يختلف الجانبان الأوروبي والأمريكي حول قضايا كثيرة، على رأسها ما يتعلق بسياسات الاقتصاد والتجارة، خاصة بعد فرض الولايات المتحدة ضرائب وجمارك مضاعفة على السلع الأوروبية، وإعلان سياسة «حمائية» قاسية ومتناقضة مع حرية التجارة. يختلف الجانبان كذلك حول رؤية ترامب لقضايا الأمن القومي، وما ذكره بشأن أن ليس هناك ما يجبر بلاده على مواصلة الالتزام بحماية دول الاتحاد الأوروبي من التهديدات، وإن كان هذا هو أهم ما يجمع الدول المنضوية تحت مظلة حلف «الناتو».
في المقابل، فإن هناك في سياسة الرئيس ترامب ما يثير إعجاب الأوروبيين، وإن وجدت قلة منهم الجرأة على الاعتراف بذلك، وهو الجانب المتعلق بسياسة الهجرة، التي يتعامل معها ترامب بشكل حازم ومن دون اكتراث، بما تم إقراره من قبل من نظم وقوانين. ترامب، بخلاف القادة الأوروبيين الآخرين، لا يهتم كثيرا لما يمكن أن يواجهه من انتقادات داخلية أو خارجية بشأن سياساته، ولا يكترث لضغوط الجماعات المعنية بحقوق الإنسان، وهو ما ظهر مؤخرا حينما أعلن وقف استقبال طلبات اللجوء، باستثناء تلك المقدمة من بيض جنوب إفريقيا. كما ظهر ذلك في استهانته بردود الأفعال المتعلقة بالإجراءات، التي نتج عنها تفريق العائلات، عبر ممارسة تعتمد ترحيل الأهل وإبقاء الأطفال، الحاصلين على الجنسية الأمريكية بالميلاد.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود اليمين النازي، وحتى ظاهرة مثل ظاهرة الرئيس الأمريكي الشعبوي، كل هذه، هي من نتائج نظام اللجوء الفاشل والخاضع للاستغلال
ترامب ينظر بسخرية لهذه الانتقادات وكذلك لآلاف المتظاهرين، الذين يخرجون بين حين وآخر منددين بسياسات الهجرة الجديدة، وباستخدام الشرطة للقمع والعنف والاعتقال العشوائي ضد من يعتبرونهم مقيمين غير شرعيين. الرئيس الجمهوري، الذي لم يتردد في الاستعانة بالجيش وبقوات المارينز، من أجل إعادة الاستقرار ووقف المظاهرات، يكتفي، مسنودا من شريحة واسعة من داعميه، باعتبار أن أي اعتراض على مخططه، المعتمد على ترحيل عدد كبير من المقيمين، ليس سوى مؤامرة من الديمقراطيين، الذين يسعون بنظره لتخريب الولايات المتحدة، من خلال جعلها بلدا بهويات متعددة، ومن خلال إغراقها بملايين المهاجرين، الذين يصفهم بـ»المجرمين». اليمين الأوروبي الصاعد، لكن المكبل بقوانين اللجوء وقواعد السياسة الاجتماعية والهجرية، التي وضعها الاتحاد الأوروبي، بحيث تكون متماشية مع المعاهدات الأممية، يعتبر ما تقوم به السلطات الأمريكية من أعمال، تشمل الاعتقال المفاجئ، والمداهمات في الشوارع وفي أماكن العمل، بواسطة أفراد أمن لا يكشفون عن هوياتهم، أمرا مبررا في سبيل حماية الأمن الاجتماعي. الأمر لا يتعلق فقط باليمين المتطرف، ففي شهر مايو الماضي، عقد زعماء تسع دول أوروبية اجتماعا كانت خلاصته هي، الاتفاق على أن معاهدات الهجرة واللجوء الحالية، لم تعد صالحة ولا مواكبة لتحديات اليوم، التي يأتي على رأسها، تزايد أعداد النزاعات المسلحة وارتفاع عدد ضحاياها، واستطالة أمدها بما يضاعف أعداد طلبات اللجوء.
تماشيا مع هذا، وفي عدد نشر أواسط الشهر الماضي من مجلة «إيكونومست»، وجدت الإصدارة البريطانية المرموقة في نفسها الشجاعة الكافية للتعبير عن الرأي، الذي يقول، إن نظام اللجوء والحماية بشكله الحالي يجب أن يُراجع. أفرد العدد، الذي كان عنوان غلافه «إلغاء نظام اللجوء وبناء شيء أفضل»، مساحة لنقد قوانين الهجرة الأوروبية مع إعجاب لا يخفى بالمسلك الأمريكي. بدأ مقال المجلة الافتتاحي بمقدمة استعرضت نشوء المعاهدات الناظمة للحق في اللجوء، وعلى رأسها معاهدة الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951، التي كان المقصود بها منح الحماية للفارين من نظام ستالين الشيوعي، والتي كانت تنص على ضرورة حماية كل من يخشى العودة لبلاده لأسباب أمنية مع تجريم الإعادة القسرية. هذه المعاهدة، التي أنشئت في الأصل من أجل حماية اللاجئين الأوروبيين الهاربين من العنف، لم يتم تعميمها على دول العالم إلا في عام 1976، حيث أصبحت عالمية وملزمة، بعد أن وقعت معظم الدول عليها.
صحيح أن هناك دولا لم تلتزم بهذه المعاهدة، كالصين، التي لا تجد حرجا في إعادة المواطنين الفارين من نظام كوريا الشمالية، وكغيرها من الدول، التي لا تظهر ترحيبا باستقبال اللاجئين، إلا أنها ظلت إحدى المعاهدات الأكثر احتراما من قبل العالم الغربي. بالتركيز على هذه المقدمة هدفت المجلة للقول، إن الظروف، التي تم التفكير فيها بوضع أسس ضامنة لحماية من يتعرض للاضطهاد والملاحقة من الأوروبيين، باتت مختلفة، حيث لم يرد بخلد من وضعوا هذه المواثيق أن العالم سوف يتغير، وأن أوروبا سوف تكون خلال وقت قصير، وجهة لملايين الفارين، الذين سيستغلون ثغرات القانون من أجل طلب الهجرة والإقامة ومن ثم الرعاية الاجتماعية وحقوق المواطنة.
يذكّر هذا بمخاوف اليمين المتطرف، الذي ينطلق من حقيقة وجود 123 مليون ضحية للنزاعات والاضطرابات الدولية، للقول إن أغلب هؤلاء يفضلون التوجه للبلدان الأوروبية، وهو أمر غير ممكن ويفوق قدرة هذه الدول على الاستقبال. اليمين يرفض المهاجرين واللاجئين لسبب آخر، حيث يرى أن أغلب هؤلاء ينحدر من الجنوب المسلم، الذي يملك ثقافة مختلفة، والذي سيؤثر استقبال أبنائه على المدى البعيد على هوية البلاد المهددة بالفعل، والتي ستتعرض بشكل تدريجي للتجريف.
النقطة، التي يمكن الاتفاق حولها هي، أن هناك سوء استغلال للحق في الحماية، وأن كثيرا ممن يتقدمون بطلبات اللجوء هم في الأساس يفعلون ذلك لأسباب اقتصادية، لأن لا طريقة أخرى تضمن لهم البقاء بشكل شرعي في دول الشمال الغنية، التي يظنون أن البقاء فيها يوفر لهم فرص حياة أفضل.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود اليمين النازي، وحتى ظاهرة مثل ظاهرة الرئيس الأمريكي الشعبوي، كل هذه، وفق المجلة، هي من نتائج نظام اللجوء الفاشل والخاضع للاستغلال. كما دعت المجلة لضرورة أن يكون هناك مساقان، أحدهما لمنح فرصة لمن يحتاج للحماية، والآخر لاستقبال العمال والمهاجرين الباحثين عن عمل، والذين تحتاج أوروبا أعدادا كبيرة منهم لتعويض ما ينقصها من أياد عاملة. مخرج آخر يطرح في الساحات السياسية والأكاديمية كحل لوجود حاجة لمساعدة اللاجئين بعد غلق الباب الأوروبي، وهو المتعلق أولا برفض استقبال اللاجئين، الذين عبروا بالفعل من خلال دولة آمنة، حيث لا يفهم كثير من السياسيين والناشطين الأوروبيين، لماذا يكون عليهم استقبال لاجئ قادم من بلد بعيد من بلدان أمريكا اللاتينية مثلا. أما المخرج الثاني فهو توجيه من يمكن النظر في حالتهم لدولة قريبة ثالثة ودعمها بحيث توفر لهم ملاذا مؤقتا ريثما يتم البت في ملفهم، أو حتى تنتهي الأزمة في بلادهم. بهذه الطريقة تكون القارة البيضاء واللاجئون البائسون في مأمن بالقرب من بلادهم. حتى إن تعلق الأمر بتقديم بعض الدعم المالي لأولئك اللاجئين بشكل مباشر أو عن طريق مفوضية اللاجئين، فإنه لن تكون هناك مقارنة بين ما يمكن دفعه من تكلفة معيشة في دولة من دول العالم الثالث مثلا، وما يقابله من تكلفة إقامة وحماية في دولة من الدول الأوروبية، حيث يقدر الدعم اللازم للاجئ في تشاد مثلا بدولار واحد في اليوم.
مؤخرا اقترحت الإيطالية جورجيا ميلوني، إرسال مقدمي طلبات اللجوء إلى ألبانيا، وهي دولة ما تزال خارج الاتحاد الأوروبي، لدراستها. المقترح، وإن كان غريبا، إلا أنه ليس في غرابة ما خطط له ترامب بشأن إرسال طالبي اللجوء لدولة جنوب السودان.
كاتب سوداني
- القدس العربي


























