ثمة سؤال أكثر أهمية بالنسبة إلى سوريا من معرفة الفائز في الانتخابات الإسرائيلية: هل يمكن لتغيير القيادة في تل أبيب أن يغيّر السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، أم أن الاختلاف بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت يتعلق بأساليب تحقيق الأهداف ذاتها؟
تزداد أهمية السؤال مع النتائج الأولية لانتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، التي أظهرت تقارباً بين المعسكرين، وعجز كليهما حتى الآن عن ضمان الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة. وهكذا، قد تدخل إسرائيل مرحلة مساومات ائتلافية طويلة، بينما تبقى ملفات الأمن والسياسة الخارجية مفتوحة على احتمالات متعددة.
لكن القراءة السورية لهذه الانتخابات ينبغي أن تبدأ من حقيقة أساسية: الخلاف الانتخابي الإسرائيلي يدور أساساً حول من يدير القوة الإسرائيلية، ومدى كفاءته ومسؤوليته، أكثر مما يدور حول مشروعية استخدامها في الإقليم.
فآيزنكوت، رئيس الأركان السابق، ينتمي إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ويحمل تصورات صارمة بشأن التهديدات الإقليمية. وهو يختلف مع نتنياهو في إدارة الدولة والحرب والتحالفات، لكن مواقفه لا تسمح بافتراض أنه سيصبح أكثر تساهلاً مع دمشق لمجرد أنه يمثل بديلاً سياسياً.
لقد انتقلت إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد من التعامل مع حدود مستقرة نسبياً، ضمن قواعد اشتباك ترسخت لعقود، إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب السوري، عبر التوغل العسكري، والتمسك بمواقع جديدة، والمطالبة بترتيبات تحدّ من انتشار القوات السورية وقدراتها.
وهنا تظهر المفارقة: سوريا الجديدة، التي تعلن رغبتها في الاستقرار واستعادة سيادتها، تواجه مطالب إسرائيلية قد تتجاوز منع التهديدات المباشرة إلى التأثير في شكل الدولة السورية وقدرتها العسكرية وعلاقاتها الإقليمية. فماذا لو بقي نتنياهو؟
الأرجح أن تستمر السياسة التي تربط أمن إسرائيل بالسيطرة الميدانية وفرض الوقائع قبل التفاوض عليها. فنتنياهو يجد في التشدد الأمني رصيداً سياسياً، وفي إبقاء الملفات الإقليمية مفتوحة وسيلة للحفاظ على صورته بوصفه القائد الأقدر على مواجهة التهديدات.
وفي الحالة السورية، قد يستمر توظيف الشك في القيادة الجديدة، والمخاوف من النفوذ التركي وأوضاع الجنوب، لتبرير بقاء القوات الإسرائيلية والمطالبة بقيود أمنية واسعة. لكن بقاء نتنياهو لا يعني استحالة التفاهم. فهو براغماتي عندما تفرض المصالح ذلك، وقد يقبل اتفاقاً أمنياً إذا أمكن تقديمه لجمهوره بوصفه إنجازاً يعزز أمن إسرائيل. غير أن المشكلة تكمن في الثمن الذي قد يطلبه، وميله إلى تحويل كل تنازل محتمل إلى مناسبة لانتزاع مكاسب إضافية.
أما إذا وصل آيزنكوت، فقد يتغير منطق إدارة الملف السوري بدرجة تستحق الاهتمام.
فآيزنكوت ينطلق من خلفية عسكرية احترافية، وقد يكون أكثر استعداداً للنظر إلى السيطرة على الأرض باعتبارها أداة لتحقيق أهداف أمنية وسياسية، يمكن مبادلة بعضها بضمانات وترتيبات محددة. لكن آيزنكوت يشكك أيضاً في القيادة السورية، ويتمسك بمطالب أمنية صارمة، ولا توحي مواقفه باستعداد لانسحاب شامل غير مشروط، وخصوصاً من المواقع التي تعتبرها المؤسسة العسكرية ذات أهمية استراتيجية.
وبذلك قد يكون الفارق بين الرجلين أن نتنياهو يميل إلى استخدام السيطرة العسكرية لفرض واقع سياسي طويل الأمد، بينما قد يكون آيزنكوت أكثر استعداداً لتحويل بعض هذه السيطرة إلى اتفاقات أمنية قابلة للتنفيذ والمراقبة. وهذا فارق مهم، لكنه لا يضمن شروطاً مقبولة سورياً.
ثم إن العامل الحاسم قد يكون خارج إسرائيل نفسها. فالإدارة الأمريكية تنظر إلى سوريا الجديدة من زاوية تشمل الاستقرار الإقليمي، ومنع عودة داعش، والعلاقة مع تركيا، وتخفيف أعباء الانخراط العسكري. وقد يؤدي استمرار التوتر السوري الإسرائيلي إلى تعقيد هذه المصالح، خصوصاً إذا تحولت سوريا إلى ساحة مواجهة بين إسرائيل وتركيا.
ومن هنا، فإن قدرة واشنطن على التأثير في الحكومة الإسرائيلية المقبلة قد تكون أهم من هوية رئيسها. وقد يكون آيزنكوت أكثر قابلية لتقديم تنازلات جزئية تحت الضغط الأمريكي، لكن نتنياهو نفسه قد يفعل ذلك إذا أصبحت كلفة التعطيل أعلى من مكاسبه.
ثمة هنا احتمال ثالث يتمثل في استمرار الانسداد السياسي الإسرائيلي. فنتائج الانتخابات لا تحسم وحدها طبيعة الحكومة المقبلة؛ إذ قد يكون الائتلاف الذي سيحكم أكثر أهمية من شخصية رئيس الوزراء. وحكومة ضعيفة أو انتقالية قد تفتقر إلى القدرة على اتخاذ قرارات انسحاب أو تسوية، بينما تستمر المؤسسات العسكرية في إدارة الواقع الميداني وفق الاعتبارات القائمة. وهذا يعني أن غياب الحسم الانتخابي قد يطيل عمر الوضع الراهن، حتى دون قرار سياسي واضح بالإبقاء عليه.
ماذا ينبغي أن تستخلص دمشق؟ أولاً، أن السياسة السورية تجاه إسرائيل ينبغي أن تُبنى على فهم المصالح والمؤسسات الإسرائيلية، بعيداً عن الرهان على شخصية بعينها. فتغيير القيادة قد يفتح نافذة، لكنه لا يغيّر تلقائياً عقيدة أمنية تشكلت عبر عقود.
ثانياً، أن دمشق تستطيع تطوير مقاربة تجعل استعادة الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، ووقف الاعتداءات، والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك، جزءاً من مشروع أوسع للاستقرار الإقليمي، يحشد دعماً أمريكياً وعربياً ودولياً حول مطالب محددة.
ثالثاً، أن التفاوض يحتاج إلى التمييز بين الضمانات الأمنية المتبادلة التي يمكن بحثها، والمطالب التي تمس حق سوريا في بناء مؤسساتها العسكرية وتحديد شراكاتها السيادية. فالاتفاق الذي يؤجل مشكلة أمنية مقابل تكريس ضعف الدولة السورية قد يحمل بذور أزمة جديدة.
رابعاً، أن على الدبلوماسية السورية الاستعداد للسيناريوهات الثلاثة: استمرار نتنياهو، وصعود آيزنكوت، أو انسداد تشكيل الحكومة. ولكل منها فرص وأدوات مختلفة، لكنها جميعاً تحتاج إلى موقف سوري متماسك وإدارة دقيقة للعلاقة مع واشنطن.
وفي هذا السياق، تبرز قيمة الانفتاح السوري الدولي والإقليمي. فكلما توسعت شبكة المصالح المرتبطة باستقرار الدولة السورية، ازدادت كلفة السياسات التي تهدد هذا الاستقرار، وأصبح التعامل معها بوصفها شريكاً إقليمياً أكثر جاذبية من التعامل معها بوصفها مصدر تهديد.
وربما تكمن الفرصة الأهم في قدرة سوريا، بمرور الوقت، على تغيير السؤال الذي يحكم التفكير الإسرائيلي نفسه، من كيفية منع سوريا من امتلاك القوة، إلى كيفية بناء ترتيبات تجعل استقرار سوريا ووحدة مؤسساتها جزءاً من استقرار المنطقة.
فالانتخابات الإسرائيلية قد تغيّر رئيس الحكومة، وربما أسلوب التفاوض وسقوفه، لكنها لن تمنح سوريا حقوقها تلقائياً. وما سيحدد حجم الفرصة السورية هو القدرة على قراءة التحولات الإسرائيلية والأمريكية، وتحويلها إلى مكاسب سياسية وأمنية ملموسة.
- الثورة السورية






















