لم يعد ممكناً التعامل مع الصراعات والحروب التي يشهدها الشرق الأوسط باعتبارها أزمات منفصلة يمكن احتواء كل منها على حدة، أو افتراض أن انتهاء مواجهة عسكرية هنا أو التوصل إلى وقف لإطلاق النار هناك كفيل بإعادة الاستقرار إلى المنطقة. فقد أظهرت التطورات المتعاقبة أن الشرق الأوسط يواجه أزمة أمن إقليمي ممتدة، تتداخل فيها الصراعات بين الدول مع التدخلات الخارجية، وتوظيف الميليشيات المسلحة، ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، وتراجع فاعلية المؤسسات الإقليمية المعنية بتسوية النزاعات. وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح البحث عن استراتيجية عربية مشتركة للأمن والسلام ضرورة لا تحتمل التأجيل، على أن تقوم هذه الاستراتيجية على الجمع بين بناء الردع الجماعي والتوافق على ترتيبات للأمن الجماعي والحلول الدبلوماسية للصراعات.
إن أحد الدروس الأساسية التي ينبغي استخلاصها من الحروب الراهنة هو أن غياب القدرة على الردع يشجع الأطراف التي تراهن على استخدام القوة على مواصلة سياساتها العدوانية أو التوسعية. وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده قادر على إنهاء الصراعات وإنتاج الاستقرار يتجاهل الطبيعة المركبة للأزمات الإقليمية، وما تتضمنه من تناقضات سياسية وأمنية وتاريخية لا يمكن تجاوزها بمجرد تحقيق مكاسب عسكرية. ومن ثم، فإن المطلوب عربياً ليس الاختيار بين القوة والدبلوماسية، وإنما بناء معادلة تجمع بينهما، وتجعل القدرة على الردع أداة لمنع الحرب وتهيئة الظروف للتفاوض، لا بديلاً عن السياسة ولا مدخلاً إلى سباقات تسلح ومواجهات مفتوحة.
لقد كشفت الحروب التي شهدها الشرق الأوسط عن اختلالات عميقة في البيئة الأمنية العربية. فإيران، على سبيل المثال، واصلت الاعتماد على شبكات من الميليشيات والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة الوطنية في عدد من البلدان العربية، بما أسهم في إضعاف مؤسساتها وتقويض احتكارها المشروع لاستخدام القوة، وربط بعض ساحات الصراع بحسابات إقليمية تتجاوز مصالح المجتمعات التي تعيش فيها. كما أن السياسات الإسرائيلية القائمة على الاستخدام المتكرر للقوة العسكرية، وتوسيع نطاق العمليات الحربية، وتجاهل الحقوق الفلسطينية، تساهم في تكريس بيئة إقليمية يسودها انعدام الثقة وتغيب عنها الضمانات الأمنية المتبادلة. ولا يمكن، في الوقت ذاته، تجاهل أن تدخلات القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، قد تسهم في تعميق الأزمات حين تتعارض سياساتها العسكرية مع قواعد القانون الدولي أو حين تحل الحسابات الاستراتيجية الضيقة محل التسويات السياسية المستدامة.
لا يعني ذلك المساواة بين مسؤوليات الأطراف المختلفة أو تجاهل التباين بين سياساتها، وإنما يعني أن بناء الأمن العربي يتطلب التعامل مع مصادر التهديد جميعها وفق قواعد واضحة، بعيداً عن الانتقائية السياسية. فلا يمكن قبول التدخل الإيراني في الشؤون العربية وتوظيف الجماعات المسلحة لفرض النفوذ، ثم التسليم في الوقت ذاته بأن استخدام القوة العسكرية خارج ضوابط القانون الدولي يمثل طريقاً مشروعاً لتحقيق الأمن. كما لا يجوز أن تصبح حماية الأمن القومي للدول العربية ذريعة لتجاهل أمن جيرانها أو حقوق شعوب المنطقة. فالاستقرار المستدام يتطلب احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض الاعتداءات، والامتناع عن دعم الفاعلين المسلحين الذين ينازعون الدول الوطنية سلطتها، والاحتكام إلى القانون الدولي في إدارة الخلافات.
من هنا تبرز أهمية بناء ردع عربي جماعي لا يقتصر على إصدار البيانات السياسية أو تنسيق المواقف الدبلوماسية عند اندلاع الأزمات. فالردع الفعال يحتاج إلى قدر من التنسيق الاستراتيجي بين الدول العربية المعنية، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات، وتطوير القدرات الدفاعية، وتعزيز حماية المجالين البحري والجوي والبنية التحتية الحيوية، وتنسيق الاستجابة للمخاطر التي تتجاوز الحدود الوطنية. كما يحتاج إلى تفاهمات بشأن طبيعة التهديدات المشتركة، وأولويات التعامل معها، والوسائل المناسبة لمنع التصعيد أو احتوائه.
وفي هذا السياق، تكتسب الشراكة المصرية السعودية أهمية استثنائية. فمصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وموقع جغرافي يصل بين شرق المتوسط والبحر الأحمر، والسعودية، بما تمثله من مكانة عربية وإقليمية وقدرات اقتصادية واستراتيجية، تستطيعان العمل معاً لتطوير تصور عربي أكثر تماسكاً للأمن الإقليمي. ولا يعني ذلك أن تتولى الدولتان وحدهما إدارة الأمن العربي أو أن تتحول الشراكة بينهما إلى محور مغلق في مواجهة بقية دول المنطقة، بل أن تشكّل نقطة انطلاق لتوافق عربي أوسع، يضم الدول المعنية بأمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ويستفيد من القدرات والإمكانات المتنوعة للدول العربية.
وينبغي أن تتجه هذه الجهود إلى بناء قدرة دفاعية رادعة، لا إلى تأسيس تحالف هجومي جديد أو نقل المنطقة من استقطاب إلى استقطاب مضاد. فالمقصود بالردع الجماعي هو إقناع الأطراف التي تفكر في الاعتداء أو التدخل أو استخدام الوكلاء المسلحين بأن كلفة هذه السياسات ستكون مرتفعة، وأن الدول العربية لن تواجه التهديدات كلٌّ بمفردها. ويتطلب ذلك تطوير آليات للتشاور السياسي والعسكري، والتنسيق في حماية الممرات البحرية، وتعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخليج العربي، إلى جانب الاتفاق على إجراءات عملية للتعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى حروب واسعة النطاق.
لكن الردع، مهما بلغت فاعليته، لا يستطيع وحده معالجة الأسباب السياسية للصراعات. بل إن غياب المسار الدبلوماسي قد يحول بناء القدرات العسكرية إلى سباق تسلح متبادل، ويمنح الأطراف المختلفة حوافز إضافية لاختبار حدود القوة. ولذلك فإن الوجه الآخر للاستراتيجية العربية المطلوبة يتمثل في التوافق على ترتيبات للأمن الجماعي في الشرق الأوسط، تنطلق من الاعتراف بأن أمن الدول لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة على حساب أمن الدول الأخرى، وأن استمرار سياسات الهيمنة والتدخل والتخويف المتبادل سيعيد إنتاج الحروب حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
والمقصود بالأمن الجماعي هنا ليس إقامة منظومة مثالية تتجاوز في وقت قصير التناقضات العميقة بين دول المنطقة، وإنما إطلاق مسار تدريجي لبناء قواعد مشتركة لإدارة الخلافات ومنع التصعيد. ويمكن أن يبدأ هذا المسار بحوار إقليمي تشارك فيه الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل، إلى جانب ترتيبات تتيح مشاركة القوى الدولية المعنية بقدر ما يسهم ذلك في دعم التسويات، لا في فرضها أو استبدال الإرادة الإقليمية بها. ولا ينبغي أن تكون مشاركة أي طرف مكافأة على سياساته السابقة، بل فرصة لاختبار استعداده للالتزام بقواعد واضحة تحترم سيادة الدول وتمنع استخدام القوة لتغيير الحدود أو فرض الإرادة السياسية على الآخرين.
ومن الممكن أن يتناول هذا الحوار مبادئ عدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض تسليح الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة، واحترام حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، وإنشاء قنوات اتصال عسكرية وسياسية لتجنب سوء التقدير، فضلاً عن تطوير آليات للوساطة وتسوية النزاعات. كما يمكن أن يتدرج نحو تفاهمات بشأن الحد من التسلح والشفافية العسكرية وضمانات الأمن المتبادل، وصولاً إلى ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً. ولن تكون هذه العملية سهلة، خصوصاً في ظل انعدام الثقة واستمرار الاحتلال والصراعات المسلحة والتنافس على النفوذ، لكنها تظل أكثر واقعية من الاعتقاد بأن إخضاع الخصوم عسكرياً يمكن أن ينهي التنافس الإقليمي إلى الأبد.
أظهرت التطورات المتعاقبة أن الشرق الأوسط يواجه أزمة أمن إقليمي ممتدة تتداخل فيها الصراعات بين الدول مع التدخلات الخارجية وتوظيف الميليشيات المسلحة
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الردع الذي يمنع الاعتداء، والاحتواء الذي يحد من قدرة الأطراف على زعزعة الاستقرار، والدبلوماسية التي تعالج النزاعات وتفتح المجال أمام التفاهمات السياسية. فالتعامل مع إيران، مثلاً، لا ينبغي أن يقوم على تجاهل سياساتها المزعزعة للاستقرار أو التسليم بنفوذها داخل الدول العربية، كما لا ينبغي أن يستند إلى افتراض أن الحرب الواسعة قادرة على إنهاء هذه السياسات بصورة دائمة. المطلوب هو ردع واضح لأي اعتداء أو تدخل، وضغوط سياسية واقتصادية مشروعة حيث تقتضي الضرورة، بالتوازي مع مسار تفاوضي يربط تحسين العلاقات بالتزامات قابلة للتحقق بشأن احترام سيادة الدول العربية ووقف دعم الميليشيات المسلحة. وينطبق المنطق نفسه على إسرائيل: فلا استقرار إقليمياً مستداماً من دون إنهاء الاحتلال، واحترام الحقوق الفلسطينية، ووقف الاعتداءات، والتوافق على ترتيبات أمنية لا تمنح أي دولة حق فرض إرادتها بالقوة على جيرانها.
ويقتضي ذلك أيضاً أن تعمل الدول العربية على استعادة المبادرة السياسية، بدلاً من ترك مستقبل المنطقة رهناً بالتفاهمات التي تعقدها القوى الكبرى أو بالحسابات العسكرية للأطراف الإقليمية الأكثر استعداداً للمخاطرة. فالاعتماد على الضمانات الخارجية وحدها لم يوفر أمناً مستداماً، كما أن التنافس بين القوى الدولية قد يجعل أمن الشرق الأوسط جزءاً من مساومات أوسع لا تتطابق بالضرورة مع المصالح العربية. ومن ثم، ينبغي أن تكون الشراكات الدولية داعمة لاستراتيجية عربية مستقلة، وأن تستند إلى القانون الدولي واحترام سيادة الدول، لا إلى تفويض مفتوح للقوة العسكرية أو إلى إنشاء ترتيبات إقصائية تزيد من استقطاب المنطقة.
إن أمام مصر والسعودية فرصة للعمل على إطلاق مبادرة عربية تجمع بين المسارين الدفاعي والدبلوماسي. ويمكن أن تبدأ المبادرة بتوافق عربي على تعريف التهديدات المشتركة، وآليات التنسيق الدفاعي، ومبادئ تسوية النزاعات، ثم تنتقل إلى الدعوة لعقد مؤتمر إقليمي للأمن والتعاون في الشرق الأوسط. ويكون هدف المؤتمر وضع قواعد تدريجية لمنع الحروب، وضمان أمن الممرات البحرية، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وفتح قنوات تفاوض بشأن النزاعات القائمة. وينبغي ألا يُشترط حل جميع الخلافات قبل بدء الحوار، بل أن يصبح الحوار نفسه أداة لإدارة الخلافات وتقليص مخاطرها، مع الاحتفاظ بحق الدول في الدفاع المشروع عن نفسها وفقاً للقانون الدولي.
في نهاية المطاف، لن يكون التحدي العربي هو بناء قوة عسكرية أكبر فحسب، ولا صياغة مبادئ دبلوماسية جديدة بمعزل عن موازين القوة. التحدي الحقيقي هو تحويل القوة إلى ضمانة للسلام، والدبلوماسية إلى وسيلة لتغيير السلوك المزعزع للاستقرار، والتوافق الإقليمي إلى قواعد ملزمة تحمي الدول والمجتمعات من دورات الحرب المتكررة. فالردع من دون أمن جماعي قد يؤجل الحرب ولا يمنع أسبابها، والأمن الجماعي من دون قدرة على الردع قد يتحول إلى إعلان حسن نيات لا يغير حسابات الأطراف. أما الجمع بينهما، بقيادة عربية مسؤولة ومفتوحة على التفاهمات الإقليمية، فيتيح فرصة لبناء شرق أوسط لا يقوم أمنه على إخضاع طرف لآخر، بل على احترام السيادة، وتوازن المصالح، والالتزام بالقانون الدولي، وتسوية الصراعات بالوسائل السلمية.
وهذه هي المصلحة الاستراتيجية التي يتعين على مصر والسعودية، ومعهما بقية الدول العربية، الدفاع عنها: ألا يكون الخيار بين الاستسلام لسياسات القوة والانخراط في حروب لا تنتهي، بل بناء قدرة جماعية تمنع الاعتداء، ومسار سياسي يتيح تجاوز أسبابه، وترتيبات أمن إقليمي تجعل السلام نتيجة لتوازن مسؤول وتوافق مستدام، لا مجرد هدنة مؤقتة بين حربين.
٭ كاتب من مصر
- القدس العربي

























