صوّت مجلس الشعب السوري، اليوم الاثنين، بالإجماع على إقرار مشروعَي قانونَين لإلغاء نصوص تتعلق بالاستيلاء على الأراضي لمصلحة المنشآت التعليمية، وحجز نصف الشواغر الوظيفية العامة لذوي الشهداء ومن في حكمهم، فيما أحال مشروعات أخرى إلى لجانه المختصة لاستكمال دراستها. وبالتوازي، تواصل لجان الموازنة والاقتصاد والصحة بحث ملفات تتصل بالإنفاق العام والإنتاج والخدمات، وسط تحديات مالية وتشريعية تعيق سرعة الاستجابة لاحتياجات السوريين.
وتأتي هذه الخطوات بعد أقل من شهرين على تشكيل اللجان الدائمة للمجلس، في 27 أغسطس/آب الماضي، بموجب القرار رقم 109 لعام 2026، الذي شمل 26 لجنة متخصصة، وذلك بعدما أقرّ المجلس نظامه الداخلي بصيغته النهائية في 30 يوليو/تموز. وبين مشروعات أُقرّت وأخرى لا تزال قيد الدراسة والتشاور، تتفاوت المراحل التي بلغتها الملفات المطروحة، وكذلك المدة اللازمة لظهور أثرها في حياة المواطنين.
وقال رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، عبد الناصر عمر حوشان، لـ”العربي الجديد”، إن جلسة اليوم ناقشت عدداً من مشروعات القوانين، وأقرّت مشروعي إلغاء القانون رقم 521 لعام 1955، الذي يمنح وزير التربية حق الاستيلاء على الأراضي لإنشاء معاهد تربوية أو تعليمية، والقانون رقم 36 لعام 2014، الذي يلزم الجهات العامة بحجز 50 بالمئة من الشواغر والوظائف المراد ملؤها بموجب المسابقات والاختبارات لذوي الشهداء ومن في حكمهم.
وفي المقابل، أحال المجلس إلى اللجنة الدستورية مشروع تعديل المادة 364 مكرر من المرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949 وتعديلاته، والمتعلق بحالات ترك العمل أو الانقطاع عنه للعاملين في القطاعين العام والمشترك، والآثار القانونية المترتبة عليها. وأوضح حوشان أن المشروع يحتاج إلى مزيد من المناقشة، لاحتمال وجود أحكام تتناول المسألة نفسها في قوانين أخرى، بما فيها القوانين المتعلقة بالموظفين أو الجامعات. وتهدف الدراسة، بحسب قوله، إلى تجنّب تكرار النصوص التي تنظّم الموضوع ذاته في أكثر من قانون.
ولفت حوشان، إلى أن معظم الملفات التي يعمل مجلس الشعب على دراستها حالياً ترتبط بإشكاليات تطرحها السلطة التنفيذية، التي تشير إلى أن بعض القوانين النافذة والنصوص التشريعية القائمة تتسبب لها في صعوبات عند التطبيق وإدارة الملفات المختلفة. ويضع ذلك المجلس أمام مهمة مراجعة التشريعات ومعالجة النصوص التي تعيق عمل المؤسسات الحكومية، بالتوازي مع بحث الملفات الاقتصادية والخدمية التي تمس حياة المواطنين.
الموازنة بين الحسابات السابقة وأولويات الإنفاق
وفي ملف الموازنة، يتداخل التحضير للعام المقبل مع معالجة حسابات وملفات مالية سابقة. وقال رئيس لجنة الموازنة والحسابات، أمين البشير، لـ”العربي الجديد”، إن اللجنة عقدت اجتماعات ومداولات عديدة، بعضها داخلي وبعضها مع وزارة المالية، لبحث الموازنات وقطع الحساب. وأشار البشير إلى أن موازنة عام 2025 لم تصدر حتى وقت إجراء المقابلة، موضحاً أن الإنفاق خلال ذلك العام جرى وفق قاعدة “الاثني عشرية”. وأضاف أنه جرى الاتفاق على ضرورة إصدار مرسوم يتعلق بموازنة ذلك العام، ومناقشة تقاريره المالية تحت قبة المجلس، في إطار معالجة الملفات العالقة تدريجياً. أما موازنة عام 2026، فأوضح أنها صدرت بمرسوم، لكنها لم تُعرض على مجلس الشعب، مشيراً إلى ضرورة عرضها على المجلس للمصادقة عليها تشريعياً.
وتشمل الملفات العالقة، بحسب البشير، قطع الحساب للأعوام 2023 و2024 و2025، في وقت تقترب فيه السنة المالية الحالية من نهايتها. وبالتوازي مع ذلك، أكد ضرورة التركيز على موازنة عام 2027، التي قال إنها ستُعرض على المجلس قبل شهرين من نهاية العام المالي. وربط البشير أولويات الموازنة بالرواتب والأجور والخدمات، مشدداً على أهمية الإنفاق على الصحة والتعليم والقطاعات الخدمية، مع مراعاة حجم الإيرادات الممكن تحصيلها. وتوقع تحسناً تدريجياً خلال العام المقبل، مع بدء تنفيذ الموازنة في أول أيام السنة المالية الجديدة، من دون تحديد نسب لزيادة الإنفاق أو الرواتب.
الاقتصاد والإنتاج في صدارة النقاشات
وفي الجانب الاقتصادي، بدأت اللجنة المختصة بجمع أولويات التجار والصناعيين ورصد المعوقات التي تواجه عملهم. وقال عضو لجنة الشؤون الاقتصادية، سالم الأحمد، لـ”العربي الجديد”، إن أعضاء اللجنة التقوا مسؤولي غرف التجارة والصناعة في محافظاتهم، ثم عرضوا نتائج تلك اللقاءات خلال اجتماع لاحق، تمهيداً لبلورة مقترحات يمكن العمل عليها داخل المجلس. وأضاف الأحمد أن اجتماعاً مرتقباً مع وزير المالية سيُخصص لعرض نتائج اللقاءات ومناقشة أولويات الوزارة والتشريعات التي ترى ضرورة العمل عليها. وتشمل الموضوعات التي تدرسها اللجنة تنظيم الاستيراد والتصدير، خصوصاً مع الدول المجاورة، وحماية الصناعة المحلية من الواردات، ودعم الإنتاج الصناعي.
وأكد الأحمد أن أولوية المواطنين تتمثل في لمس تحسن فعلي، لا الاكتفاء بالوعود. وتوقع أن تصبح قوانين جديدة قابلة للتنفيذ خلال شهرين أو ثلاثة أشهر، من دون تحديد القوانين المقصودة أو المرحلة التشريعية التي بلغتها. وحتى الآن، تتركز الخطوات التي عرضها على الدراسات والمقترحات والتشاور مع الجهات المعنية.
وعلى صعيد الخدمات الصحية، قال عضو لجنة الصحة، النائب عن محافظة الرقة خليل العبد الله، لـ”العربي الجديد”، إن المشفى الوطني في الرقة يعمل حالياً بـ65 سريراً من أصل 280، فيما تضم المنشأة أجزاء مهدّمة وأخرى خارج الخدمة، إلى جانب نقص الكوادر والإمكانات المادية وأجهزة العناية المشددة. وأضاف أن عدد أسرّة مشفى التوليد لا يكفي لتلبية الاحتياجات. وأوضح العبد الله أن اللقاء مع وزير الصحة أظهر اطلاعاً على احتياجات المحافظة ونواقصها، وأن النواب تلقوا وعوداً ببذل الجهد لمعالجتها، لكن محدودية الإمكانات لا تزال تشكل عائقاً أساسياً أمام ذلك. ووضع إعادة العاملين المفصولين من القطاع الصحي، ممن انشقوا ووقفوا مع الثورة، في مقدمة أولوياته الشخصية، موضحاً أنه واحد منهم.
وبعد أسابيع من تشكيل اللجان الدائمة، بدأ مجلس الشعب السوري إقرار مشروعات قوانين وإعادة أخرى إلى الدراسة، فيما لا تزال ملفات اقتصادية وخدمية في مرحلة جمع المطالب والتشاور. وفي الرقة، حيث يعمل المشفى الوطني بـ65 سريراً فقط من أصل 280، يتخذ سؤال النتائج بُعداً عملياً: كم سريراً يمكن إعادته إلى الخدمة، ومتى؟ وهو سؤال يتجاوز إقرار النصوص إلى التمويل والتنفيذ ومتابعة ما يتحقق منهما.
- العربي الجديد






















