يحتل موضوع الأمن الغذائي العربي، بما يعنيه من ضرورة تأمين الغذاء الكافي للمواطن العربي، والسعي الى التمكن من الوصول الى اكتفاء انتاجي ذاتي، موقعاً ملموساً في تقارير المنظمات التابعة للجامعة العربية، وفي تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. يجرى تسليط الضوء على عدم اعطاء الحكومات العربية الاهتمام الكافي الذي يستحقه هذا الموضوع، في ظل تقارير تتحدث عن نقص حقيقي في الغذاء، وحصول مجاعات في بعض الدول العربية، بل وعبر تسجيل المستويات المرتفعة من سكان العالم العربي الذين يعيشون تحت مستوى الفقر. تشدد التقارير والأبحاث الجادة في تناول الموضوع على النتائج السلبية لفقدان الأمن الغذائي، وعلى المخاطر الراهنة والمستقبلية من عدم معالجته والحد من تفاعلاته على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية..
تقدم الأرقام الواردة في تقارير المنظمات العربية والدولية صورة غير مريحة لواقع القطاع الزراعي وما يترتب عليه، فالمساحة الخاصة بالأراضي المزروعة لا تتجاوز 5 في المئة من مجمل مساحة العالم العربي، ونسبة الاستثمارات في القطاع تصل الى حدود 9 في المئة من اجمالي الاستثمارات العربية في القطاعات الإنتاجية الأخرى. وتساهم الزراعة بحوالى 13 في المئة من الإنتاج المحلي للوطن العربي، على رغم اشتغال معظم اليد العاملة في هذا المجال، اما نسبة ما يستورده العالم العربي من الخارج فيصل الى حدود 45 في المئة من حاجاته الغذائية.
فاقمت الأزمة المالية العالمية المندلعة منذ عامين الأزمة الغذائية العربية، خصوصاً على صعيد الارتفاع الكبير الذي طال اسعار الغذاء والكثير من المحاصيل الزراعية التي يستوردها العالم العربي. كما فاقم من الأزمة الزيادة المضطردة في حجم السكان التي تتسبب في تناقص مقدار الغذاء ومعه القيمة الغذائية للمواطن، قياساً على ما يناله الفرد في المجتمعات المتقدمة. يترافق ذلك مع تقارير تتحدث عن ضعف الإنتاجية المتزايد في اكثر من بلد عربي.
تثير معضلة الأمن الغذائي جملة امور منها ما يتصل بالسياسات الحكومية المباشرة، ومنها ما يتخذ طابعاً بنيوياً يستوجب معالجات طويلة المدى. يحتل تامين الغذاء مركزاً اساسياً في السياسات التنموية في الوطن العربي، وبمقدار ما تتعاطى هذه السياسات مع قضية التنمية في وصفها تنمية بشرية شاملة، وليس مجموعة اجراءات اقتصادية، بمقدار ما يمكن تلمس النتائج الخطرة من تفاقم مشكلات الغذاء ووضع تصورات للتصدي لها. يتصل الأمر اولاً وأساساً بمسألة الفقر وكيفية الحد منه والتخفيف من آلامه. في هذا المجال يحتل تأمين الغذاء مفتاح الولوج الى لب المشكلة. لا يخفى ان الفقر والجوع والعوز الذي يضرب مجمل العالم العربي، يتسبب اليوم بمشكلات اول تجلياتها انعدام الاستقرار واندلاع الاضطراب في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. يأخذ الموضوع ابعاداً خطرة عندما ندرك ان الفقراء اليوم يشكلون الجيش البشري الواسع الذي تغرف منه وتتغذى الحركات الإرهابية المتطرفة في كل مكان من الأقطار العربية. في جموع غفيرة محتاجة الى لقمة الخبز، وفي ملايين من السكان المحبطين واليائسين، تقدم الحركات المتطرفة لهم الأمل الخادع بالخلاص عبر انخراطهم في هذه الحركات.
وفي قراءة مدققة لواقع الحراك الديموغرافي في معظم الأقطار العربية، يتبين ان حجم الهجرة من الأرياف الى المدن يزداد سنة بعد سنة، ويتسبب في ترييف معظم هذه المدن، بما يعكسه ذلك من تضخم السكان والعجز عن تأمين اماكن السكن اللازمة، و «تزنير» هذه المدن بمخيمات الفقر وأحزمة البؤس ومساكن «الصفيح».
يزيد هذا الوضع من صعوبات ايجاد وظائف وميادين عمل للملايين الزاحفة، وهو امر يفاقم من الاضطراب المتعدد على كل المستويات. ان سياسة تنموية تعمل على تطوير القطاعات الزراعية وتكثيف المشاريع المنتجة، ستكون انجع الوسائل لبقاء المواطن في ارضه، وحل مشكلة البطالة، والأهم المساهمة في زيادة الإنتاج الزراعي بما يسد حاجة البلاد من هذه المنتجات، وهو ما يخفف من تحويل الفقراء الى ما يشبه القنابل البشرية القابلة للانفجار في كل لحظة.
وبالترابط مع هذه التوجهات في السياسة التنموية، لا بد من الأخذ في الاعتبار ان احد عوامل تخلف الزراعة والإنتاج الزراعي هو ضعف استخدام التقنية اللازمة لتطوير هذا القطاع. تقدم ثورة التكنولوجيا والعلوم اليوم الكثير من العناصر اللازمة لتقدم الإنتاج الزراعي، واستخدام الوسائل الحديثة في كل ما يحتاجه القطاع، من الآلات الحديثة، الى البذور والمواد الكيماوية، والإفادة من المياه التي يذهب معظمها هدراً عبر استخدام احدث التقنيات اللازمة والمتوافرة.
لكن هذه العناصر مشروطة بسياسة حكومية وبتوجهات تنموية تضع في اولوية الإنفاق والتحديث هدف تطوير الإنسان نفسه، ونقله من البدائية في التعاطي مع القطاع الزراعي، نحو دمجه في ما تقدمه وسائل التطور والتقدم. وهو ميدان شامل، يتصل بالسياسة المتوجهة في خدمة الإنسان الى الثقافة العلمية والعقلانية المساهمة في رفع مستوى الوعي لدى المواطن، الى توظيف الثروات العربية واستثمار الرساميل في خدمة مشاريع زراعية واسعة، والحد من التصحر الذي يضرب الأرض العربية بمساحات واسعة. لا يقع الموضوع في باب المستحيلات، فبعض التجارب العربية تظهر ان بالإمكان التغلب على الصحراء وتحويل اقسام واسعة منها الى اراض صالحة للزراعة.
لم تعد المجتمعات العربية قادرة على تحمل هذا الإهمال لما يمس حياتها في الطعام، فجيوش الجياع تدق بابها وتنذر بانفجارات بدأت طلائعها تنتشر في اكثر من مكان. ان التعاطي مع الأمن الغذائي بالجدية المطلوبة وتلبية متطلباته هي اقصر الطرق للحد من الاضطرابات وبالتالي تأمين الاستقرار الاجتماعي.
* كاتب لبناني.
"الحياة"




















