دمشق ـ «القدس العربي»: واصلت قوات الأمن الداخلي السورية انتشارها ضمن أحياء مدينة السويداء، بعد مواجهات عنيفة بين قوات الجيش والأمن من جهة، ومجموعات محلية مسلّحة من جهة أخرى، تزامنت مع موجة من الغارات الإسرائيلية المباغتة استهدفت مواقع أمنية وتجمعات عسكرية وسط مدينة السويداء، ما أدى إلى مقتل أكثر من 60 عنصرا من الجيش وقوى الأمن، حسب مصادر ميدانية لـ «القدس العربي».
وجاء القصف الإسرائيلي على مواقع قرب اللواء 12 في مدينة إزرع في ريف درعا الشمالي الشرقي، وتجمع لعناصر الأمن العام في محيط مبنى قيادة الشرطة وسط مدينة السويداء،
وشنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي موجة من الغارات على محيط مدينة إزرع في ريف درعا الشرقي، بينما وجه الأهالي في درعا نداءات استغاثة جراء تزايد أعداد المصابين بشكل يفوق قدرة الكوادر الطبية والمنشآت الصحية على الاستيعاب، وعلى رأسها مستشفى درعا الوطني، ومستشفى إزرع الوطني، ومستشفى بصرى الشام، مؤكدين أنهم «بحاجة ماسة للمستلزمات الطبية والكوادر».
وفي بيان رسمي، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه هاجم آليات عسكرية تابعة للحكومة السورية في منطقة السويداء «بتوجيهات من المستوى السياسي»، مضيفاً أن هذه الضربات «جاءت بعد رصد قوافل من ناقلات الجند المدرعة والدبابات تتحرك نحو المدينة منذ مساء أمس».
وأكد أنه استهدف عدداً من الآليات الثقيلة، بينها دبابات وناقلات جند ومدافع صاروخية، بالإضافة إلى قصف طرق الوصول بهدف عرقلة تحرك القوات إلى المنطقة.
وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، يسرائيل كاتس، قد أعلنا أنهما أعطيا تعليمات واضحة للجيش الإسرائيلي بضرب القوات والمعدات السورية التي تم إدخالها إلى السويداء على الفور، معتبرين أن إدخال هذه القوات والأسلحة «يمثل خرقاً لاتفاق سياسة نزع السلاح المطبقة في المنطقة».
وفي بيان مشترك، أشار نتنياهو وكاتس إلى التزام الحكومة الإسرائيلية بحماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا، انطلاقاً مما وصفاه بـ«تحالف الأخوّة» مع دروز إسرائيل.
وقال مصدر سياسي إسرائيلي إن هجوم تل أبيب على الجيش السوري في محافظة السويداء جنوب البلاد، يجري بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ونقلت القناة 14 العبرية عن مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى، لم تسمه، قوله إن «الهجمات في سوريا تُنفَّذ بالتنسيق مع الأمريكيين».
في حين دعا وزير الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، إلى اغتيال الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.
ولاحقا قال الجيش الإسرائيلي إن عشرات الإسرائيليين عبروا إلى سوريا من قرية مجدل شمس الدرزية في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل.
وأضاف أنه يعمل حاليا على ضمان عودة الإسرائيليين الذين عبروا الحدود بسلام.
ولم يتضح حتى الآن كيف عبر الإسرائيليون الحدود، بهدف مؤازرة دروز سوريا على الأرجح.
ونددت وزارة الخارجية السورية بالاعتداءات الإسرائيلية، معتبرةً أن هذه الهجمات تمثل انتهاكاً خطيراً لسيادة سوريا والقانون الدولي.
وأكدت في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا) أن الطائرات الإسرائيلية نفّذت غارات جوية متتالية استهدفت مواقع محددة جنوبي البلاد، ما أسفر عن سقوط ضحايا من الجيش والأمن الداخلي والمدنيين.
وأضاف البيان أن الهجوم يأتي في سياق دعم إسرائيل لما وصفتها بـ «المجموعات الخارجة عن القانون» في الجنوب، في محاولة لضرب الاستقرار وتقويض وحدة الأراضي السورية.
الهجري تحدّث عن بيان فُرض من دمشق وبضغوط من دول خارجية
وحمّلت الخارجية السورية «إسرائيل المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد»، داعيةً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى إدانة هذا «العدوان» والعمل على وقفه فوراً. كما شددت على حق سوريا المشروع في الدفاع عن أرضها وشعبها بجميع الوسائل التي يكفلها القانون الدولي.
وشددت الوزارة على أن الدولة السورية حريصة على «حماية جميع أبنائها دون استثناء، وفي مقدمتهم أبناء الطائفة الدرزية، الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية والنسيج السوري الواحد».
ودعت الوزارة أهالي السويداء «الشرفاء» إلى الوقوف صفاً واحداً خلف دولتهم وجيشهم الوطني، ورفض الانجرار خلف أي مشاريع مشبوهة أو دعوات فوضوية، لأن التاريخ لا يرحم، وسيسجل المواقف بين من انحاز لوطنه ومن خذله، طبقاً لما جاء في البيان.
وختمت بيانها بالتشديد على التزام الدولة السورية بحماية وحدة أراضيها والدفاع عن كل شبر منها، مؤكدةً أن «الجنوب السوري سيبقى عصياً على التقسيم، متمسكاً بوحدة التراب الوطني رغم كل المحاولات العدوانية»، كما جاء في البيان.
كذلك أدانت وزارة الخارجية التركية التدخل الإسرائيلي في التطورات الجارية جنوب سوريا، مؤكدة أن استخدام إسرائيل للقوة العسكرية يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار في المنطقة، وطالبت بوقف فوري للهجمات.
وأوضحت أن استمرار إسرائيل في عملياتها العسكرية على الأراضي السورية «أمر غير مقبول»، لافتةً إلى أن مثل هذه الهجمات تفاقم التوتر الإقليمي وتعرقل أي جهود لتحقيق السلام في سوريا، حسب وكالة «الأناضول».
وشدد البيان على أن «تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا يصب في مصلحة الشعب السوري والدول المجاورة والمنطقة بأكملها»، داعياً جميع الأطراف إلى احترام وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
كما أكدت الخارجية التركية على ضرورة دعم الخطوات التي تتخذها الحكومة السورية لبسط سيطرتها على كامل البلاد وتعزيز وجودها في جميع المناطق.
وجاء القصف الإسرائيلي بعد أقل من ساعة من ترحيب الرئاسة الروحية للموحدين الدروز بدخول قوات وزارتي الداخلية والدفاع إلى محافظة السويداء، داعية الفصائل المسلحة إلى التعاون معها وتسليم السلاح، وإلى فتح حوار مع الحكومة، وتفعيل مؤسسات الدولة.
وحسب مصادر مطلعة فإنه « التوصل إلى اتفاق مع الشيخ الهجري، والسماح بدخول وحدات الجيش إلى وسط المدينة، أعقبه طلب هدنة وانسحاب القوات، تبين لاحقا أنه جزء من مكيدة محكمة، حيث تَعرّضت قوات الجيش والأمن، عقب الانسحاب، لكمائن منسقة ترافقت مع قصف إسرائيلي مباغت، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى في صفوف الجيش، في واحدة من أخطر الخدع التي استهدفت استقرار الجنوب السوري».
وقالت الرئاسة الروحية، في بيان صباح الثلاثاء: بعد الأحداث المؤسفة التي طالت محافظة السويداء في الأيام الأخيرة، ووقوع عدد كبير من الضحايا على إثرها، وحرصاً على حقن الدماء واستعادة الأمن والاستقرار في المحافظة، وإيماناً منا بأن تحقيق ذلك يقتضي بسط الدولة لسلطتها على المحافظة من خلال المؤسسات الرسمية، وخاصة منها المؤسسة الأمنية والعسكرية: نرحب بدخول قوات وزارتي الداخلية والدفاع لبسط السيطرة على المراكز الأمنية والعسكرية وتأمين المحافظة، وندعو كل الفصائل المسلحة في محافظة السويداء للتعاون مع قوات وزارة الداخلية وعدم مقاومة دخولها، وتسليم سلاحها لوزارة الداخلية، كما ندعو إلى فتح حوار مع الحكومة السورية لعلاج تداعيات الأحداث وتفعيل مؤسسات الدولة بالتعاون مع أبناء المحافظة من الكوادر والطاقات بمختلف المجالات.
وعقب ذلك خرج أحد مشايخ الدروز، حكمت الهجري، في بيان مصور، قال فيه إن المفاوضات مع دمشق لم تسفر عن نتائج أو «صدق في التعامل»، مشيراً إلى أن البيان الصادر عن الرئاسة الروحية للدروز فُرض من قبل الحكومة السورية. وأضاف: «تم فرض البيان الذي أصدرناه بتفاصيله الكاملة من دمشق وضغوط من دول خارجية من أجل حقن دماء أبنائنا، ولكن رغم قبولنا بهذا البيان المذل من أجل سلامة أهلنا وأولادنا، نقضوا العهد والوعد واستمر القصف العشوائي على المدنيين العزل». وتابع الهجري: «نحن نتعرض لحرب إبادة شاملة»، داعياً إلى «الوقوف وقفة عز يسجلها التاريخ»، على حد وصفه. وأردف قائلاً: «نناشدكم يا أهل النخوة من كل مكان ومن كل البلدان، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، للتصدي لهذه الحملة البربرية بكل الوسائل المتاحة».
وفيما انتشرت وحدات من الجيش وقوى الأمن الداخلي في المناطق المتأثرة لفض الاشتباكات وحماية المواطنين والممتلكات، جرى استهدافهم من قبل فصائل محلية بالتزامن مع قصف جوي إسرائيلي.
وخلّفت المواجهات العنيفة موجة من النزوح إلى عمق محافظة السويداء، حيث قالت مصادر أهلية لـ «القدس العربي» إن مئات العائلات من ريفي السويداء الغربي والشمالي نزحوا إلى وسط المحافظة، وسط تسجيل جملة من الانتهاكات رغم التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية بضرورة حماية المدنيين وتجنّب ارتكاب أي تجاوزات.
مصدر أمني في السويداء قال لـ «القدس العربي» إن قوات الأمن الداخلي تواصل انتشارها ضمن أحياء مدينة السويداء لحماية الأهالي والممتلكات ومنع وقوع أي تجاوزات، مشيرا إلى أن قوات الأمن العام سترد على مصادر إطلاق النـار من قبل مجموعات خارجة عن القانون في مدينة السويداء.
تزامنا، دعت وزارة الداخلية جميع الأطراف المحلية إلى التعاون مع قوى الأمن الداخلي والسعي إلى التهدئة، مشددة على أهمية الإسراع في نشر القوى الأمنية في المحافظة، والبدء بحوار لمعالجة أسباب التوتر، وصون كرامة وحقوق جميع مكونات المجتمع في السويداء.
وصباح أمس الثلاثاء، أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة وقفا تاما لإطلاق النار داخل مدينة السويداء، بعد الاتفاق مع وجهاء وأعيان المدينة، على أن يتم الرد فقط على مصادر النيران والتعامل مع أي استهداف من قبل المجموعات الخارجة عن القانون. وأضاف: «أصدرنا تعليمات صارمة للقوات الموجودة داخل مدينة السويداء بضرورة تأمين الأهالي والحفاظ على السلم المجتمعي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة من ضعاف النفوس».
- القدس العربي


























