تتسارع التطورات الميدانية في الحرب الجوية والصاروخية بين إيران وإسرائيل، فيما ترتفع حدة الانتقادات داخل واشنطن، لا سيما في الأوساط الديمقراطية التي تهاجم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسبب ما يعتبرونه إخفاقاً في تحقيق وعوده، فالرئيس الذي تعهّد بإنهاء حربين مفتوحتين في (أوكرانيا وغزة)، يجد نفسه الآن أمام بوابة حرب ثالثة، أكثر تعقيداً وأبعد مدى.
ويقول الديمقراطيون إنّ إدارة بايدن سلّمت ترامب منطقة شرق أوسط مستقرّة نسبياً وخاضعة للنفوذ الأميركي، لكن مجريات الأحداث اليوم تنذر بفقدان تلك السيطرة.
في المقابل، يصعّد اللوبي اليهودي الأميركي ضغوطه لدفع الولايات المتحدة نحو الانخراط العسكري المباشر في الحرب، وصولاً إلى هدف استراتيجي يتمثّل في إسقاط النظام الديني الإيراني واستبداله بنظام “أكثر اعتدالاً”.
الحجة المعلنة: هذا النظام بات خطراً على المصالح الأميركية وعلى استقرار إسرائيل والمنطقة. غير أن إدارة ترامب، رغم كل التصعيد، ما زالت ترفض المجازفة باستهداف البنية الدينية للسلطة في طهران، وتفضّل سياسة الضغط لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر تشدداً.
لم يكن التنسيق بين ترامب ونتنياهو خفياً، إذ سبق إطلاق عملية “الأسد الصاعد” -المستلهمة من نصوص توراتية- اتصالات مباشرة بين الجانبين.
ومع ذلك، لم يذهب ترامب إلى حدّ تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل: لم يسمح باستخدام القاذفات الأميركية المتخصصة، ولم يسلّم تل أبيب القنبلة الوحيدة القادرة على اختراق أعماق المواقع النووية الإيرانية، هذا التقييد في الدعم يفسّر اقتصار الأضرار الإسرائيلية على المنشآت فوق الأرض أو تلك القريبة من السطح، من دون القدرة على تدمير الأعماق الحيوية، كمنشأة نطنز.
المعطيات تشير إلى أن عمليات استخبارية نُفّذت داخل إيران عبر مجموعات تابعة لـ”مجاهدي خلق” وبالتنسيق مع جهاز الموساد من قاعدته في أذربيجان..
هذا التدرّج في مستوى القصف قد يكون مقصوداً من ترامب، بهدف دفع إيران للعودة إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف، فوزير الدفاع الأميركي السابق ليون بانيتا أشار إلى أن تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل غير ممكن من دون قنابل خارقة للتحصينات، فيما رأى الجنرال جوزف فوتل، القائد السابق لـ”سنتكوم”، أن هذه المواجهة لن تكون سريعة ولا حاسمة، بل ستأخذ وقتاً يمتدّ إلى مدى غير محدد.
في ضوء هذا المشهد، تتصاعد الهواجس داخل البيت الأبيض من احتمال الانزلاق غير المحسوب نحو تدخل مباشر، أو الانجرار إلى مشروع إسرائيلي يقضي بـ”تفكيك” بنية النظام الإيراني.
المعطيات تشير إلى أن عمليات استخبارية نُفّذت داخل إيران عبر مجموعات تابعة لـ”مجاهدي خلق” وبالتنسيق مع جهاز الموساد من قاعدته في أذربيجان، وقد نجحت بعض العمليات في توجيه ضربات مباغتة، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في تعقيد المشهد، ودفعت بعض دوائر صنع القرار الأميركي إلى التحذير من التصعيد غير المنضبط.
ترامب، من جهته، لا يبدو راغباً في قلب النظام الإيراني كلياً، بل يسعى لتطويعه وترويضه، خصوصاً في ظل الحسابات المتعلقة بالصين، فالإدارة الأميركية تنظر إلى طهران بوصفها ورقة ضغط مفيدة في الصراع مع بكين، ولا تريد فتح جبهة فوضى قد تطيح باستقرار الخليج وآسيا الوسطى.
أضف إلى ذلك أن النظام الإيراني، رغم ضعفه الظاهري، ما يزال يحتفظ بدعم شريحة صلبة تُقدّر بنحو 20% من السكان، حسب نتائج الانتخابات الأخيرة.
لا يمكن قراءة المشهد الإيراني دون التوقف عند موقف روسيا، التي وقّعت مع إيران في مطلع العام الجاري اتفاقية شراكة استراتيجية بعد سنوات من التفاوض، ورغم التناقض الأيديولوجي بين موسكو وطهران، إلا أن الجانبين التقيا على أساس تقاطع مصلحي في وجه واشنطن، لكن الاتفاق لم يتضمّن بنداً للدفاع المشترك، بل اكتفى بصيغة فضفاضة تمنع استخدام أراضي أحد الطرفين في الاعتداء على الآخر.
التحالف بين البلدين شهد تقلبات كثيرة، فعام 2015، كشف وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أن روسيا سعت إلى عرقلة الاتفاق النووي، قبل أن تعدّل موقفها في اللحظات الأخيرة، أما بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، فاستفادت موسكو من خبرة طهران في الالتفاف على العقوبات، كما حصلت على طائرات مسيّرة وصواريخ رخيصة الثمن لدعم عملياتها.
في المقابل، منحت طهران تكنولوجيا عسكرية متقدمة، مما زاد من تعقيدات الملف النووي، لكن سقوط نظام الأسد -حليف مشترك للطرفين- شكّل نقطة تحول، إذ برز تباين في أولويات البلدين: روسيا كانت حريصة على تثبيت وجودها في طرطوس وحميميم، فيما انشغلت إيران بإعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية في سوريا، ما أثار ريبة موسكو.
ما تسعى إليه واشنطن حالياً لا يبدو أنه إسقاط النظام الإيراني، بل إعادة هندسة السلطة من الداخل، عبر الدفع باتجاه صعود شخصيات دينية أو سياسية تنتمي للنظام لكنها أكثر براغماتية وواقعية..
اليوم، يخشى الكرملين أن يؤدي التصعيد الإسرائيلي إلى تفكيك النظام الإيراني، بما يهدد الاستقرار في آسيا الوسطى، في الوقت نفسه، لا ترغب روسيا في نجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران، إذ سيضرّ ذلك بمصالحها النفطية ويقصيها من ترتيبات ما بعد الأزمة. كذلك، فإن امتلاك إيران للسلاح النووي لا يخدم المصالح الروسية، بل يشكّل تهديداً مباشراً.
في هذا السياق، تلوح فكرة الوساطة الروسية كأفضل خيار لبوتين، تضمن له موقعاً تفاوضياً وتُبعد عنه شبح الفوضى.
ما تسعى إليه واشنطن حالياً لا يبدو أنه إسقاط النظام الإيراني، بل إعادة هندسة السلطة من الداخل، عبر الدفع باتجاه صعود شخصيات دينية أو سياسية تنتمي للنظام لكنها أكثر براغماتية وواقعية، هذا المسار، إن تحقق، يجنّب الانفجار الداخلي ويمهّد الطريق لتسوية تضعف القبضة المتشددة دون أن تفتح أبواب الفوضى.
ومع ذلك، فإن تطورات الميدان تسبق الحسابات السياسية. الحرب تزداد اشتعالاً، والضغوط على ترامب تتصاعد، سواء من قبل إسرائيل أو اللوبيات الفاعلة، ومع تجاوز خطوط حمراء كثيرة، يبدو أن السيناريوهات كلها باتت مفتوحة، من تفاوض على أسس جديدة… إلى احتمال انفجار إقليمي لا تملك واشنطن ترف تجاهله.
- تلفظزيون سوريا



























