تعد سورية معزولةً أو منبوذةً أو متروكةً للتعفّن الكامل. هناك فرصة كبيرة إذاً، واحتضان حقيقي من العرب والعالم. بالتالي، الأمر مرهون بما ستفعله إدارة الرئيس الشرع، إذ تقف أمام تحدّيات متعدّدة، منها ما يخصّ مسارها السياسي الذي يواجه انتقادات كثيرة، وتتكثّف في عدم إشراك فئات من المعارضة أو الشعب فيها، واحتكار شخصيات أساسية من الإدارة، ومن يواليها، أغلبية الإدارات في مختلف مؤسّسات الدولة. والتشاركية موضوع ضغوط دولية تطالب بإشراك الأقليات، وهناك اشتراطات بتعدّدية سياسية وحكم تمثيلي، وهذا يتلاقى مع مطالب داخلية، تؤكّد الشيء نفسه.
عدا عن التحدّيات السياسية، هناك تحدّيات أمنية وعسكرية، ورغم محاولات وزير الدفاع، مرهف أبو قصيرة، ضبط الفصائل وحلّها ودمجها في وزارته، وإصدار مذكّرة قواعد لسلوك العسكريين، فلا تزال المهمّة صعبةً للغاية، وقد تزامن رفع العقوبات الأوروبية في الأيام الماضية مع فرض عقوبات جديدة بحقّ ثلاث فرق عسكرية كبيرة (السلطان مراد وسليمان شاه والحمزات)، وبحقّ قائدَين عسكريَّين (أبو عمشة وأبو بكر) كذلك. لضلوعهم في “جرائم تعسّفية” و”أعمال تعذيب” في مارس/ آذار الفائت في مدن وبلدات في الساحل السوري. ويفترض بوزير الدفاع حلّ هذه الفرق، وإبعاد هذَين القائدَين، فهل سيفعل؟ وإن لم يفعل، ماذا ستكون ردّة فعل أوروبا؟… على الإدارة الإسراع بإعادة تشكيل الجيش وأجهزة الأمن على أسس وطنية، وإبعاد (عدا المقاتلين الأجانب) كل الشخصيات التي ترفض هذه الأسس. ويرتبط هذا التحدّي بتأمين بيئة آمنة ومستقرّة، وإنهاء أشكال التعدّيات على الحريات الفردية والعامّة، وإيجاد حلّ حقيقي وتفاوضي للسلاح لدى فصائل في السويداء أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي. هناك التحدّي الاقتصادي، وهو معقّد للغاية، وهناك انتقادات شديدة لكيفية إدارة هذا الملفّ؛ فلم يصدُر بعد قانون للاستثمار، ولا قانون للمصارف، ولم تنشأ محكمة خاصّة بالاستثمارات، ولم يرتبط النظام المالي بنظام سويفت بعد، ولا تزال النافذة الواحدة مغلقة، وهذه بيئة غير ملائمة لتدفّق الاستثمارات.
دولة بحاجة إلى أشكال المساعدة كلّها، ولكنّها بحاجة (مجدّداً) إلى عقليات دولتية، ولخطط وطنية في المجالات كافّة، والبدايات السليمة تقود إلى إمكانية النهوض العام
يشكّل غياب خطّة اقتصادية واضحة لكيفية استقبال الاستثمارات الخارجية، وتحديد مجالات عملها، الإشكالية الكبرى، ويمكن الوصول إلى تلك الخطة بدعوة الخبراء الاقتصاديين إلى اجتماعات مكثّفة، وهذا لم يتحقّق. وقد بدأت أصوات اقتصادية قريبة من السلطة تطالب به، وتنتقد غياب الشفافية وأسس الحكم الرشيد والحرية الاقتصادية، وسيادة التجريب والفوضى في هذا التحدّي. يذلّل هذه العقبات تدفّق شركات عالمية عديدة للمساهمة في إعادة الإعمار، ولكن غياب الشفافية من العقود التي أبرمت (أو ستبرم) يمثل إشكالية حقيقية ستضرُّ بالسلطة نفسها، وأيضاً ستُمكّن هذه الشركات من اختيار القطاعات التي ترغب في الاستثمار فيها، وهذا يتعارض مع البدء بقطاعات معنيّة صناعية وزراعية وعقارية، وخاصّة في المدن المُدمَّرة، لتكون الأساس لنهوض بقية القطاعات.
شكّل الاتفاق الأولي حول النهوض بقطاع الكهرباء مع شركات قطرية وتركية وأميركية بدايةً إيجابيةً، فإعادة إنتاج الكهرباء بشكل منتظم ستكون المدخل السليم للنهوض بمختلف قطاعات الاقتصاد، الكبيرة والصغيرة، وستكون الفائدة عامّة، وستكون كلفته للاستخدام المنزلي أو الصناعي المشكلة الكبرى في المستقبل. وبالتالي، يجب مراعاة ذلك في نصوص الاتفاقيات مع هذه الشركات، فسورية دولة فاشلة الآن، وتحتاج إلى المساعدة، لا للاستثمار فيها على أرضية أنها فاشلة، وهناك أكثر من 90% تحت مستوى خطّ الفقر.
أصوات اقتصادية قريبة من السلطة السورية الجديدة تنتقد غياب الشفافية وأسس الحكم الرشيد والحرية الاقتصادية، وسيادة التجريب
يعدُّ التحدّي الاجتماعي الأخطر، ويرتبط بالسابق، ولكنّه يؤثّر في التحدّيَين الأمني والسياسي. سيؤدّي تدفق الاستثمارات العربية والأجنبية إلى إيجاد فرص عمل محدودة، ولكن تركّز الاستثمارات في بناء المدن المُدمَّرة والزراعة والصناعة سيؤدّي إلى التخفيف من حدّة هذا التحدّي. لقد مرّت ستة أشهر والأزمة الاجتماعية هي نفسها، فهناك ضرورة لإيجاد حلول معيّنة لمواجهتها، وعدم ترك الأمور من دون خطّة مرسومة، ومُعلنة، ومُناقشة ومحدّدة بأزمنة، وعبر الإعلام الرسمي. هناك تحدّيات كبيرة أخرى تتعلّق بعدم عودة بقيّة اللاجئين، ووجود ملايين السوريين في المخيّمات، وهناك مشكلة التعليم الكُبرى، ووجود ملايين الأطفال والمراهقين خارج التعليم، وأيُّ تعليمٍ يجب التركيز فيه في هذه المرحلة، ويرتبط هذا بالخطّة الاقتصادية، وبأيّ القطاعات سيُبدَأ فيها. سورية خارجة من حرب، ومن تعفّن وانقسامات مجتمعية، امتدّت أربعة عشر عاماً، وتدخّلات دولية ضدّ مصالح الشعب. هي دولة بحاجة إلى أشكال المساعدة كلّها، ولكنّها بحاجة (مجدّداً) إلى عقليات دولتية، ولخطط وطنية في المجالات كافّة، والبدايات السليمة تقود إلى إمكانية النهوض العام.
أشكال النقد المختلفة، التي وجهها كاتب هذه السطور عبر “العربي الجديد”، كانت بقصد المساهمة في هذا النهوض، إلى جانب آخرين كتبوا عن تحدّيات تواجهها سورية مذكورة أعلاه. والآن، نالت الإدارة الثقة العالمية، ولكنّها ثقة مشروطة، ولنلاحظ العقوبات الأوروبية الجديدة، وهناك الرفع الأميركي لعقوبات تتطلّب موافقة الكونغرس كذلك، وسيكون هناك نقاشات واسعة حول البيئة التي تحقّقت في سورية، وتسمح برفعها، والكلام يخصّ الحرّيات السياسية والاقتصادية والاستقرار الأمني أولاً، وهناك الشروط الأميركية المتعلّقة بأمن الكيان الصهيوني أو بالأسس التي يبنى عليها الجيش والأمن ثانياً. إذاً ليس من ثقةٍ مطلقة، أو رفعٍ للعقوبات من دون شروط، ومن يقول بذلك يبيع الأوهام لنفسه وللشعب، وسرعان ما ستتبخّر، وستتزعزع الثقة بالسلطة من جديد.
يشكّل التحدّي السياسي العقبة الكبرى أمام الإدارة الجديدة، والمشكلة هنا أن الإدارة تتجاهل خطورة هذا الموضوع، وهناك من يرى أن خيار الاستئثار والهيمنة هو خيارها، وليس في حوزتها أيّ فِكَر عن الديمقراطية أو التعدّدية السياسية أو إشاعة الحريات العامّة بقوانين. نعم، ليس لدى الإدارة تجربة ديمقراطية سابقة، وتعدّد الفصائل، وشخصيات السلطة القوية، يحدان من الركون إلى الديمقراطية شكلاً للحكم السياسي، ولكن هذا يتعارض مع ميل شعبي عام، سرعان ما سيعود ليسأل عن أسباب تأخّر المباشرة بالتشاركية، وعن الانتخابات وعن احتكار السلطات… هل تغيّر الإدارة مسارها السياسي وتنفتح تجاه إشراك الشعب، وتبدأ بانتخاب مجلس الشعب في الأسابيع المقبلة، وتكفّ عن سياسة التعيين، وتسعى إلى أن تتجاوز التحدّيات الكبرى أعلاه؟
- العربي الجديد


























