ليست هناك إحصاءات علمية لمواقف السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون أول/ديسمبر 2024 لكن يمكن التوقع أن أغلبية سكان ذلك البلد تنفّسوا الصعداء وفرحوا بالنهوض من كابوس الحكم الدكتاتوري منذ عام 1970، وعقابيل الحرب الوحشية التي شنّها النظام عام 2011، وحصدت أرواح مئات الآلاف وهجّرت قرابة نصف الشعب.
كانت مظاهرات «ساحة الكرامة» في مدينة السويداء، معقل الدروز في سوريا، ضد النظام، بؤرة الحرّية الوحيدة، والشعلة المتبقية من الثورة، في المناطق التي يسيطر عليها حكم الأسد، كما كانت بعض الفصائل العسكرية المعادية للأسد، مثل «رجال الكرامة»، من أوائل من وصلوا إلى العاصمة دمشق من المنظمات العسكرية في جنوب البلاد، لاستقبال الفصائل القادمة من الشمال بعد خوضها معارك حلب وحماه وحمص، فالتقى بذلك القادمون من المناطق المحررة في إدلب وريف حلب مع ثوار درعا والسويداء، في إشارة إلى اتحاد السوريين المأمول لتأسيس نظام سياسي جديد يقود إلى الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية.
انعكست هذه الوقائع برغبة عامة من السوريين، وعلى رأسهم الدروز، في المشاركة في فعاليات التأسيس للجمهورية الجديدة كالحوار الوطني والإعلان الدستوري والمؤسسات الناشئة وتقاطرت شخصيات سياسية وإعلامية درزية معروفة للالتقاء بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع والوزراء المكلفين والساسة والإعلاميين والنشطاء من كافة أنحاء سوريا والمهجر.
من جهتها، ومنذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد، سارعت إسرائيل إلى ضرب مئات الأهداف العسكرية السورية، والتوغّل البرّي، والاعتداءات على السكان، بشكل شبه يوميّ، فيما بدأت، على المستوى السياسيّ، دعم نزعات الانفصال والعداء للنظام الجديد، فأخذ مسؤولوها الكبار يشدّدون على دعمهم لاستقلال الكرد و«حماية الأقليات»، وعلى رأسها الدروز.
انتهزت إسرائيل في الحالة الأخيرة، الظروف الاقتصادية الصعبة في محافظة السويداء، والروابط التي خلقها الدعم المادي الشهري الذي تقدّمه المرجعية الدينية الدرزية في إسرائيل إلى جهات دينية محددة في السويداء، وانبثق، بشكل مفاجئ، ما سمّي «مجلس السويداء العسكري»، الذي ضمّ عناصر من فلول النظام السوري السابق، وأظهر ميلا متزايدا لدعم دعوات الانفصال عن الوطن السوري الأم والتعاون مع إسرائيل.
إضافة إلى الثقب الأسود الكبير الذي أدخل النظام السابق البلاد فيه، والكارثة الهائلة ممثلة بملايين اللاجئين والمهجرين والمدن المدمّرة والاقتصاد المتداعي بفعل النهب المستشري والفساد والعقوبات العالمية، واجهت حكومة الشرع تحديا أمنيا، تمثّل بمحاولة فلول نظام الأسد السيطرة على الساحل السوري لفصله عن البلاد، ورغم إعلان اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على مناطق رئيسية في سوريا، فإن مجرياته لم تتجسّد تقدما على الأرض، مما أبقى مخاطر الانفصال، واستغلال إسرائيل لها قائمة، وما لبثت الاشتباكات في مناطق جرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، واللتين تسكنهما أغلبية درزية، أن وضعت الحكومة في مواجهة مباشرة أخرى مع الدروز، وكانت هذه اللحظة التي تطابقت فيها استراتيجية إسرائيل لإضعاف النظام السوري مع إمكانيات استغلال شعار «حماية الدروز»، وكانت أيضا لحظة تداعي «شهر العسل» الذي مثّلته الفترة الأولى لسقوط النظام مع السويداء، وأدت الانتهاكات المؤلمة مع دخول قوات النظام، وما تبعها من انتهاكات معاكسة، لحظة تصدّع فظيع للنسيج الأهليّ.
من جهة أخرى، ذكّرت اشتباكات الحكومة مع «حزب الله» على الحدود اللبنانية بالمخاطر التي مثّلها الحزب الذي شارك بقوة في دعم النظام السابق، وأعاد تفجير انتحاريّ أدى لمصرع العشرات في كنيسة بدمشق، تذكير الحكم الجديد بالمخاطر والضغوط التي تمثّلها منظمات «الجهاد المسلّح» السنّية المتطرّفة، والميليشيات الأخرى المنتظمة ضمن النظام ولكنّها لم تخضع بشكل كاف لمنطق الدولة التي تحمي كل سكانها، ولا تمثّل فصيلا أو اجتهادا متشددا ضمن الطائفة السنية.
في تعليق على الأحداث الأخيرة في السويداء، خلص مقال لباحثين بريطانيين في مجلة «نيوستيتسمان» البريطانية المحافظة، إلى أن الهدف الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل واضح وهو استغلال ضعف النظام السوري الجديد لفرض منطقة أمنية منزوعة السلاح في الجنوب السوري يطلق يد إسرائيل، وأن الصدامات الأخيرة سمحت لبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، بالمضي بتنفيذ هذه الاستراتيجية مقدّما نفسه بوصفه «حامي الدروز»، رغم أن ما فعلته تل أبيب، على حد قولهما، «لم يكن بدافع إنساني».
يمضي كاتب إسرائيلي، في مقال نشر في صحيفة «هآرتس»، أمس الخميس، خطوة أبعد في هذا التحليل بقوله إن إسرائيل تسعى لاستخدام دعمها دروز سوريا كوسيلة للدفع بخطة تقسيم البلاد إلى «كانتونات»، درزي في الجنوب، وكردي في الشمال، وربما علويّ في الغرب، وهي خطط تبدو ورديّة إذا رفعت تحت شعارات الفدرالية واللامركزية، لكنها في ظل قوى تجمع بين فلول النظام في الغرب، والمستفيدين من الهيمنة الكردية على حقول النفط في الشمال الشرقي، والطامحين للانفصال في الجنوب، وراع إسرائيليّ لهذه العملية، ليست غير وصفة لحروب أهلية ودمار ما بعده دمار.
- القدس العربي


























