حمل إعلان دونالد ترامب تأييده الكامل لنتنياهو مفاجأةً في توقيته ولهجته، بعدما بدت العلاقة بينهما مثقلةً بتداعيات الحرب مع إيران، وإن كان أميت سيغال قد طرح (في “إسرائيل اليوم”، في الثالث من سبتمبر/ أيلول الجاري)، احتمال “مفاجأة أكتوبر” تمنح نتنياهو دعماً في اللحظة الأخيرة، وهي الإشارة التي توقف عندها مقالي “حليف ترامب الثقيل” في “العربي الجديد” (6/9/2026)، حين كان السؤال عما إذا كان الرئيس الأميركي سيجد في حكومة إسرائيلية أخرى فرصةً للتخفّف من أعباء حليفه، قبل أن يعيدنا الإعلان إلى سؤالٍ أكثر تعقيداً: كيف يستعيد نتنياهو قيمته لدى ترامب، من دون أن تزول الأسباب التي جعلته عبئاً عليه؟
أهمية هذا السؤال تنبع من أن تغيير الحكومة الإسرائيلية كان يبدو مدخلاً إلى تخفيف احتكاك واشنطن بحلفائها الأوروبيين والعرب، وتحسين قدرتها على إدارة علاقاتها الإقليمية، حتى من دون تحوّل جوهري في السياسات الإسرائيلية، فنتنياهو يحمل كلفة سياسية وشخصية تتجاوز الخلاف على سياسة بعينها، وقد أضافت الحرب مع إيران إلى هذه الكلفة اعتراضات أميركية على أهداف المواجهة وأثمانها، وصلت إلى قلب البيت الأبيض مع انتقادات جي دي فانس أطرافاً في الحكومة الإسرائيلية اتهمها بمحاولة التأثير في الرأي العام الأميركي لإدامة الحرب، بما كشف أن استمرار التحالف مع إسرائيل لا يلغي السؤال عن جدوى استمرار نتنياهو نفسه.
بيد أن الإجابة عن السؤال لا تتحدد بحجم الكلفة وحده، وإنما أيضاً بالطريقة التي تُعرض بها البدائل على الرئيس، ما يجعل التنافس داخل البيت الأبيض جزءاً أساسياً من تفسير عودته إلى دعم نتنياهو، ففي أسلوب ترامب الشخصي في إدارة السياسة تكتسب الثقة بالمقرّبين وقدرتهم على الوصول إليه وزناً كبيراً، ويستطيع من يقنعه بأن الاحتفاظ بحليفه يخدم أهدافه أن يرجّح كفته، حتى لو بقيت الاعتراضات عليه قائمة. لذلك قد يكون ما تغيّر تقدير ترامب حاجته لنتنياهو، بعدما أُعيد تقديم بقائه فرصةً للرئيس الأميركي، لا مجرد خدمة لرئيس الحكومة الإسرائيلية.
يكتسب نتنياهو قيمةً تتجاوز دوره في مخاطبة القاعدة الإنجيلية، وهو ما يظهر في نص إعلان التأييد نفسه، حين ربط ترامب دعمه له بمواجهة إيران، ولوّح بـ”إنهاء المهمة” قريباً
تساعد خريطة المواقف المحيطة بترامب في فهم هذا الاحتمال، فقد سبق أن وضع سيغال ماركو روبيو ومايك هاكابي ضمن الدائرة الأكثر ميلاً لنتنياهو، مقابل تحفظات لدى جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، ثم جاءت تقارير بعد إعلان التأييد عن اعتراض مستشارين عليه وعن استشارة الرئيس جون ماكلوغلين، الذي عمل مع حملاته الانتخابية ومع الليكود، وهي معطياتٌ لا تحدّد من حسم القرار، لكنها تكشف أن الانحياز إلى نتنياهو جاء وسط تنافس على إقناع ترامب بما يخدمه، وأن دعم إسرائيل لا يعني اتفاق هذه الدوائر على ضرورة بقاء رئيس حكومتها، أو على مقدار الكلفة المقبولة للاحتفاظ به.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الإعلان ترجيحاً للحجة التي تربط بقاء نتنياهو بمصالح ترامب الانتخابية والإقليمية، إذ لا ينفصل نفوذ الدائرة المؤيدة له عن قدرتها على مخاطبة هواجس الرئيس نفسه، وفي مقدّمتها حماية تماسك قاعدته قبل انتخابات التجديد النصفي، حيث شكّل الإنجيليون البروتستانت البيض نحو 30% من الناخبين الجمهوريين وفق بيانات “بيو” لعام 2024، ولنتنياهو صلات وثيقة بالتيار المسيحي الصهيوني داخل هذه البيئة، ما قد يجعل مساندته وسيلةً لطمأنة كتلة مؤثرة من المؤيدين، وإن لم تكن متجانسة، بعدما دفع ترامب بالفعل كلفة الحرب، فلا يضيف إليها فتور حماسة قطاع أساسي ممن راهن عليهم.
تزداد قوة هذه الحجّة عندما تتصل بالسؤال الإيراني، لأن الرئيس الذي تحمّل كلفة المواجهة يحتاج حصيلة يستطيع تقديمها إنجازاً، وهنا يكتسب نتنياهو قيمةً تتجاوز دوره في مخاطبة القاعدة الإنجيلية، وهو ما يظهر في نص إعلان التأييد نفسه، حين ربط ترامب دعمه له بمواجهة إيران، ولوّح بـ”إنهاء المهمة” قريباً، واعتبر أن وصول غيره سيجعل أميركا مضطرّة إلى القيام بها وحدها، فكأن الرسالة تعيد تعريف الحليف الذي أُخذ عليه دفع واشنطن إلى مواجهة مكلفة، ليصبح شريكاً يحتاجه الرئيس لاستكمالها والوصول إلى النتيجة التي يريدها.
إذا كان ترامب ما زال يبحث عن فرض نتيجة عجزت المواجهة السابقة عن تحقيقها، فقد يصبح اندفاع نتنياهو نحو التصعيد سبباً للتمسّك به
تمنح هذه القراءة التقارير عن استعدادات عسكرية أميركية لاستئناف العمليات ضد إيران دلالةً إضافية، مع بقاء الفارق بين إعداد الخيارات واتخاذ قرار الحرب، واحتمال استخدام التهديد للضغط التفاوضي، فإذا كان ترامب ما زال يبحث عن فرض نتيجة عجزت المواجهة السابقة عن تحقيقها، فقد يصبح اندفاع نتنياهو نحو التصعيد سبباً للتمسّك به، بعدما كان أحد أسباب التبرّم منه، وهنا المفارقة الأخطر، إذ قد تدفع كلفة الحرب الرجلين إلى توسيعها بحثاً عن مخرج منها، مع أن الجولة الجديدة قد تعمّق المأزق الاقتصادي والسياسي وتزيد المخاطر على المنطقة وحلفاء واشنطن فيها.
في السياق نفسه، يتجاوز التنافس داخل الإدارة مسألة تفضيل نتنياهو إلى الخلاف على كيفية حماية المصالح الأميركية، وهو ما يعيد فانس إلى قلب المشهد بوصفه أقرب إلى التعبير عن تيار داخل “ماغا” يتحفظ على الحروب الخارجية، وعلى افتراض تطابق المصالح الأميركية والإسرائيلية، من دون أن يمثل الحركة بأكملها أو يعارض التحالف مع إسرائيل، فكلما توسّع الرهان على نتنياهو ازدادت صعوبة التوفيق بين هذا التحفظ والالتزام بالدفاع عن خيارات ترامب، خصوصاً إذا تحوّل التأييد الانتخابي إلى شراكة في جولة عسكرية جديدة، وعندئذ قد تتسع المسافة السياسية بين الرئيس ونائبه، وإن كان لا يكفي الإعلان وحده لإثبات تراجع نفوذ فانس أو نشوء قطيعة بينهما.
التنافس داخل البيت الأبيض هو الطريق الذي تتفاعل عبره حسابات القاعدة الانتخابية والرهان على إيران لتصل إلى قرار الرئيس
يفسّر هذا التشابك أيضاً قوة الرسالة الموجّهة إلى الناخب الإسرائيلي، فترامب لا يمنح نتنياهو شهادة صداقة فحسب، وإنما يقدّمه بوصفه الشريك الذي تحتاج إليه أميركا، بما يساعده على تحويل العلاقة بالبيت الأبيض إلى حجّة ضد المعارضة التي جعلت إزاحته هدفها الجامع، ويضع الناخب أمام إيحاء بأن تغيير رئيس الحكومة قد يهدّد امتيازاً استراتيجياً لبلاده، وهو تدخل لا يضمن الفوز، لكنه قد يؤثر في الهوامش التي تحسم معركة متقاربة، ويمنح نتنياهو فرصة الدفاع عن بقائه من خلال حاجة واشنطن إليه، بعدما كان خصومه يحتجّون بالكلفة التي يفرضها على علاقتها بإسرائيل. لذلك تبدو المقارنة مع بيل كلينتون مفيدة في تحديد طبيعة هذا التدخل، فقد حاول مساعدة شمعون بيريس على الفوز على نتنياهو عام 1996، بعد اغتيال إسحاق رابين، حرصاً على عملية السلام التي كان يخشى عليها من وصول زعيم الليكود، لكنه أبقى يومها مسافة بين تفضيله السياسي وموقفه الرسمي، مؤكداً استمرار التحالف أياً يكن الفائز، بينما يربط ترامب صلاحية القيادة الإسرائيلية بشخص نتنياهو ويقدّم اختيار غيره بوصفه مشكلة لأميركا، بما يجعل الاختلاف في درجة الصراحة والضغط، وفي الانتقال من دعم مرشح لحماية مسار سياسي إلى ربط هذا المسار، والعلاقة بين الدولتين، ببقاء شخص بعينه.
بهذا المعنى، ربما لم يتوقّف نتنياهو عن كونه حليف ترامب الثقيل، وإنما استطاع أن يستعيد موقعه عندما رجحت الحجج التي تجعل كلفة التخلّي عنه أكبر من كلفة الاحتفاظ به، فالتنافس داخل البيت الأبيض هو الطريق الذي تتفاعل عبره حسابات القاعدة الانتخابية والرهان على إيران لتصل إلى قرار الرئيس، ومن ثم فإن اختبار هذه العودة لن يكون في نتيجة الانتخابات الإسرائيلية وحدها، بل في ما إذا كان ترامب سيستخدم دعمه لفرض شروطه على نتنياهو، أم سيجد نفسه وقد ربط نجاحه مجدداً بخيارات حليف قد تعيد مغامرته المقبلة إنتاج الأعباء التي أراد التخفّف منها.
- العربي الجديد























