حتى أواخر القرن العشرين، بقي الشعر أيقونة الفنون الصينية.أما ايقونة الشعر الصيني الحديث فهو باي داو. وهذا شاعر ملتبس في اعتماده الشعر الحر وفي اختياره البقاء خارج الوطن إرادياً ثم "عودته" اللاحقة وغير النهائية إليه.
بعد أحداث ساحة تيانانمين والاتهام الذي وجه الى باي داو بتأجيج الأحداث لا سيما في ظل تداول الطلاب قصائده رغم وجوده يومها في برلين، قرر الشاعر عام 1988 التزام المنفى، رغم زيارته اللاحقة للوطن. لعل أكثر ما يعبر عن جوهر شخصية هذا الشاعرالملتبسة قوله عن الشعر "من جهة ترى الشعر بلا فائدة. لا يمكنه تغيير العالم بشكل محسوس ومن جهة أخرى يشكل جزءاً أساسياً من الوجود الانساني". مهما يكن عام سمح لداو عام 2006 العودة الى الصين.
داو هذا الذي يعتبر صديقاً للشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر، وللأميركي ألان غينسبيرغ والعربي الراحل محمود درويش (دعاه الى فلسطين ضمن وفد البرلمان الدولي للكتاب) رشح مرات عدة لنيل جائزة نوبل.
ابصر داو النور عام 1949 تحت اسم زاو زانكاي في بكين. كانت والدته طبيبة (تزوج لاحقاً من رسامة). غدا هذا الشاعر في سبعينات القرن الماضي الصوت الشعري لجيله. بدأ كناشط سياسي ثم ما لبث ان خسر حماسته وتحول الى الكتابة. مواضيعه تتمحور حول ضغوطات المجتمع الشمولي، زوال الوهم، الاحساس بالاقتلاع. في عمر السابعة عشر انضم الى "الثورة الثقافية".
بدأ الكتابة في سبعينات القرن العشرين مستخدماً اسماء مستعارة في محاولة منه للتهرب من سياجات الأدب الرسمي لزمان. اما معنى اسمه الحالي باي داو فهو "الجزيرة الشمالية" وقد اسبغه عليه اصدقاؤه لأنه شخص متوحد من الشمال.
عام 1978 عمل داو بالاشتراك مع مانغ كي على اصدار مجلة أدبية غير رسمية حملت اسم "اليوم" جمعت حولها شعراء شباناً آخرين ومنشقين. وقد اعتبر النقاد المناوئون لهذه المجلة انها "عدمية" سيما انها كانت تنشر قصائد لجماعة "المدرسة الضبابية". في هذه المرحلة استعمل داو صوراً محيرة عصية على التحديد فضلاً ن استعماله ضبابية لغوية. وقد حاول خلال تلك الفترة حل مشكلة الفجوة بين اللغة المحكية والمكتوبة من خلال نظم قصائد تجريبية. عام 1980 أوقفت، بل منعت، مجلة "اليوم" من الصدور.
عرف داو أوائل الشهرة الخارجية مع قصيدة "جواب" التي نشرت عام 1980 في مجلة الشعر الرسمية "شهرية الشعر". يقول داو فيها : "لا أؤمن بان السماء زرقاء / لا أؤمن في صدى الرعد / لا أؤمن بان الأحلام غير حقيقية / لا أؤمن بان الموت لا ينتقم".
تتميز قصيدة باي داو المكتسبة بالشعر الحر بصور مضغوطة وأسلوب لغزي. وهي تترك للقارئ ان يقوم بملء ظلال المعنى داخل الفراغات المفترضة بين الابيات. وقد استند بحثه وراء الشعر الجديد الى القواعد اللغوية الشعرية الصينية الكلاسيكية، الى الشعر الحداثي والى التأثيرات الوافدة من الأدب الغربي. وغالباً ما تظهر الكلمات التالية "مرايا" ، "السماء" ، "فصول مختلفة" و"الساعات" داخل صور قصيدته.
ولا بد من الختام من ذكر ان رواية باي داو القصيرة "أمواج" جعلته بل كرسته واحداً من الشخصيات البارزة في كتابة القصة الصينية الحديثة. والقصص التي تؤلف مجموع تلك الرواية والتي تحكي عن "الجيل الضائع" للثورة الثقافية تبدو في الظاهر غير مترابطة. فداو يستعمل روات عدة فضلاً عن مونولوغ داخلي، كاسراً بالتالي طرق التعبير التقليدية. ونختم مع أقوال راوي احدى القصص الذي يحمل اسم وانغ كي: "حالما ينطق بأفكار الشخص ويكتب فانها تشكل حياة ثانية، انها لا تختفي مع اضمحلال الجسد".
[ السلام
عند ضريح الامبراطور
بندقية صدئة تفرّخ غصناً أخضر
ليشكل عكازاً لمحارب قديم فقد ساقه.
[ حزيران
تقول الريح القريبة من الأذن ان حزيران
بلى شهر حزيران مثابة قائمة سوداء دسستها بنفسي
داخل الزمان
لاحظ هذه الطريقة لقول وداعاً
التنهدات مطمورة داخل كلام الوداع
لاحظ هذه الحواشي:
أزهار بلاستيكية مترامية
فوق الضفة اليسرى الميتة
الساحة الاسمنتية تمتد
من بدء الكتابة الى
الآن
أهرب من الكتابة
مع أولى ضربات مطرقة تنعّم الفجر
ثمة علم يغطي امتداد البحر
ومكبرات الصوت المخلصة
للهدير العميق للبحر تهتف حزيران
[ توزيع الصحف
من ذا الذي يؤمن بنحيب القناع؟
من يؤمن بالأمة المنتحبة؟
الأمة فقدت ذاكرتها
الذاكرة لا تتخطى هذاالصباح
ينطلق صبي توزيع الصحف صباحاً
وفي أرجاء المدينة صوت بوق موحش
أهو نذير شؤم لك أم لي؟
خضار بأعصاب سريعة العطب
فلاحون يغرسون أيديهم في الارض
مشتاقون لذهب الحصاد الطيب
سياسيون ينثرون الفلفل
على السنتهم
وحزمة من العصي تلوح وسط مناظرة:
أيضحون بأنفسهم حباً بالفن أم لولوج الأبواب
هذا الصباح الذي يطال الجميع
صنعه صبي توزيع الصحف
الثورة تتغلغل حتى اعماق الزوايا
فيما الصبي خرّ نائماً
[ منصب
يتوجه ايل صوب الحفرة الفخ
يا القوة، قالت شجرة الشربين، قاوم
مستحضراً نفس السر
يتحول شعري ابيض
متقاعداً، متراجعاً الى الوراء
تاركاً منصبي
خطوة واحدة فقط الى الوراء
لا عشر سنوات كاملة
حقبتي خلفي
تقرع فجأة على طبل كبير
[ بلا عنوان
المنظر الذي شُطب بجرة قلم
يعاود الظهور هنا
ما أشير إليه ليس البلاغة
تشرين الأول يحلّق فوق البلاغة
الطيران يُشاهد في كل مكان
الكشاف في زيّه الأسود
ينهض، يقبض على العالم
ويصوّره على ميكروفيلم كصرخة
تتحول الثروة الى مياه فيضان
وميض نور يتوسع
الى تجربة متجمدة
وحالما أغدو المشاهد الخطأ
الجالس وسط حقل
يخلع جنود الثلج تمويههم
متحولين الى لغة
[ دليل المعلم
لم تعطّل المدرسة حتى الآن
هي في حالة هيجان واضطراب لكن مع كبح الذات
أقام بجانبها
أنفاس تكاد تلامس الدرس
التالي من الكتاب: كيف الطيران
حين عجرفة الغرباء
ترسل ثلج آذار
تنزرع جذور شجرة في السماء
وقلم على ورقة يكسر الحصار
يشح النهر ويستدعي الجسر الجمهور
التمكن من الفرار من المدرسة ثورة
يقفز الصبية فوق سور النور
ويتوجهون صوب العمل السري
فيما أنا والأهل الآخرون
نراقب النجوم وهي تبزغ
[ أغنية الصباح
الكلمات هي السم داخل الأغنية
على مسار الدرب الليلية للأغنية
تستنفر صفارات الشرطة
المخمورين السائرين نياماً
مع استيقاظي يتملكني صداع
أشبه بصوت المنادين من وراء زجاج النافذة
ذاك الصوت الذي يصم الآذان بعد فتح الزجاج
متعلماً إضاعة العمر
أحوم داخل نداءات الطير
دون أن أذرف الدمع
حين تمتلئ العواصف بوقودها
تختطف أشعة الضوء الرسالة
تفتحها ثم تمزقها
[ تشوه
ظهري الى النافذة المطلة على الحقول المترامية
متشبثاً بثقل الحياة
فيما شكوك أيار
أشبه بفيلم عنف سينمائي
غدا أحمر من السكر
لولا قطرة العسل عند الخامسة
لأدركت الشيخوخة عشاق الصباح
وغدوا جسداً واحداً
إبرة بوصلة
في بحر الحنين الى الوطن
بين الكتابة والطاولة
ثمة خط مائل معاد
الجمعة في معمعان الدخان
شخص ما يتسلّق سُلماً
بعيداً عن أعين المشاهدين
[ تمضية الليل
يجلب النهر سمكة الترويت الى داخل الصحن
الأخ الكحول والأب حبات الذرة
يطلبان مني أن أسهر الليل، للزجاجة
تجاعيد القاتل
يحدق موظف الفندق في وجهي
أسمع ضربات قلبه الحسابية
ذاك القلب يشع مرة ويظلم مرة
مضيئاً قسيمة الزبائن
فوق الرخام اللماع
تسكت أنغام البيانو
ويحول المصعد التثاؤب الى صرخة
حالما ينسل عبر رغوة أضاءها مصباح
خارجة من كمها الخاص
تكشف الريح عن قبضة حديدية
[ المطاردة
توارت المعلمة منذ زمن
مع أن شقفاً من مفكرتها
لم تزل تؤدي دور الوسيط
وسالكين ممرات عملية الارتقاء
يعمد كل أفراد الفريق الى مطاردة الأرنب
من ذا الذي سيقوم بسلخه؟
يفضي الباب الخلفي الى الصيف
لا يمكن للممحاة أن تمحو أبداً
الخطوط المنقطة تتحول الى أشعة
فيما روح الأرنب تطير منخفضة
باحثة عن تقمصها الجديد
هاكم حكاية، منذ زمن بعيد
أطرقت أذنا أحد ما السمع
سرقت لمحة من السماء
فيما نحن الذئاب الراضعين من مصباح أحمر
كنا قد بلغنا رشدنا
[ مهمة
يتوه الكاهن داخل الصلوات
رمح في الهواء
يؤدي الى حقبة أخرى:
يتسلق الفارون الجدار
كلمات لاهثة تستدعي
مشكلة المؤلف القلبية
تتنفس أعمق فأعمق
تقبض على جذور شجرة الخرنوب
المنشغلة بمجادلة الريح الشمالية
حلّ الصيف
أعالي الشجرة تؤدي دور المخبر
التمتمات سبات أحمر
لسعه سرب من النحل،
لا، بل عاصفة
واحداً تلو الآخر يتسلق القراء مجهدين صوب الشاطئ
[ الكرسي الدوار
أخرج من غرفة
كشبح يتسلل من علبة الموسيقى
يتمايل ردف الشمس
ليتوقف عن الحراك كالميت ظهراً
فارغة فارغة الكرسي الدوار
داخل قمع الكتابة
ثمة من يتصفّى عبر الورقة البيضاء:
وجه متغض
كلمات مشؤومة
باعتبار الحرية الصامدة
باعتبار هل بمقدوري الحصول على شعلة
القلب، كأنه يضيء
المزيد من المكوكات الآلية
المتحركة ذهاباً وإياباً بين الليل والنهار
[ فصل جاف
أولاً إنها الريح القادمة من الديار
الأب محلقاً كطائر
فوق نهر من ضباب ناعس
يبدل فجأة مساره
لكنك كنت قد غرقت سلفاً في الضباب
مفترضاً أن الذاكرة تستفيق
كما سماء الليل داخل مرصاد
تقلم أظافرك
تغلق الباب تفتح الباب
يصعب التعرف على الأصدقاء
الى أن تنحسر أحرف الأيام الخوالي
كلياً ظلالها
تصغي أنت بانتباه
الى مدينة جديدة
بُنيت من قبل رباعي وترى
[ صابون
غاسلاً يداي في المطبخ
يجري ماء الصابون داخل أنبوب الصرف
أشبه بقلق كأس
فرنسي
تلوّح العروس وداعاً
الى قناة أخذ المواعيد المائية
من ذاك الشاهد الأبيض الشعر
الصاعد عكس التيار؟
صورة جماعية تحت الشمس
ونصف وجهي مغطى
والنصف الآخر نصف مضاء
داخل عزلة ساكنة الريح…
"المستقبل"




















