العلاقة بين إسرائيل والمكون الدرزي أُسست تاريخياً على مسارين متناقضين جغرافياً، لكنهما مترابطان ديموغرافياً
الخيارات المفروضة أمام الرئيس السوري أحمد الشرع قد تضطره أمام الضغوط الإسرائيلية إلى إيجاد تنسيق دفاعي وأمني مع قوى إقليمية أخرى مثل تركيا لإيجاد توازن ردع يمنع قضم الجنوب السوري، مع تقديم وعود بمنح السويداء نظام “لامركزية إدارية واسعة” شبيه بالاتفاقات التي أبرمت مع الأكراد، لقطع الطريق على التمدد الإسرائيلي.
لم تعد العلاقة بين المكون الدرزي وإسرائيل مجرد ملف أمني تحكمه حدود الهدنة القديمة، بل تحولت إلى محور علني ومباشر، تغذيه تصريحات دينية وسياسية غير مسبوقة في السويداء، ودخول ميداني إسرائيلي حاسم يعيد رسم ملامح النفوذ في الجنوب السوري.
الواقع السياسي لأبناء طائفة الموحدين الدروز اليوم يختلف جذرياً بناء على الجغرافيا والحدود السياسية، وهم لا يملكون في الحقيقة موقفاً موحداً، وهذا ما يجعلنا نتساءل كيف تحول الهامش الدرزي من قيادة الحركة الوطنية السورية الشاملة ضد الاستعمار عام 1925 إلى واقع معاصر تتجاذبه الهويات الوطنية والسياسات الإقليمية، بخاصة سياق الاندماج في إسرائيل لبعض المجموعات، في مقابل التمسك بالهوية العربية لمجموعات أخرى؟
لنتحدث أولاً عن أهم تشكيل درزي اليوم وهم دروز سوريا (جبل العرب/السويداء) كونهم الامتداد المباشر لثورة 1925، وموقفهم اليوم متناقض عن الأمس الذي كانوا فيه يعيشون حراكاً شعبياً وطنياً سورياً مستقلاً للمطالبة بالتغيير السياسي والحفاظ على وحدة سوريا، بينما اليوم شكّلت تصريحات الشيخ حكمت الهجري الزعيم الروحي لدروز السويداء، صدمة سياسية في الأوساط العربية والسورية، إذ تجاوزت لغة الحذر والمطالبة بالحكم الذاتي المحلي، لتصل إلى إعلانه الصريح بأن الدروز “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، ومشاركون معها تاريخياً وعقائدياً، مشيداً بنموذجها في بناء الدولة.
في حقيقة الأمر، هذه التصريحات تعكس رغبة واضحة في نيل اعتراف دولي وإقليمي بترتيبات خاصة بجنوب سوريا في ظل حكومة الشرع الموقتة وهو تحول جذري في خطاب السويداء بشكل خاص ونسبي لبقية الطائفة الدرزية المتفرقة إقليمياً.
في المقابل دروز الجولان السوري المحتل يرفض الغالبية الساحقة منهم الجنسية الإسرائيلية ومخططات التهويد منذ عام 1967، ويتمسكون بهويتهم السورية والعربية، وهم يختلفون عن دروز الداخل (إسرائيل) وهم الذين ينطبق عليهم سياق “الاندماج والموالاة للدولة الإسرائيلية”، نتيجة لظروف تاريخية وسياسات فرضتها إسرائيل منذ عام 1948 مثل قانون التجنيد الإجباري عام 1956 وسياسة “فصل الهويات”، اندمجوا في الداخل الإسرائيلي، وبالتالي وفقاً لتقارير رسمية نُشرت عام 2025 مارست قيادات درزية منهم ضغوطاً على حكومة إسرائيل للتدخل وحماية أقاربهم في السويداء من النظام السوري وما حدث بعد سقوطه، وهي ورقة ضغط رابحة لإسرائيل بلا شك وفرصة لقيام كيان مستقل يسمى (دولة الباشان) تعوض شعورهم بالتهميش الأمني والاقتصادي.
قيادة المشروع الوطني
بالعودة تاريخياً من هذه الناحية، يذكر المؤرخ السوري عبدالله حنا الدور الدرزي في تشكيل المنطلق الثوري، عندما انطلقت الشرارة من جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش تنديداً بالسياسات الفرنسية التي حاولت تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية من بينها دويلة السويداء، وتحت شعار “الدين لله والوطن للجميع” رفض الدروز عام 1925 المشروع الانفصالي الفرنسي، وأصرّوا على وطن قومي عربي ووطني سوري شامل، إذ تحالفوا مع أقطاب الحركة الوطنية في دمشق وحلب والساحل وجرى تكريس جهودهم من جبل العرب كعمق إستراتيجي للهوية السورية الموحدة.
لكن مع استعراض سياسة “فرق تسد” التي اتبعتها إسرائيل بعد عام 1948 لعزل الدروز عن محيطهم العربي فصل التعليم، فرض التجنيد الإجباري عام 1956، وتمكنت إسرائيل من كسب ولاء بعض قيادتهم وكان موقف شريحة منهم تؤيد الدولة الإسرائيلية وتخدم في مؤسساتها، مع الإشارة إلى وجود تيار وطني رافض للتجنيد مثل حركة “عروص”، بخلاف موقف أهالي الجولان وصمود أهاليها في مناطق كثيرة منها مجدل شمس وبقعاثا منذ عام 1967 ورفضهم للهوية الإسرائيلية تمثل ذلك في قيامهم بالإضراب الشهير عام 1982 والإصرار على التمسك بالهوية السورية، واستمرار حراكهم السلمي الحالي كحراك وطني سوري يطالب بالدولة المدنية الديمقراطية الموحدة امتداداً لإرث الأجداد عام 1925.
ومن زاوية أعمق نجد أن العلاقة بين إسرائيل والمكون الدرزي أُسست تاريخياً على مسارين متناقضين جغرافياً، لكنهما مترابطان ديموغرافياً، فوفقاً لموقع (INSS) للأمن القومي الإسرائيلي شبه الحكومي، فإن دروز الداخل الإسرائيلي شكلوا منذ عام 1948 نموذجاً مميزاً في الاندماج داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية عبر فرض “خدمة العلم” الإلزامية، وقد منحت هذه الخصوصية القيادة الروحية والسياسية لدروز إسرائيل مثل الشيخ موفق طريف وزناً نوعياً، مكّنهم من لعب دور “شبكة الأمان” والوسيط الإنساني والسياسي لمصلحة أبناء طائفتهم في دول الجوار عند الأزمات.
وبالتالي أصبح واقع المجتمع الدرزي داخل إسرائيل يقوم على معادلة فريدة تمزج بين الاندماج المؤسساتي الكامل في أجهزة الدولة، وبين الحفاظ على الروابط الطائفية الممتدة عبر الحدود، هذا التوازن جعل منهم قوة ضغط سياسية وعسكرية قادرة على التأثير في القرار الإسرائيلي عندما يتعلق الأمر بأمن الطائفة في سوريا أو لبنان.
وخلافاً لبقية المكونات العربية داخل إسرائيل، ساعد فرض قانون الخدمة العسكرية الإلزامية على الرجال الدروز عام 1956 بناء على تفاهمات بين القيادات الروحية والسياسية للطائفة في عهد حكومة ديفيد بن غوريون، وهو ما يُعرف إعلامياً وسياسياً بـ “حلف الدم” أو “حلف الحياة “على دخول الدروز في الجيش الإسرائيلي والاندماج في الوظائف العادية والمهمة أيضاً، بل يتركز حضورهم بشكل لافت في الوحدات القتالية الأمامية، ووحدات النخبة مثل قوات حرس الحدود والإدارة المدنية في الضفة الغربية، حتى وصلت قيادات درزية إلى رتب عسكرية رفيعة جداً مثل رتبة “لواء”، وأصبح لها اعتبار رفيع لدى صانع القرار الأمني والسياسي في تل أبيب، مما يمنح مطالبهم وزناً فورياً، ولا سيما مع وصول كثير منهم إلى مقاعد الكنيست.
ومن الملاحظ أن اتصالات دروز الداخل لا تتوقف عند تل أبيب، بل تمتد إلى الساحة الدولية، إذ ظهرت فاعلية دورهم في أزمات عدة تجلت عام 2017 عندما هاجمت فصائل مسلحة بلدة “حضر” الدرزية في القنيطرة السورية، وتظاهر مئات الدروز من الجولان والداخل الإسرائيلي على الحدود وحاولوا اجتياز السياج، وضغطت القيادة الدرزية فوراً على الجيش الإسرائيلي، الذي أصدر بياناً علنياً غير مسبوق توعد فيه بحماية البلدة، وتدخل عسكرياً لمنع سقوطها.
وعلى الصعيد دولي قاد الشيخ طريف شخصياً وفوداً إلى موسكو للقاء المسؤولين الروس مثل ميخائيل بوغدانوف ووزير الخارجية، مستغلاً النفوذ الروسي في سوريا لتأمين حماية خاصة لدروز السويداء ومنع توغل الميليشيات أو قوات النظام السابق.
بين قانون القومية وحماية السويداء
صدم قانون القومية الذي صدر في إسرائيل عام 2018 الشريحة الدرزية الموالية لإسرائيل بعد إقرار هذا القانون عملياً الذي همّشهم قانونياً على رغم خدماتهم العسكرية، مما فتح باباً واسعاً لإعادة نقاش الهوية والمواطنة، والتأكيد أن الموقف الدرزي ليس كتلة صماء، فبينما جسد دروز جبل العرب عام 1925 قمة العمل القومي العربي الموحد، فرضت خطوط اتفاقات “سايكس بيكو” وحروب عام 1948 و1967 واقعاً مشتتاً جعل دروز الداخل في سياق سياسي وثقافي مختلف تماماً عن إرثهم التاريخي وعن محيطهم في سوريا ولبنان.
وكونهم أقلية مُتفرقة هنا وهناك كان الهاجس الملحّ على الدروز في تلك المرحلة هو السعي نحو تحالف الضرورة أو التكيف مع سلطة الأمر الواقع لحماية الوجود، وبالتالي نجحت الهندسة الاجتماعية الإسرائيلية على مدى عقود في خلق “هوية درزية إسرائيلية” منفصلة عن الهوية الفلسطينية والعربية للغالبية، استغلالاً لحال الحاجة لحماية لمّ شملهم وإثبات وجودهم على الأرض ككتلة مؤثرة.
والتحول الأخير كان عام 2026، فمع اشتعال الأوضاع في الجنوب السوري، كان لدروز الداخل الدور الأبرز في إقناع صانع القرار الإسرائيلي بضرورة تقديم دعم مباشر ومفتوح (مالي وعسكري ولوجستي) للفصائل التابعة للشيخ حكمت الهجري في السويداء، بل وتوفير غطاء جوي استباقي لمنع أي هجوم يستهدف الجبل، مستغلين نفوذهم الداخلي المتنامي في منظومة الأمن الإسرائيلية لتشريع هذا التدخل كجزء من الأمن المتبادل.
وعلى رغم نجاح هذا النموذج في حماية طائفة الجوار، فإنه يواجه تحديات معقدة للحَرَج السياسي الإقليمي تضع الوساطة الإسرائيلية العلنية دروز سوريا (ولبنان أحياناً) في موقف حرج أمام محيطهم العربي، إذ يُتهمون بالعمالة أو الاستقواء بإسرائيل، وهو ما تحاول القيادة الروحية في الداخل تخفيفه عبر إعطاء الدعم طابعاً “إنسانياً وأخوياً” بحتاً، وإن كان يحمل في طياته حسابات إستراتيجية وعسكرية ثقيلة.
ردود فعل متباينة وحادة
أثار التدخل العلني المتزايد لدروز إسرائيل في الشأن السوري، وتحوله إلى قنوات دعم مالي وعسكري مباشر لفصائل السويداء، ردود فعل متباينة وحادة من مختلف الأطراف الإقليمية والمحلية السورية، وتراوح هذه المواقف ما بين الاتهامات بالخيانة، والبراغماتية السياسية، والتوجس الأمني من إعادة رسم خرائط المنطقة، إذ إن النظام السوري السابق في دمشق وحلفاؤه (بخاصة المحور المرتبط بإيران) يرى الدور الدرزي بكثير من العداء والخطورة.
ويشير مركز “بيو” للأبحاث إلى أن الإعلام الرسمي والرديف للنظام شن حملات تخوين ممنهجة ضد القيادات الدرزية في السويداء التي تنسق مع الداخل الإسرائيلي، وتُصوّر تصريحات الشيخ حكمت الهجري الأخيرة على أنها “سقوط للمقنع الوطني” وارتهان كامل للمشروع الصهيوني، ومحاولة إسرائيلية مكررة لاستنساخ تجربة “جيش لبنان الجنوبي” (أنطوان لحد) عبر خلق جيب أمني عازل في الجنوب السوري يمزق وحدة الأراضي السورية وينهي سيادة الدولة.
وبالنسبة إلى موقف المعارضة السورية للنظام السابق (بمختلف تياراتها) فقد عاشت حالاً من التخبط بعد تحول حراك السويداء من مطالب إسقاط النظام السوري والتحول الديمقراطي الشامل، إلى التنسيق مع تل أبيب، بعدما كانت تنظر إلى انتفاضة السويداء كرافعة وطنية تُثبت أن الثورة ليست طائفية، غير أن الارتهان للغطاء الإسرائيلي أحدث شرخاً كبيراً، إذ ترى المعارضة أن الاستقواء بإسرائيل يُفقد حراك السويداء شرعيته الوطنية السورية الجامعة مما يؤدي إلى شرعنة تقسيم سوريا وتعميق طائفي وعرقي مُشتعل مما يقضي نهائياً على حلم “سوريا الموحدة”.
وبالنسبة إلى الحسابات الإقليمية ينظر الأردن بقلق بالغ إلى نشوء إقليم درزي مستقل تحت رعاية إسرائيلية عند حدودها الشمالية، وتخشى التقديرات الأردنية أن يؤدي ذلك إلى تهجير ديموغرافي أو صدامات عشائرية مسلحة بين دروز الجولان والسويداء من جهة، ومحيطهم من عشائر بدو الجنوب السوري (درعا والمفرق) من جهة أخرى، وبالتالي تضعف الدولة المركزية ويتحول الجنوب إلى كيانات فصائلية مدعومة من الخارج إلى فقدان السيطرة على خطوط تهريب المخدرات والسلاح، أو تحول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية مفتوحة.
أما في لبنان فهم يدعمون مطالب دروز سوريا في العيش الكريم والإدارة الذاتية، بخاصة من جانب (الحزب الاشتراكي اللبناني) لكنهم يحذرون بشدة من مغبة السقوط في “الفخ الإسرائيلي”، ويدرك دروز لبنان أن الارتماء الكامل في حضن إسرائيل سيعزل الطائفة عربياً ويجعل دروز لبنان الذين يعيشون في بيئة يهيمن عليها توازن اجتماعي أكثر وخيارات تناهض الوجود الإسرائيلي عرضة لاستهداف سياسي وأمني مباشر، وعلى الصعيد الإيراني ومع تراجع دورها العسكري المباشر فهي تحافظ على أي تحالف مع الدروز كأداة نفوذ مذهبي تحافظ من خلاله على موطئ قدم لها، وتعد الإقليم الدرزي المدعوم إسرائيلياً بمثابة حائط صد يقطع خطوط إمدادها نحو الجولان وتهديد إسرائيل.
واليوم في عهد حكومة أحمد الشرع الانتقالية، نجد أنه منذ توليه السلطة في يناير (كانون الثاني) 2025، يحاول بسط سيادة الدولة المركزية وبناء هوية وطنية جامعة تشمل الأقليات كافة، إلا أن الاندفاعة الدرزية الأخيرة نحو تل أبيب تضع حكومته أمام تحديات سياسية وأمنية حرجة، منها إعاقة مشروع “مركزية الدولة” وتعميق خيار قبول الحكم الفيدرالي على أقل تقدير.
وعلى رغم تبني إدارة الشرع رؤية قائمة على استعادة السيطرة المركزية وإعادة دمج الفصائل والمناطق ضمن مؤسسات الدولة، على غرار النجاح الأخير في حل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ودمجها بالكامل في أغسطس (آب) 2026، غير أن الدعم العسكري والمالي الإسرائيلي لفصائل السويداء يمنح الأخيرة استقلالاً تاماً، ويجهض محاولات دمشق لفرض نموذج دمج مشابه في الجنوب، مما يفرض سيناريو غير مألوف لحكومة موقتة في دمشق لم يتسن لها أن تتعافى.
وبالتالي فالخيارات المفروضة أمام الشرع قد تضطره أمام الضغوط الإسرائيلية إلى إيجاد تنسيق دفاعي وأمني مع قوى إقليمية أخرى مثل تركيا لإيجاد توازن ردع يمنع قضم الجنوب السوري، مع تقديم وعود بمنح السويداء نظام “لا مركزية إدارية واسعة” شبيه بالاتفاقات التي أبرمت مع الأكراد، لقطع الطريق على التمدد الإسرائيلي.
- إندبندنت























