تشكل الذكرى السنوية الأولى لعملية “ردع العدوان” مناسبة مفيدة في مراجعة السرديات المنحازة التي تشكلت بخصوصها، بعيد نجاحها في إسقاط نظام الأسد.
أما فائدة هذه المراجعة فتكمن في الحاجة لتشكيل وعي موضوعي ينظر للمستقبل بعقلية تأخذ بالأسباب، لا بعقلية دوغمائية تحول انتصار ثورة هذا الشعب العظيم إلى أيديولوجية تؤسس لطغيان جديد، بدلا من التأسيس لنظام حكم رشيد، يحفظ كرامة وحرية الإنسان التي من أجلها اندلعت تلك الثورة في نظر مفجريها الأوائل، على الأقل.
فـ “ردع العدوان” مثلت بالتأكيد تحولا تاريخيا غير سوريا التي عرفناها على مدار 54 سنة، وأنهت استعصاء ثورتها الذي استمر 13 سنة. لذا لا بد من الوقوف بإجلال أمام هذا الحدث، لكن من دون أن نسمح للانحيازات المعرفية الرائجة أن تحكم نظرتنا نحوه. إذ إن هذه العملية العسكرية بدت تخالف المنطق في نظر كثيرين من جراء تطوراتها الدراماتيكية السريعة التي أسقطت نظام الأسد خلال 11 يوما فقط، بصورة حرمت حتى المراقبين الخبراء من فرصة التقاط الأنفاس بهدف التحليل، في وقتها. ومع تفاقم حدة الاستقطاب بين ألوان الطيف السوري خلال الأشهر التالية لذلك، ازداد أثر الانحيازات المعرفية في تشكيل سرديات غير موضوعية تشرح كيف سقط نظام الأسد بهذه السلاسة، بعد أن يئس كثيرون من أبناء الحاضنة الثائرة من سقوطه، وبعد أن بدا لكثيرين داخل سوريا وخارجها أنه تجاوز الخطر الوجودي منذ العام 2018، وأن لا بد من التكيف مع بقائه طويل الأمد.
العجز عن قراءة المشهد بصورة موضوعية، جعله يتعالى على محاولات إعادة تأهيل نظامه بعيد 2020، بصورة أضاعت عليه فرصا عدة لإعادة شرعنة نظامه إقليميا ودوليا.
من بين تلك السرديات، نجد في أقصى اليسار تلك السردية المتطرفة التي تقرأ “ردع العدوان” على أنها عملية “استلام وتسليم” تمت بترتيب خارجي. يردد هذه السردية بصورة خاصة فلول نظام الأسد وأنصاره وحلفاؤه السابقون الذين عجزوا –ربما حتى اليوم– عن استيعاب التحول التاريخي المتمثل في رحيله. لكن لتلك السردية أصداؤها حتى في أوساط شريحة من الرماديين وبعض المعارضين السابقين للأسد، من جراء حصر رؤيتهم في تفاصيل الحدث العسكري المتمثل في العملية، والأجواء الإقليمية المحيطة بها حينها، من دون أن يمتلكوا القدرة على أخذ الأثر التراكمي لثورة العام 2011 وما تلاها بعين الاعتبار. هذا الأثر ظهر جليا في اهتراء وتهالك نظام الأسد في السنوات الأخيرة قبيل سقوطه، بصورة جعلته عاجزا عن القيام بدور “الدولة” اقتصاديا وإداريا، حتى تجاه حاضنته الموالية التي رفعت الصوت عاليا في انتقاده في صيف العام 2023 بصورة غير مسبوقة. ناهيك عن تعنت رأس هرم النظام ذاته في فهم دروس ما حدث بعيد 2011، وقراءة المشهد على أنه “انتصار” له بعيد 2018، بدلا من أن يقرأه على أنه أزمة عصيبة تسببت قراراته في تعقيدها بصورة جعلت بقاءه في سدة الحكم رهنا بتدخل قوى خارجية، لا بقدرات نظامه الذاتية التي تآكلت. هذا التعنت، والعجز عن قراءة المشهد بصورة موضوعية، جعله يتعالى على محاولات إعادة تأهيل نظامه بعيد 2020، بصورة أضاعت عليه فرصا عدة لإعادة شرعنة نظامه إقليميا ودوليا، إلى جانب تراكم خبرات فصائل “ردع العدوان”، وأبرزها “تحرير الشام”، من جراء المعارك السابقة مع النظام، والدروس التي تعلموها منها، والتي ترجمت في تخطيط وإعداد نوعي للعملية التي أسقطت الأسد، وفي تنفيذ احترافي إلى درجة كبيرة، خاصة على صعيد الاختراقات الاستخباراتية والاتصالاتية، والتسويات مع قادة من الوزن الثقيل داخل النظام قبيل وخلال العملية.
ما كان لـ “ردع العدوان” أن تحقق ما حققته بهذه السلاسة، لولا تأثير الإعلام المعارض التراكمي على مدار سنوات في تنفير الحاضنة الموالية للأسد منه، بصورة جعلت هذه الحاضنة غير راغبة في تقديم المزيد من الأضحيات البشرية على محراب سلطته، كما فعلت قبل أكثر من عقد من الزمن.
على الضفة المقابلة، وفي أقصى يمين السرديات المنحازة، نجد تلك التي تقدم “ردع العدوان” على أنها “نصر إلهي” تم بسواعد “المجاهدين”، وبالإدارة والتخطيط المميز للعملية من جانب أكبر فصائلها “تحرير الشام” حصرا. وهي السردية التي أسست لاحقا لشعار “من يحرر يقرر”.
وهي قراءة متطرفة أيضا، تخلو من ملاحظة الأسباب الموضوعية الأخرى التي ما كان لفصائل “ردع العدوان” أن تحقق ما حققته من دون توافرها. أولى تلك الأسباب تغير المزاج الإقليمي والدولي، بحدة، ضد المشروع الإيراني في المنطقة، بعد عملية طوفان الأقصى في غزة بتشرين الأول 2023. فقد انتهت حقبة تقبل الكيان الإسرائيلي لـ “قواعد اللعبة” في الصراع البارد مع إيران، الأمر الذي ترجم تدميرا دراماتيكيا لأذرع هذا المشروع في لبنان وسوريا، إلى جانب التورط الروسي في أوكرانيا، والذي جعل موسكو تخفض تقييمها لأهمية نظام الأسد في قائمة مصالحها، بعد أن بات ثمن حمايته أكبر من عوائد تلك الحماية. وهو أمر ينطبق بدرجة أقل –لكنها كانت ملحوظة– على الموقف الإيراني من نظام الأسد أيضا. وكلنا يذكر الضغوط الإيرانية الكثيفة على بشار الأسد في السنتين الأخيرتين كي يدفع ثمن إنقاذ كرسي حكمه، من دون أن ننسى أهمية الدعم الخارجي، التركي بصورة خاصة، حتى مع تذبذب هذا الدعم في آخر سنتين. إلى جانب ذلك، ما كان لـ “ردع العدوان” أن تحقق ما حققته بهذه السلاسة، لولا تأثير الإعلام المعارض التراكمي على مدار سنوات في تنفير الحاضنة الموالية للأسد منه، بصورة جعلت هذه الحاضنة غير راغبة في تقديم المزيد من الأضحيات البشرية على محراب سلطته، كما فعلت قبل أكثر من عقد من الزمن.
مع أخذ كل ما سبق من أسباب وعوامل بعين الاعتبار، يمكن أن نفهم كيف سقط الأسد بهذه السلاسة. أما أبرز درس يمكن أن نتعلمه من ذلك الحدث، فهو أن القوة المسلحة وحدها قد تتيح “نصرا” مؤقتا، كما حدث مع نظام الأسد وحلفائه بعيد العام 2018. ومع عدم ترجمة هذا “النصر” إلى عوائد سياسية واقتصادية تتيح استقرارا بعيد الأمد، انهار النظام بصورة مفاجئة، وكأنه بيت من ورق. هذا الدرس مفيد للغاية من أجل سوريا المستقبل. فنصر “ردع العدوان”، بتاريخيته التي لا يمكن إنكارها، يحتاج إلى ترجمة لعوائد سياسية واقتصادية تتيح استقرارا بعيد الأمد. هذه الترجمة تتطلب تفكيرا نقديا موضوعيا يأخذ بالأسباب، بعيدا عن أي دوغمائية أو “شعاراتية”.
- تلفزيون سوريا



























