هل يكفي التذكير بالمرحلة الأسدية واستحضارها للمقارنة بشكل متكرر لتبرير القصور الحكومي وارتفاع مستويات الفقر وتدني الخدمات المُقدمة للمواطنين؟ إن هذا الاستحضار بشكل متكرر يعكس عقلًا مستقيلًا يكتفي بالتبرير ويتوقف زمنيًا عند لحظة تاريخية معينة، هي لحظة انتصار الثورة السورية وسقوط الأسدية.
الطالب الجيد هو الطالب الذي يقارن نفسه بالأفضل، وليس بالطالب الأسوأ في الصف، مثلًا، والطالب الجيد هو الذي يفكر في حل مشاكله، وليس الاتكاء على إنجازات سابقة تم تحقيقها.
من المعروف تمامًا حجم الخراب المادي والنفسي الذي تركه الإرث الأسدي، ومن المعروف تمامًا حجم الصعوبات والتحديات والإخفاقات التي تحدث في المرحلة الانتقالية عقب الثورات وسقوط الأنظمة الاستبدادية.
ثمة فئة من السوريين استبدّ بها اليأس والإحباط، وكثيرًا ما نراهم يرددون: «ما تغيّر شي! من تحت الدلف لتحت المزراب».. وغالبيتهم يرددونها بدافع اليأس وضغط الحاجة وخيبة الأمل، وبعضهم يرددها بدافع فئوية طائفية.
لنتساءل : ما هو المعيار الذي ينبغي محاسبة الأداء الحكومي عليه؟ هل تصح المقارنة بتجارب دول مستقرة قطعت شوطًا بعيدًا في الإدارة الحكومية المؤسساتية، كسنغافورة وتركيا، أو بدول لديها فائض من الثروات الطبيعية والنفطية، كالسعودية مثلًا، كما صرّح بذلك وزير الخارجية السوري؟
إن رفع سقف التوقعات سوف ينتج عنه بالضرورة ارتفاع مستويات الإحباط عند المواطنين. خلال حوار أجراه معه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، قال الشيباني، بحسب النص المنشور للمقابلة: «إذا سألتني من أين نستمد إلهامنا في بناء سوريا الجديدة، فسأقول: سنستلهم من تجربة سنغافورة، ورؤية 2030 في السعودية، وبعض النماذج الناجحة كجنيف وغيرها من التجارب العالمية.. ».
الحكومة/ السلطة السورية مطالبة بتقديم المُمكن المُستطاع، وليس تقديم المثالي. هناك آلاف الإجراءات البسيطة الممكنة التي يمكن أن تُحدث فرقًا. مثلًا، طريق حلب–دمشق، في أجزاء كبيرة منه، لا توجد فيه خطوط مرسومة لمسارات السيارات، مما يتسبب بحوادث ومخاطر قيادة، خاصة في الليل. إصلاح ذلك هو ضمن نطاق الممكن؟ وهناك عشرات الأمثلة المشابهة.
فمُرافقة بعض الوزراء والمحافظين تزيد على عشر سيارات، مثلًا. تقليص ذلك هو ضمن إطار الممكن؟ تفعيل دور مجلس الشعب السوري الرقابي هو ضمن نطاق المُمكن؟ تقييد وتوضيح صلاحيات المحافظ والمسؤول الحكومي ضمن نطاق القانون هو ضمن إطار الممكن؟ اصدار قانون لتنظيم العمل السياسي والنقابي هو ضمن نطاق الممكن ولا يحتمل تبريرات .. إلخ.
معيار المحاسبة والتقييم هو الممكن، والتطلع لتحقيق الأفضل مقارنة بالماضي، ومقارنة بتجارب دول تخضع لشرط سياسي واقتصادي مماثل.
ثمة سؤال آخر: من هو الذي يقيّم الأداء الحكومي للإدارات والمسؤولين؟ هل المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم المسؤول الحكومي نفسه؟ نحتاج لتقييم أداء موضوعي، وهذا لا يحتاج لمؤسسات وجهات مستقلة لا تخضع للسلطة التنفيذية، ومنها مثلاً مكتب الإحصاء، ومؤشرات رقمية ينبغي أن تكون متاحة للصحفيين والعامة.
من الذي يقرر أن هذا المسؤول جيد ويشتغل بشكل جيد؟ هل الكاريزما الشخصية التي يتمتع بها، أم إجادته للقول ولباقته بالحديث، أم لكونه يحظى بصلة دعم معين من رأس السلطة مثلاً؟
يمكن تقييم الأداء الحكومي بشكل مستقل وموضوعي، بعيدًا عن الدعاية الحكومية أو مواقف المعارضة السياسية. وعمومًا، يمكن الاعتماد على طريقتين، لكل منها منهجية مختلفة.
أولا- مؤشرات الأداء الكمي والمقارنة الدولية، حيث تعتمد هذه الطريقة على قياس النتائج الفعلية للحكومة بمؤشرات قابلة للتحقق، ثم مقارنتها بأداء دول أخرى أو بأوضاع الدولة في السنة السابقة. على صعيد الاقتصاد، مثلًا: معدل النمو الحقيقي، ومعدل البطالة، والتضخم، وسعر صرف الليرة.
أعلنت الحكومة السورية عن حجم استثمارات هائل سوف يدخل البلد، أو باشرت تنفيذ أعمالها. ليس المهم حجم الاستثمارات المُعلن، بل ينبغي ترجمة ذلك في القدرة الشرائية للمواطن ومعدل البطالة. أما على الصعيد الاجتماعي فنتقصى ذلك في مؤشرات: جودة التعليم وتوفر الخدمات الأساسية. فيما يخص الجانب المؤسساتي يمكن تتبع ذلك في مؤشرات الفساد واستقلال القضاء.
ثانيا: التدقيق المستقل والمساءلة الحكومية، عبر فحص ما أنفقته الحكومة، والمقارنة مع ما أنجزته، والتقييم يجب أن يكون من جهات غير حكومية ولا تخضع لنفوذ المسؤول الحكومي.
ومنها تدقيق الموازنة العامة والإيرادات والنفقات، ومراجعة العقود والمناقصات الحكومية لكشف أي شبهة فساد، ونشر التقارير وإتاحة المعلومة للصحافة. كل إعلان من مسؤول أو وزارة ينبغي أن يُرفق بتدقيق فعلي حول ما تم إنجازه. وهنا تلعب السلطة التشريعية دوراً هاماً، بالإضافة إلى الصحافة الحرة. كما يمكن للحكومة، على غرار الشركات، الاستعانة بشركات تدقيق ومؤسسات مستقلة ذات صلة وخبرة عالمية في ذلك.
- تلفزيون سوريا






















