مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة، في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2026، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وعوده أمام المجتمع الدرزي الإسرائيلي بحماية دروز سوريا، في خطوة تندرج ضمن الحسابات الانتخابية وسباق جمع الأصوات مع منافسه غادي آيزنكوت زعيم حزب يشار.
تصريحات نتنياهو، التي استعرض فيها أيضاً دوره في منع القوات الحكومية السورية من مواصلة عملياتها في السويداء، منتصف عام 2025، يغلب عليها الطابع الدعائي الانتخابي، إلا أن هذا لا يعني أن ملف السويداء مرتبط فقط باعتبارات التنافس السياسي داخل إسرائيل، أو متعلق برؤية نتنياهو فقط، وإنما غالباً للملف أهمية في الاستراتيجية الإسرائيلية المتعلقة بسوريا.
الأحزمة الأمنية والتلال الحاكمة
ثمة تكهنات باحتمالية تراجع التدخل الإسرائيلي في السويداء بعد الانتخابات الإسرائيلية، لكن لا يبدو أن هذا الاعتقاد واقعياً، فقد شهد تل قليب جنوب شرقي السويداء، خلال تشرين الأول/ أكتوبر 2026، تحركات أمنية إسرائيلية، مع وجود احتمال بتأسيس قاعدة في التل ونصب أجهزة مراقبة على قمته، مما يعني أن السويداء تدخل ضمن خطة الأحزمة الأمنية والتلال الحاكمة، التي تتبناها المؤسستين الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بعد عملية 7 أكتوبر 2023.
من المتوقع أن تسعى الحكومة الإسرائيلية التي ستفرزها الانتخابات لتضمين أي اتفاق أمني مع سوريا بنوداً تثبت الأمر الواقع الحالي بما يخدم الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية..
يعمل الجيش الإسرائيلي على إحاطة الحدود بأحزمة أمنية في غزة وجنوبي لبنان وسوريا، بالإضافة إلى السيطرة على تلال حاكمة، وبالفعل فقد توسع الجيش الإسرائيلي في جبل الشيخ، وأقام قاعدة على التل الأحمر الغربي بريف القنيطرة، ويبدو أن تل قليب سيكون ضمن هذه الخطة.
من المتوقع أن تسعى الحكومة الإسرائيلية، التي ستفرزها الانتخابات لتضمين أي اتفاق أمني مع سوريا بنوداً تثبت الأمر الواقع الحالي بما يخدم الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، وبناء عليه من المرجح ألا تتخلى تل أبيب بموجب الاتفاقية المحتملة عن وجودها المستحدث جنوب سوريا، إلا إذا تعرضت لضغط أمريكي حقيقي للانسحاب لحدود خط فض الاشتباك عام 1974.
تحجيم دور سوريا
الدعم الإسرائيلي لبعض الجماعات المسلحة في السويداء من أهم العوامل التي تحول دون عودة السويداء إلى كنف الدولة السورية، وبالتالي إرساء الاستقرار السياسي والأمني.
سبق أن تحدث خبراء أمن إسرائيليون عن الخسارة الكبيرة التي منيت بها الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا إثر اندماج “قسد” ضمن الدولة السورية، ورأت في الخطوة تعزيزاً لدور الدولة السورية على عكس ما كانت تطمح له تل أبيب.
المواقف التي اتخذتها إسرائيل تجاه سوريا منذ سقوط الأسد كلها أشارت إلى أن رؤيتها تجاه سوريا تقوم على منع وحدة الأراضي السورية، ومنع تشكيل مؤسسات دولة موحدة تخدم أهداف سوريا، مما يعني تحييد دور سوريا السياسي والأمني والاقتصادي الذي قد يشكل تهديداً لإسرائيل على المدى البعيد، من خلال ضمان إغراق سوريا بالصراعات الداخلية.
يعتبر الجنوب السوري، منطقة حيوية بالنسبة لشريان التجارة الدولية، الذي تسعى تركيا والسعودية لتنشيطه مروراً بالأردن وسوريا لربط المنطقة مع الأسواق الدولية..
موقع سوريا وتموضعها الإقليمي في مرحلة ما بعد الأسد يشكل قلقاً لإسرائيل، إذ تتموضع سوريا حالياً ضمن تحالف مع تركيا ودول الخليج العربي، والموانئ السورية على البحر المتوسط توفر خياراً لدول المنطقة الراغبة بتصدير الطاقة والبضائع باتجاه أوروبا، كما أن سوريا لا تخف طموحها بأن تكون منصة لتجميع الغاز وتصديره إلى الأسواق الأوروبية بعد تفعيل خط الغاز العربي، واستدامة استجرار الغاز من أذربيجان أو ربما من قطر لاحقاً، وهذا كله يؤثر على الدور الذي تطمح له إسرائيل على مستوى أمن الطاقة الدولي.
يعتبر الجنوب السوري، منطقة حيوية بالنسبة لشريان التجارة الدولية، الذي تسعى تركيا والسعودية لتنشيطه مروراً بالأردن وسوريا لربط المنطقة مع الأسواق الدولية، وهذا بطبيعة الحال يشكل تهديداً لمشروع إسرائيلي موازٍ متمثل بطريق التوابل أو البهارات الممتد من الهند إلى أوروبا مروراً بالموانئ الإسرائيلية.
كل ما سبق من المنطقي أن يدفع إسرائيل للعمل على تكريس الانقسام السوري، وزيادة المشكلات الأمنية والسياسية بما يحول دون استعادة دمشق لدورها السياسي والأمني والاقتصادي.
وفقاً لتسريبات نشرها موقع ميدل ايست آي، أواخر أيلول/ سبتمبر 2026، فقد مارست إسرائيل لأشهر ضغوطاً لمنع إعادة تأهيل مطاري دمشق وحلب وتزويدهما بأجهزة ملاحة متطورة، وهددت باستهداف هذه الأجهزة أو الطائرات التي ستقوم بعملية المعايرة، إلى أن تراجعت عن موقفها تحت الضغط الأميركي، مما يشير إلى أن سياسات إسرائيل تجاه سوريا لا تنطلق فقط من الاعتبارات الأمنية وإنما تستهدف استمرار ضعف الدولة السورية عموماً.
- تلفزيون سوريا
























