لم تعد محافظة السويداء ساحة توتر محلي أو ملفاً داخلياً قابلاً للاحتواء الأمني، بل تحوّلت تدريجياً إلى نقطة اشتباك متقدمة في معادلة الصراع السوري–الإقليمي. فالتزامن المتكرر بين كل تصعيد تفرضه تركيا على حكومة دمشق في ملف قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وبين اندلاع توترات أو اشتباكات في السويداء، لم يعد قابلاً للتفسير بوصفه مصادفة، هذه هي المرة الثالثة التي يتكرر فيها هذا النمط، بما يجعل تجاهل دلالاته السياسية والأمنية نوعاً من إنكار الواقع.
هذا التزامن لا يبدو موجهاً نحو إشعال حرب سورية مفتوحة، ولا نحو تفجير شامل للساحة الداخلية، بل يأتي في إطار سياسة ضغط محسوبة متعددة الاتجاهات. الرسالة الأولى موجهة إلى حكومة أحمد الشرع، مفادها أن الانخراط الكامل في المسار التركي ضد “قسد” يحمل كلفة داخلية وإقليمية مرتفعة، أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى أنقرة نفسها، وتقول إن محاولة إدارة الصراع السوري من بوابة واحدة لن تبقى بعيدة عن حدودها السياسية والأمنية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري في السويداء عن حلب، التي تشكل بدورها نقطة ضغط مدنية موازية، تتحرك عبرها “قسد” خارج جغرافيتها العسكرية الصلبة. فاختيار السويداء وحلب ليس عشوائياً، بل يعكس إدراكاً عميقاً لدى “قسد” بأن خوض مواجهة عسكرية مباشرة في مناطق نفوذها الكبرى شرق الفرات سيحول الصراع إلى حرب استنزاف مفتوحة، وقد يستدرج تدخلاً تركياً مباشراً لا ترغب به في هذه المرحلة.
من هنا، تبدو استراتيجية “قسد” قائمة على تحريك مفاصل مدنية هشة بدل فتح جبهات عسكرية مباشرة، ففي حلب، حيث التركيبة السكانية المعقدة، وتشابك النفوذ بين الدولة والفصائل المحلية، والهشاشة الأمنية المزمنة، يمكن إنتاج توترات ذات طابع مدني وسياسي تحمل أثراً أمنياً غير مباشر، أما في السويداء، حيث البعد الاجتماعي والديني والسياسي الحساس، فإن أي تصعيد محدود يتحول سريعاً إلى رسالة إقليمية عالية السقف، من دون الحاجة إلى نقل الصراع إلى مناطق السيطرة المباشرة لـ”قسد”.
ويزداد هذا المشهد تعقيداً في ظل الانخراط الإسرائيلي المباشر في التوتر القائم بين الفصائل الدرزية ودمشق، هذا الانخراط لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمنح أي تصعيد محتمل زخماً سياسياً وأمنياً إضافياً، ويُدخل السويداء – ومعها الجنوب السوري – في قلب توازنات إقليمية أوسع.
وفي هذا الإطار، لا يمكن استبعاد وجود مستوى عالٍ من التنسيق غير المعلن بين قسد والسويداء، وربما بين “قسد” وإسرائيل، في إطار تقاطع مصالح لا يحتاج إلى تحالفات رسمية بقدر ما يقوم على أهداف مشتركة.
في المقابل، ورغم تصاعد الأصوات الداعية إلى “الحسم العسكري” ضد “قسد”، فإن هذا الخيار يبدو غير قابل للتحقق عملياً. أي مواجهة من هذا النوع تتطلب تدخلاً عسكرياً تركياً واسعاً داخل سوريا، وهو تدخل ترفضه إسرائيل والدول الغربية، ليس دفاعاً عن “قسد” بقدر ما هو خشية من انزلاق الصراع إلى مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل على الأرض السورية. مواجهة كهذه لا تحتملها أنقرة في ظل ضغوطها السياسية والاقتصادية الداخلية، ولا ترغب بها العواصم الغربية التي تسعى إلى إدارة التوتر لا تفجيره.
أما دمشق نفسها، فهي أبعد ما تكون عن الجاهزية لخوض حرب طويلة ومعقدة، فالقوات الأمنية والعسكرية تعاني من هشاشة بنيوية، وغياب التراكمية القتالية، وضعف منظومات القيادة والسيطرة، إضافة إلى افتقار حقيقي لتدريبات حديثة على خوض حروب نظامية أو غير متماثلة. في المقابل، تمتلك “قسد” بنية عسكرية منظمة، وتمويلاً ثابتاً، وخبرة ميدانية متراكمة، إلى جانب غطاء سياسي وعسكري خارجي.
وعند النظر إلى الخريطة السورية، يتضح حجم المأزق العسكري الذي تواجهه دمشق، حيث تحاصرها قوات محلية مسلحة في الجنوب، وإسرائيل في الغرب، و”قسد” في الشرق، وخلايا تنظيم “داعش” المنتشرة في البادية ومناطق متفرقة شمالاً وجنوباً. أي انخراط في حرب مفتوحة مع طرف واحد قد يفتح الباب أمام تحركات متزامنة من أطراف أخرى، مستفيدة من انشغال الدولة وضعف مركز القرار.
في هذا السياق، يبدو خيار التفاوض الذي اعتمده أحمد الشرع مع “قسد” – رغم بطئه وكلفته السياسية – الخيار الأقل خطورة، فبحسب مصادر خاصة، لا يقتصر الخلاف مع “قسد” على مسألة الاندماج في وزارة الدفاع، بل يتجاوزها إلى رؤية سياسية أوسع، لأن “قسد” تسعى إلى شراكة فعلية في حكومة دمشق، وتطالب بتعديلات في الإعلان الدستوري، ومناصب محددة داخل السلطة التنفيذية، وتتمسك بمبدأ اللامركزية الإدارية لسوريا كلها، لا لمناطق سيطرتها فقط.
وتستند “قسد” في هذا المسار إلى مجموعة من أوراق القوة، منها إدراكها لغياب رغبة دمشق في الحرب، وسيطرتها على ملفات شديدة الحساسية مثل سجناء “داعش” ومخيم الهول، تحكمها بجزء أساسي من الموارد النفطية والزراعية، إضافة إلى شبكة علاقات سياسية تمتد من أوروبا إلى الولايات المتحدة، مروراً بإسرائيل وروسيا.
في المقابل، فإن فكرة إعادة إشعال صراع عسكري عبر العشائر لم تعد خياراً واقعياً، لأن معركة من هذا النوع قد تؤدي إلى سحب قرار الحرب والسلم من يد دمشق، وتفتح الباب أمام تشكل قوة عسكرية عشائرية يصعب ضبطها أو تفكيكها لاحقاً، بما يهدد ما تبقى من مركزية الدولة.
قد يجادل البعض بأن ما يجري في السويداء أو حلب شأن داخلي أو توتر محلي محدود. غير أن تكرار التزامن، وتشابك الفاعلين، وطبيعة الرسائل الإقليمية المتبادلة، تجعل هذا الطرح قاصراً عن تفسير الوقائع، فهاتان المنطقتان لم تعودا ساحتي اضطراب عرضي، بل تحولتا إلى أدوات ضغط مدنية–أمنية في صراع إقليمي معقّد، تُستخدم لرفع الكلفة السياسية، لا لفتح حرب شاملة.
كل ذلك يقود إلى خلاصة واضحة: أحمد الشرع لن يعود لاستخدام الورقة ذاتها، فالسويداء وحلب اليوم ليستا مساحتي اختبار، بل جبهتان متقدمتان في لعبة توازنات دقيقة، وأي خطأ في قراءة موقعهما أو وزنهما قد يجر دمشق إلى مواجهة متعددة المستويات، لا تملك أدواتها ولا تحتمل كلفتها.
- المدن


























