ما زالت الأنظمة الدكتاتورية قادرة على إثارة دهشتنا بأفكارها المبتكرة للتغلب على محدودية زمن تسلطها مهما طال. آخر الأخبار القادمة من مصر مثال نموذجي على «الذكاء الخارق» للحاكم حين يتعلق الأمر بديمومة حكمه، وإن كانت صفة الذكاء قابلة للتأويل على غباء وقصر نظر. لذلك ربما كان «التذاكي» أكثر دقةً في التعبير عن «مشروع السيسي» لمصادرة المستقبل بعدما أكل 13 عاماً من عمر مصر – إلى الآن – وأمامه أربع سنوات، بعد، لإتمام ولايته الحالية.
فقد أكد السيسي أنه سيكمل ولايته إلى نهايتها، إذا بقي حياً إلى ذلك الحين. وقال إنه لن يسمح بالمساس بالدستور، وإنه يجب إصدار قانون يتم بموجبه «تأهيل» عدد من حملة شهادة الدكتوراه، في الأكاديمية الحربية، ليختار الشعب من بينهم الرئيس المقبل.
السيسي يرى نفسه في موقع يعلو فوق جميع مؤسسات الدولة بما في ذلك الرئاسة، فيما يشبه موقع المرشد في نظام الملالي في إيران
حقاً مدهش! واضح من هذا الكلام أن السيسي يرى نفسه في موقع يعلو على جميع مؤسسات الدولة بما في ذلك الرئاسة، فيما يشبه موقع المرشد في نظام الملالي في إيران. وهو ما يتيح له، إذا قرر مغادرة موقعه الحالي – وهذا ما نفهمه من كلامه – أن يعيّن خليفته الذي من المرجح أن يكون طوع بنانه إذا قيض لمشروعه «التأهيلي» أن يرى النور. أما الأكاديمية الحربية التي من المفترض أن يتم في بنيتها تأهيل رؤساء المستقبل فهي بمثابة مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران. من المفيد هنا الإشارة إلى مؤهلات نجله محمود عبد الفتاح السيسي التي تضم شهادة بكالوريوس العلوم العسكرية، وشهادتي ماجستير في العلوم العسكرية من مصر وبريطانيا، وزمالة كلية الحرب العليا، واحدة من مصر وأخرى من الولايات المتحدة، ودرجة الدكتوراه الفخرية من جامعة كورفينوس في المجر.
سبب هذه الإشارة هو أن الأخبار القادمة من مصر تتحدث عن توريث الحكم لمحمود السيسي كاحتمال سبق التداول بشأنه التصريحات الأخيرة لأبيه. بالمقابل، هناك حملة منظمة غير معروف مصدرها على وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار «ما تسبناش يا سيسي!» كسيناريو بديل لتعديل الدستور من أجل إتاحة الترشح لولاية إضافية لعبد الفتاح. ما زال أمامه أربع سنوات ليختار فيها أحد البديلين، التمديد أو التوريث، وفقاً للظروف. فإذا اختار التنحي لصالح نجله، سيكون ذلك توريثاً من نوع جديد، أي والأب ما زال على قيد الحياة، بخلاف النموذج السوري. فعبد الفتاح، بخلاف حافظ، لا يملك ضمانات أن توافق المؤسسة العسكرية الحاكمة في مصر على نقل السلطة إلى ابنه، لذلك عليه أن يضمن هذا الانتقال والزمام في يده.
ومن ليبيا المجاورة تأتي أخبار يمكن وضعها في الإطار نفسه: خليفة حفتر يعمل على توريث قيادته العسكرية في شرق ليبيا لابنه صدام! فقد بلغ الجنرال من العمر عتياً، ولا بد من تأمين مستقبل الولد. تتحدث التقارير الصحافية عن اتصالات صدام بالقبائل في شرق ليبيا وجنوبها للحصول على تزكية منها، كما عن اتصالاته الدبلوماسية مع الأمريكيين والفرنسيين لتمهيد طريقه إلى خلافة أبيه على نصف ليبيا.
صحيح أننا نميل إلى تفسير هذا الهوس المرضي لدى حكامنا بالتمسك بالسلطة حتى الموت أو الإطاحة عبر انقلاب عسكري أو ثورة، بجشعهم الذي لا يشبع إلى الثروة، وأنهم يغطون على ذلك بضجيج شعارات جوفاء، ولكن من المحتمل أنهم يؤمنون فعلاً بأنهم يملكون دوافع «سامية» وطنية أو قومية أو غيرها من الترهات التي تضخها وسائل إعلامهم طوال الوقت، وبأن لديهم مواصفات استثنائية لا يملكها غيرهم تجعل بقاءهم في السلطة ضمانة لبقاء الدولة نفسها. هذه القناعة تتبلور لديهم تدريجياً من خلال جهاز التطبيل الذي يحيطون أنفسهم به، هذا الجهاز الذي يكرر يومياً التأكيد على عبقريته الفريدة وحكمته الراسخة وقدراته الخارقة، إلى أن يؤمن هو نفسه بما ليس لديه. فإذا جاءت لحظة الحقيقة، كما حدث في ثورات الربيع العربي، كانت صدمتهم حقيقية بهذا «الجحود» الفاجر من شعب أمضى عمره في رعاية مصالحه، واهتم بهمومه، وحماهم من المخاطر، وعمل على تأمين مستقبل أجياله المقبلة.
لو كان مسموحاً لبشار الأسد أن يتكلم من منفاه الروسي، من المحتمل أنه كان سيعبر عن أفكار مماثلة، بل سيكون بوسعه التأكيد على «أن التاريخ قد أثبت بعد نظره» وصحة خياراته في مواجهة «المؤامرة الكونية» التي استهدفت الدولة السورية التي انهارت بعد خروجه من المشهد.
٭ كاتب سوري
- القدس العربي
























