معضلة الإقصاء في الحكم
لم يكن أكثر المتفائلين بين فلسطينيي الداخل يتوقع أن يستيقظ صباح الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول على نتائج انتخابية تمنح الأحزاب العربية فرصة قد تكون حاسمة في تحديد هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وأن يجد نفسه، في الوقت ذاته، أمام احتمال استمرار بنيامين نتنياهو في السلطة، رغم النجاح الانتخابي الذي حققه العرب، وإخفاق الائتلاف اليميني الحاكم في ضمان أغلبية برلمانية.
فقد حملت الانتخابات مفارقة سياسية لافتة: نجح العرب في تعزيز قوتهم البرلمانية، لكن غادي آيزنكوت، الذي علّق بعضهم آمالًا على نجاحه في إزاحة حكومة اليمين المتطرف، لم يحقق الأغلبية التي تخوّله تشكيل حكومة مستقرة من دونهم، بينما سبق أن تعهّد بعدم إشراك الأحزاب العربية في حكومته.
وهكذا، قد يجد العرب أنفسهم أمام فرصة للتأثير في مستقبل الحكم الإسرائيلي، من دون ضمان القدرة على استثمارها. أما آيزنكوت، الذي راهن على أغلبية يهودية مريحة تمنحه الشرعية السياسية لتنفيذ برنامجه، فقد أصبح مطالبًا بالاختيار بين التمسك بتعهداته الانتخابية، أو البحث عن تفاهمات مع الأحزاب التي استبعد مشاركتها، أو القبول بتسوية سياسية تعيد نتنياهو إلى معادلة الحكم.
وتكشف هذه المفارقة أن المشكلة لم تعد في قدرة العرب على الوصول إلى صناديق الاقتراع، وإنما في مدى استعداد القوى السياسية الإسرائيلية للاعتراف بحقهم في تحويل أصواتهم إلى نفوذ سياسي، وليس مجرد أرقام تُحتسب عند إعلان النتائج.
انتصار انتخابي بطعم القلق
أظهرت نتائج الفرز الجزئي، ظهر الأربعاء، بعد احتساب نحو 84.5 في المئة من صناديق الاقتراع، حصول القائمتين العربيتين، المشتركة والموحدة، على 19 مقعدًا وفق التوزيع المؤقت، مقابل 10 مقاعد في الكنيست المنتهية ولايته.
وفي المقابل، حصل معسكر نتنياهو على 54 مقعدًا، ومعسكر آيزنكوت على 49 مقعدًا، ما يترك الطرفين دون أغلبية المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة. ورغم أن النتائج لم تكن نهائية، فإنها كشفت عن تحول في المزاج الانتخابي العربي، وعن قدرة أصوات الفلسطينيين في إسرائيل على إرباك الحسابات البرلمانية للمعسكرين المتنافسين.
ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم أربع سنوات من الإحباط والغضب والخوف، في ظل حكومة اعتبرتها قطاعات واسعة من المجتمع العربي الأكثر عداءً لها منذ سنوات طويلة. فقد تحولت سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وتفاقم الجريمة المنظمة وانتشار السلاح والعنف، واستمرار هدم المنازل والقرى العربية في النقب، إلى عوامل تعبئة انتخابية لم تستطع الأحزاب العربية تحقيقها بالقدر نفسه في الانتخابات السابقة.
وتكشف نسب التصويت في المدن العربية حجم هذا التحول؛ إذ ارتفعت المشاركة في الناصرة إلى نحو 72 في المئة، مقارنة بنحو 48 في المئة عام 2022، وفي أم الفحم إلى نحو 76 في المئة، بعدما كانت أقل من 39 في المئة. لكن هذه العودة الواسعة إلى صناديق الاقتراع لا تعني بالضرورة تجدد الثقة بالأحزاب العربية وحدها، بقدر ما تعكس اقتناعا متزايدا بأن الامتناع عن التصويت يترك مصير المجتمع العربي بيد قوى سياسية يعتبرها كثيرون الأكثر عداءً لمصالحه. فلقد صوّت كثيرون ليس لأنهم أصبحوا أكثر اقتناعا بقدرتهم على تغيير النظام السياسي الإسرائيلي، وإنما لأنهم باتوا أكثر خوفًا من نتائج تركه من دون محاولة للتأثير فيه.
رويترزالمرشح الفلسطيني يوسف جبارين، عن حزب “القائمة المشتركة”، يدلي بصوته خلال الانتخابات الاسرائيلية في مدينة أم الفحم العربية، شمال إسرائيل، في 27 أكتوبر 2026
ويؤكد يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، هذا التحول في حديث خاص لـ”المجلة” قائلاً: “شعبنا وأهلنا طلبوا الوحدة الوطنية، وحققناها لهم عبر تشكيل القائمة المشتركة”، معتبرًا أن التأييد الواسع الذي حصدته القائمة يمثل “شهادة اعتزاز كبيرة بنهجنا ومواقفنا، ومصدر قوة لنا”. ويرى جبارين أن الارتفاع غير المسبوق في المشاركة يحمل دلالة تتجاوز الحسابات الانتخابية، إذ يؤكد أن “الفلسطينيين قرروا استخدام قوتهم السياسية كقوة برلمانية وأداة صمود وحفاظ على وجودنا”.
ولا يفصل جبارين هذا التحول عن التجربة التي عاشها المجتمع العربي خلال السنوات الأربع الماضية، وما يصفه بحرب الإبادة في غزة، وإرهاب المستوطنين، وتفاقم الجريمة المنظمة، وهدم المنازل والقرى العربية في النقب؛ إذ يقول إن الخوف من عودة نتنياهو دفع الناخبين إلى التعبير عن رغبتهم في “معاقبة من عادانا بسياساته”، وضمان واقع أفضل وتغيير نسبي، ولو كان بطيئًا. وهكذا، فإن المشاركة العربية المرتفعة لم تكن تصويتًا لمصلحة التغيير وحده، بل تصويت ضد استمرار واقع باتت كلفته اليومية ثقيلة على المواطنين العرب.
يؤكد يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، هذا التحول في حديث خاص لـ”المجلة” قائلاً: “شعبنا وأهلنا طلبوا الوحدة الوطنية، وحققناها لهم عبر تشكيل القائمة المشتركة”
البرنامج المقبول والشريك المرفوض
قبل الانتخابات، لم تكن جميع التوقعات العربية متشائمة من وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فرغم خلفيته العسكرية ومواقفه المتشددة تجاه القضية الفلسطينية، قدّم رئيس حزب “يشار” برنامجاً داخلياً تضمن إجراءات اعتبرتها قطاعات من المجتمع العربي أكثر استجابة لمشكلاتها من سياسات حكومة نتنياهو، ومن أبرز تلك التعهدات إطلاق خطة وطنية لمكافحة الجريمة المنظمة والعنف في المجتمع العربي، وإعادة المهنية إلى جهاز الشرطة، ومواجهة الابتزاز والفساد، وتعزيز المساواة في الفرص وتقليص الفجوات الاجتماعية.
وكان لهذه التعهدات معنى خاص لدى مجتمع باتت الجريمة المنظمة تهدد أمنه اليومي، وأصبح الخوف من إطلاق النار والعنف جزءًا من حياة عائلات كثيرة، لكن الجانب الآخر من برنامج آيزنكوت كشف حدود هذا التفاؤل، بعدما ربط مفهوم المساواة بالخدمة العسكرية أو الوطنية، ووضع شروطًا سياسية وأيديولوجية أمام مشاركة الأحزاب العربية في الحكم.
رويترزفقد أعلن في سبتمبر/أيلول أن القائمة العربية الموحدة لن تكون جزءًا من حكومة يقودها بصيغتها ومواقفها الحالية، واشترط على الأحزاب الراغبة في المشاركة الاعتراف بإسرائيل دولةً يهوديةً وديمقراطيةً، وتأييد الخدمة العامة للجميع، واتخاذ مواقف محددة من حركة “حماس”. وكان آيزنكوت يراهن على تحقيق أغلبية من 64 أو 65 مقعدًا للأحزاب الصهيونية المناهضة لنتنياهو، بما يمنحه حرية تشكيل الحكومة بعيدًا عن الأحزاب العربية، لكن النتائج الأولية أظهرت إخفاق هذا الرهان.
وهذا ما يفسر خيبة الأمل التي يتحدث عنها يزيد حديد، الخبير في إدارة الحملات الانتخابية في إسرائيل، إذ يقول لـ”المجلة” إن الارتياح العربي لارتفاع نسب المشاركة والمكاسب الانتخابية ترافق مع خيبة أمل من عدم تحقيق آيزنكوت أغلبية يهودية واضحة، تمنحه الشرعية السياسية اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة وتنفيذ برنامجه الانتخابي الذي حمل وعودًا إيجابية للمجتمع العربي. وهكذا، وجد الناخب العربي نفسه أمام معادلة مربكة: نجحت أصواته في تعزيز وزنه السياسي، لكنها لم تمنح المعارضة الأغلبية المستقلة التي كان بعض العرب يأملون في أن تتيح لها إحداث التغيير، من دون الدخول في أزمة قبول المشاركة العربية في الحكم.
قبل الانتخابات، لم تكن جميع التوقعات العربية متشائمة من وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، فرغم خلفيته العسكرية ومواقفه المتشددة تجاه القضية الفلسطينية، قدّم رئيس حزب “يشار” برنامجاً داخلياً تضمن إجراءات اعتبرتها قطاعات من المجتمع العربي أكثر استجابة لمشكلاتها من سياسات حكومة نتنياهو
وقد تكون أكثر المسائل حساسية في نتائج الانتخابات تلك المتعلقة بما يسمى “الأغلبية اليهودية”، التي تحولت إلى شرط سياسي غير مكتوب لدى قوى إسرائيلية عديدة لتشكيل الحكومة؛ فمن الناحية القانونية، لا تختلف قيمة صوت المواطن العربي عن صوت المواطن اليهودي في انتخابات الكنيست. لكن الحسابات السياسية الإسرائيلية كثيرًا ما تتعامل مع الأصوات العربية باعتبارها أصواتًا يمكن الاستفادة منها لإضعاف الخصوم، وليس بالضرورة لتأسيس شرعية الحكومة.
رويترزوهنا تبدو المفارقة أشد وضوحًا؛ فالأحزاب العربية تستطيع المساهمة في منع نتنياهو من تشكيل حكومة، لكن مشاركتها في إيصاله إلى المعارضة قد تصبح، في خطاب خصومها، سببًا للطعن في شرعية الحكومة البديلة.
وقد عكس يائير غولان، رئيس “حزب الديمقراطيين”، هذا التناقض عندما دعا صباح الأربعاء إلى التعاون مع الأحزاب العربية، ورفض التمييز بين الأصوات اليهودية والعربية في حساب الأغلبية البرلمانية. لكن موقف غولان لا يمثل بالضرورة موقف آيزنكوت أو نفتالي بينيت أو أفيغدور ليبرمان، الذين يواجهون ضغوطاً سياسية وانتخابية قد تجعل التعاون مع الأحزاب العربية مكلفاً بالنسبة إليهم. وهكذا، تصبح المشكلة التي تواجه المعارضة أعمق من مجرد جمع 61 مقعداً: إنها مشكلة الاعتراف بالأصوات العربية جزءاً طبيعياً من الأغلبية الديمقراطية، لا عبئاً سياسياً ينبغي تجنبه.
قد تكون أكثر المسائل حساسية في نتائج الانتخابات تلك المتعلقة بما يسمى “الأغلبية اليهودية”، التي تحولت إلى شرط سياسي غير مكتوب لدى قوى إسرائيلية عديدة لتشكيل الحكومة
هدف واحد وطريقان مختلفان
داخل المجتمع العربي نفسه، لا يوجد اتفاق كامل على كيفية استثمار النتائج، رغم التقاطع بين القائمتين العربيتين على الرغبة في إسقاط نتنياهو. ويرى يزيد حديد أن النتائج وضعت الأحزاب العربية أمام اختبار تتفق فيه على الهدف، لكنها تختلف في الوسائل والأثمان. فمنصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، لم يُخفِ رغبته في العودة إلى المشاركة في الائتلاف الحكومي، ولن يتردد، وفق تقدير حديد، في اغتنام الفرصة إذا أُتيحت له.
أما القائمة المشتركة، فأبدت استعدادها لتوفير شبكة أمان برلمانية لأي حكومة تغيير، شريطة أن تضع القضايا الجوهرية للمجتمع العربي في صدارة أولوياتها، بدءًا من مكافحة الجريمة المنظمة، وصولًا إلى إلغاء قانون كامينتس الذي شدد إجراءات إنفاذ قوانين التخطيط والبناء، وقانون القومية الذي رسخ الهوية القومية اليهودية للدولة.
ويوضح حديد لـ”المجلة” أن الفارق بين المقاربتين يتجاوز مجرد المشاركة في الحكومة أو دعمها من الخارج؛ فبينما يسعى عباس إلى توظيف برغماتيته السياسية لانتزاع مكاسب ملموسة لمجتمعه، تريد القائمة المشتركة أن تقدم لجمهورها أي دعم تمنحه لحكومة بديلة باعتباره ثمناً لتغيير سياسات وقوانين تمس الحقوق الجماعية للفلسطينيين في إسرائيل، لا مجرد صفقة للحصول على ميزانيات ومشروعات تطويرية.
رويترزأحد أنصار حزب الليكود يتفاعل مع نتائج استطلاعات الرأي عند الخروج من مراكز الاقتراع، حاملاً لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي وزعيم الحزب بنيامين نتنياهو، في مقر الحزب بالقدس، في 27 أكتوبر 2026
وبذلك، يصبح الاختلاف بين الطرفين متعلقاً بطبيعة الإنجاز الذي يسعى كل منهما إلى تحقيقه: تحسين شروط الحياة داخل الواقع السياسي القائم، أم محاولة تغيير بعض القواعد التي تحكم هذا الواقع. غير أن جبارين، الذي يؤكد لـ”المجلة” أن “هدفنا الرئيس والأساسي والأهم هو إسقاط حكومة نتنياهو”، لا يبدو متفائلاً بإمكانية ترجمة النجاح الانتخابي إلى ائتلاف حكومي بديل في ضوء مواقف قادة المعارضة وشروطهم السياسية.
ويقول: “في الطروحات التي نسمعها من رؤساء المعارضة، لا نرى إمكانية تشكيل ائتلاف حكومي”، رابطًا هذا الموقف أيضًا باستمرار الاحتلال والاستيطان والوجود العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان.
ولذلك، لا يستبق جبارين النتائج النهائية بتقديم تعهدات بشأن موقف قائمته من الحكومة المقبلة، مؤكدًا ضرورة إجراء تقييم سياسي بعد اكتمال فرز الأصوات، ويختصر معادلة المرحلة المقبلة بقوله: “خطوتنا القادمة تعتمد على ما نسمعه من أحزاب المعارضة، وإن كان لديها رغبة في التغيير في سياسات الحكومة”.
وهكذا، فإن الاختلاف بين عباس وجبارين لا يتمثل بالضرورة في الرغبة في إسقاط نتنياهو، وإنما في الثمن السياسي المطلوب مقابل المساهمة في إسقاطه، وفي حدود التنازلات التي يستطيع كل منهما تقديمها لجمهوره.
- المجلة























