إذا كان ما يخافه المسؤولون الإيرانيون في مرحلة ما بعد الحرب هو اللعب الخارجي بصعوبات الوضع الداخلي، فإن ما يجب أن يخيفهم أكثر هو الوضع الاقتصادي والمالي المأزوم جداً وانهيار العملة وأخطار الانهيار الكامل خلال أشهر.
طهران تعزف لحنين في وقت واحد: لحن “النصر” على أميركا وإسرائيل في حرب “شيطانية “على “الجمهورية الإسلامية” التي أكدت باقتدار احتلالها موقع “دولة كبرى عالمية مؤثرة”، بحسب تعبير المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. ولحن الخوف من مرحلة ما بعد الحرب، إذ لا مجال لتغطية الواقع بسطوة الأيديولوجيا وصخب “الديماغوجيا”. أما “النصر” المكرر بعد كل معركة تخوضها إیران، فإنه قائم على تجاهل الوقائع الميدانية وما دمرته آلة الحرب الأميركية والإسرائيلية، والتركيز على بقاء النظام وفشل العدو في تحقيق كل الأهداف التي أعلن أنه جاء من أجلها. وأما الخوف، فإنه من “القوة الناعمة” وما حذّر منه الرئيس مسعود بزشكیان، وهو توظيف الأعداء للوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع الأسعار والخلافات الداخلية والتمايزات الفئوية في دفع الناس إلى التحرك في الشارع. ومن هنا مسارعة المرشد لتوجيه رسالة إلى مجلس الشورى للبحث في “الاقتصاد وحاجات الناس”.
لكن “حروب هذا العقد هي حروب مستمرة”، كما يقول الخبير الاستراتيجي البريطاني وأستاذ الشرف في كلية الحرب في لندن، لورنس فريدمان. والصراعات المعاصرة، كما يراها، “لا تنتهي أبداً بانتصار سريع”، لأن ما صار خارج الواقع هو تصور “نهاية واضحة” للحروب. وهذه دروس لأميركا وإسرائیل وإیران وروسيا التي بدأت ما سمتها “عملية عسكرية خاصة” في أوكرانيا “تنتهي في أسابيع”، فصارت في السنة الرابعة من دون نتيجة حاسمة. والمشكلة هي صعوبة التمييز بين “الربح وعدم الخسارة”. واللايقين يرافق حرب إيران، بحيث لا “مذكرة التفاهم” تضمن التوصل إلى اتفاقات على التفاصيل، ولا الاتفاقات نفسها تجعل عودة الحرب مهمة مستحيلة. وأصعب التسويات بعد الحروب هي التي يحاول الوسطاء التوصل إليها حين يدّعي كل طرف في الحرب أنه منتصر، كما هي حال أميركا وإسرائيل وإيران.
وإذا كان ما يخافه المسؤولون الإيرانيون في مرحلة ما بعد الحرب هو اللعب الخارجي بصعوبات الوضع الداخلي، فإن ما يجب أن يخيفهم أكثر هو الوضع الاقتصادي والمالي المأزوم جداً وانهيار العملة وأخطار الانهيار الكامل خلال أشهر. فالمفكر الإيراني المعارض والأستاذ في جامعة أميركية، عبد الكريم سروش يقول “إن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس النقاد من الخارج بل المستبدون الذين يقمعون أصواتهم في الداخل”. وهو ربط بين “الحرية والمساءلة والعدالة”، وطالب المرشد الجديد بـ “فتح المجال أمام النقد العلني”. ورأى المفكر المعارض آصف بیات منذ البدء أن “الحرب لن تؤدي إلى تغيير ديمقراطي أو إيجابي بل ستدمر الطبقة الوسطى والحركات الاجتماعية التي بدأت تتشكل تدريجاً من الأسفل”.
ولا شيء يوحي، حتى إشعار آخر، أن المرشد مجتبى خامنئي يمكن أن “يكون إصلاحياً يطلق السجناء والحريات الاجتماعية ويكسر رقبة الفساد”، كما نقل ولي نصر عن المقربين منه. فالرجل لم يظهر بعد، والرسائل المنشورة باسمه تؤكد تشدده.
وليس من السهل، ولو أفرجت أميركا عن كل الأموال الإيرانية المجمدة، تحسين الوضع الاقتصادي. فما يطلبه الإيرانيون بسيط جداً: حياة عادية. وما لا مجال له في نظام أيديولوجي ديني يصر على “تصدير الثورة” هو تحويل الجمهورية الإسلامية في إيران إلى دولة عادية. وتلك هي المشكلة التي لا حل لها. وهي مشكلة كوريا الشمالية ومشكلة كوبا اليوم وكانت مشكلة الاتحاد السوفياتي، ولا تزال مشكلة أي بلد يقدم الطموحات الخارجية على الأحوال الداخلية. والواقع ناطق. لدى كوريا الشمالية كثير من الصواريخ والقنابل النووية والألوية العسكرية وقليل من الخبز والزبدة على موائد المواطنين، ولولا المساعدات الصينية لازداد الوضع الاجتماعي سوءاً. الاتحاد السوفياتي كان أحد الجبارين الدوليين، لكنه فشل في مادة الاقتصاد وتحسين حياة الناس وسقط تحت أثقال ترسانته العسكرية ومساعداته الخارجية. وإيران تنفق على التسلح الصاروخي والملف النووي وتمويل الفصائل المسلحة المرتبطة بها في المنطقة المليارات ما يجعلها عاجزة عن إرضاء المواطنين. وحدها الصين تمكنت من أن تصبح الاقتصاد الثاني في العالم مع زيادة التسلح وتشدد الحزب الشيوعي، لأنها سارت على خطى دينغ شياو بينغ في ما سماها “الإصلاحات الأربعة” والمرونة في “اقتصاد السوق الاجتماعي”.
وإذا حدثت معجزة واقتنع نظام الملالي بضرورة التوجه نحو حياة عادية، فإن الحاجة كبيرة إلى ثلاثة أمور. أولها القضاء على الفساد المنتشر في صفوف الملالي وضباط الحرس الثوري. وثانيها إصلاح العلاقات مع دول الخليج بعد الاعتداءات عليها خلال الحرب، لأن اقتصاد الخليج هو رئة الاقتصاد الإيراني. وثالثها ليس فقط رفع العقوبات الدولية عنها وفك عزلتها المالية والاقتصادية والإنهاء التام للحرب الأميركية – الإسرائيلية، بل أيضاً التوقف عن طموحات مستحيلة هي إخراج أميركا من غرب آسيا، والإصرار على الجمع بين كونها “دولة وقضية” معاً.
و”التاريخ هو الحكم الأخير” کما قال هيغل.
- إندبندنت























