في سوريا ما بعد سقوط الأسد، تواجه البلاد سؤالاً وجودياً يتجاوز من يحكم ومن يعارض. إنه سؤال الهوية: من نحن؟ وكيف نعيد تركيب الاجتماع الوطني من دون أن نعيد إنتاج الكارثة ذاتها؟ وفي قلب هذا السؤال، تقف الأكثرية السنية أمام مرآة الذات: ليس لتتحقق من حضورها، بل لتتأمل في معنى هذا الحضور، وفي الطريقة التي ينبغي أن تكون فيها أمة لا طائفة، وأكثرية لا سلطة.
بعد عقود من الاستبداد الطائفي، حيث اختُزِلت الدولة في فئة، واختُزل الوطن في حكم العائلة، جاء انتقال الرئاسة إلى أحمد الشرع لا ليكون حدثاً سياسياً فحسب، بل لحظة تأسيسية في الوعي العام. الشرع، القادم من مناطق المعارضة، السنيّ الهُوية، يجد نفسه أمام إرث ثقيل من القطيعة، ومن خوف الأقليات، ومن تشوه العلاقة بين الهوية والدولة. وهنا، لا تكفي النوايا ولا تكفي الشعارات؛ بل يُطلب من الأكثرية السنية أن تبرهن – مرة أخرى – أنها ليست طائفة غاضبة، بل أمة راشدة.
الطوائف، بطبيعتها، تَتَعرف على نفسها من موقع القلق. تبني سرديتها حول مظلومية متخيلة أو واقعية، وتُسَوِّر وجودها بخوف دائم من الذوبان أو الإقصاء. أما السنّة، فليسوا كذلك. لم يعرفوا أنفسهم كطائفة، بل كجذر أصيل في نسيج الأمة. لم يحتكموا إلى “الاستثناء الطائفي”، بل إلى “الامتداد الطبيعي”. ولهذا، فإن غياب خطاب المظلومية عن خطابهم لم يكن غفلةً، بل وعياً بأن الشرعية لا تُنتزع بالشكوى، بل تُؤسس بالثقة.
في سوريا، لطالما تم التعامل مع السنّة بوصفهم الأمة. لم يُطالِبوا بـ”حصّة”، بل بوطن. لم يطلبوا اعترافاً، بل عدالة. ولهذا، حين سُلبوا من السياسة، لم يلجؤوا إلى الخنادق الطائفية كما فعل غيرهم، بل ظلوا حتى في لحظات الانكسار، يتطلعون إلى سوريا جامعة، لا إلى “سوريا السنية”.
لكن في لحظة ما بعد الأسد، تبدو مسؤولية الأكثرية أعظم من أي وقت مضى. فالأكثرية، خلافاً لما يُظَن، ليست حالة قوة بل حالة اختبار. أن تكون أكثرية يعني أنك الطرف الوحيد القادر على حماية الجميع، لا لأنك الأقوى، بل لأنك الأوسع صدراً. حين تخاف الأقليات، تبحث عن حماية طائفية. أما حين تخاف الأكثريّة، فإنها تهدد الدولة بأكملها. ولهذا، فإن الخوف ليس رفاهية متاحة لها.
الأكثريّة السنية في سوريا ما بعد النظام مطالبة بأن تعيد تعريف موقعها: لا بوصفها المنتصر، بل بوصفها الضامن. هي التي تحمي المسيحي، والعلوي، والدرزي، والإسماعيلي، والكردي، والشيعي، لا لأنها تملك الحق في الهيمنة، بل لأنها تملك الشرعية الأخلاقية في البناء. هذه ليست دعوة للتنازل، بل دعوة للفهم: وحدها الأكثريّة التي تتراجع خطوة إلى الوراء، تُمكّن البلاد من التقدّم خطوة إلى الأمام.
في لحظة ما بعد الطغيان، يسهل على الأكثريات أن تنزلق إلى منطق الانتقام: أن ترد على الإقصاء بإقصاء مضاد، وعلى الاستبداد باستبداد معاكس. لكن ما لا تدركه هذه اللحظة أن الأقليات حين تُقصى، تتحصن. أما حين تُقصي الأكثرية ذاتها، فإنها تفكك الدولة وتفتح الباب لتحالف الأقليات ضدها، تحالف لا يقوم على انسجام سياسي، بل على خوف مشترك من الغالب.
سوريا الجديدة لا تحتمل نسخة سنّية من نظام الأسد. لا تحتمل ثأراً طائفياً، ولا خطاباً طائفياً مقلوباً. ما تحتاجه، هو انتقال وعي الأكثرية من موقع “النجاة من الاستبداد” إلى موقع “الرعاية الوطنية”. من خطاب الردّ إلى خطاب التأسيس. من الشعور بالتهميش إلى تبني فكرة الدولة التي لا تهمّش أحداً.
الرئيس الجديد، أحمد الشرع، لا يواجه فقط مهمة ترميم المؤسسات، بل مهمة أخطر: ترميم الوعي العام. إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري، على أساس أن الدولة ليست مكافأة لطرف، بل بيتاً مشتركاً للجميع. ولا يمكن له أن ينجح في هذه المهمة إن لم تتحول الأكثرية من جمهور يطالب إلى ضامن يَمنَح. من كُتلة عددية إلى سندٍ أخلاقي للجميع.
هذه ليست رومانسية سياسية، بل شرط بقاء. لا بقاء لسوريا ما لم يشعر الجميع أنهم فيها شركاء لا ضيوفاً، مواطنون لا “أقليات مهددة”. وهذا الإحساس لا يصنعه خطاب دبلوماسي أو قانون توافقي، بل تصنعه روح الأكثرية إن عرفت موقعها الحقيقي.
ليست الأمة من يطلب الحماية، بل من يمنحها. وليست الأكثريّة من يخاف، بل من يُؤمِّن. في سوريا ما بعد الأسد، لا يمكن للسنّة أن يتصرفوا كطائفة، ولا يمكن أن يختزلوا أنفسهم في خطاب مظلومية. ذلك سيكون خيانة لتاريخهم، ولقيمهم، ولنموذج الدولة الذي لطالما حلموا به.
إنهم مدعوون اليوم لأن يكونوا أكثر من أغلبية: أن يكونوا وعياً وطنياً شاملاً، عماداً لوطن لا يتحرك بثارات الماضي بل بآمال المستقبل. فحين تُدرك الأكثريّة أنها مسؤولة لا لأنها الأقوى، بل لأنها الأكثر انتماءً، فإنها بذلك تكتب دستوراً غير مكتوب لسوريا الجديدة: سوريا التي لا تُبنى إلا بالأمم، لا بالطوائف.

























