إذا كأن الشرق الأوسط قد حبس أنفاسه وهو يتابع الانتخابات الإسرائيلية، مترقباً كيف ستؤثر نتائجها على صراعات المنطقة التي تلعب فيها إسرائيل دوراً محورياً، فأن العالم أيضاً كأن يراقب هذه الانتخابات عن كثب، ليتلمس أنعكاس نتائجها على مسار الحرب مع إيران، وعلى أزمة مضيق هرمز وما تطرحه من مخاطر على إمدادات النفط والغاز. أما أوروبا، إضافة إلى مضيق هرمز ومشكلة الطاقة، فكانت مهتمة بمعرفة كيف ستؤثر نتائج الانتخابات على علاقات إسرائيل بروسيا وأوكرانيا، وعلى تطورات الحرب في أوكرانيا.
أما موسكو، ورغم تظاهرها بالاطمئنان إلى ما صرح به السفير الإسرائيلي لديها بأن نتائج الانتخابات لن تؤثر على العلاقات الروسية الإسرائيلية، لم تبق بعيدة عن الاهتمام بالانتخابات الإسرائيلية. فنتائجها، وأن كانت لن تغير في موقف إسرائيل من الحرب على إيران، فأنها قد تغير في موقف تل أبيب من أوكرانيا ومسألة مدها بالأسلحة المتطورة، وهي المسألة التي يدور النقاش بشأنها في إسرائيل منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا.
عكست النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات هواجس الناخب الإسرائيلي وأولوياته: الحرب مع إيران، وعدد المقاعد القياسي الذي أحرزته القوائم العربية، والحرب على جبهات متعددة، وقضية تجنيد الحريديم، والقلق على مستقبل الديموقراطية الإسرائيلية، في ظل اعتراض قطاعات من المجتمع على سياسات الحكومة ومحاولاتها تغيير طبيعة المؤسسات الدستورية والقضائية.
هذه الهواجس لم تغب عن القراءة الروسية للانتخابات. ففي 21 الشهر الجاري نشرت لودميلا سامارسكايا مقالة في موقع المجلس الروسي للعلاقات الدولية RIAC بعنوان “انتخابات بلا فائز: ما الذي ينتظر إسرائيل بعد 27 تشرين الأول/أوكتوبر؟”. وقد توقفت فيها عند صعوبة تشكيل الحكومة، وموقع الأحزاب العربية، وأهمية الأمن في خيارات الناخبين، مشيرة إلى أن القلق على الطابع الديموقراطي للدولة يؤثر بدوره في المواقف الانتخابية. واعتبرت أن الاتجاه نحو اليمين ليس جديداً، بل مسار سابق تعزز في الظروف الراهنة.
وتكتسب مقالة سامارسكايا أهميتها من توقيتها ومن طبيعة الجهة التي نشرتها. فالمجلس الروسي للعلاقات الدولية مؤسسة بحثية معنية بالسياسة الخارجية، ولا تمثل مقالاته بالضرورة موقفاً رسمياً للكرملين، كما يوضح الموقع نفسه. لكن هيئة أمناء المجلس تضم الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف. واختيار هذه القضايا يعكس ما رآه المجلس جديراً بالمتابعة في الانتخابات الإسرائيلية، وهو لا يذيل النصوص التي ينشرها بتعبير “رأي الكاتب قد لا يتطابق مع رأي هيئة التحرير”.
بعد ظهور النتائج، برزت مسألة المقاعد العربية في التغطية الروسية. ففي 28 الجاري، نشرت صحيفة Gazeta.ru تقريراً عن الانتخابات، استضافت فيه نيكولاي توبورنين، مدير مركز المعلومات الأوروبية. وركز توبورنين على الدور الذي يمكن أن تؤديه الأحزاب العربية في تحديد هوية الحكومة المقبلة، معتبراً أن هذه الأحزاب باتت قادرة على ترجيح كفة أحد المعسكرين.
كما نقلت الصحيفة عن المستشرق ألكسندر كارغين تقديره بأن العلاقات الإسرائيلية الروسية قد تتحسن، فيما قد تتدهور العلاقات الإسرائيلية الأميركية، تبعاً للتركيبة الحكومية المقبلة.
كأن الربط بين الانتخابات الإسرائيلية والحرب الأوكرانية أكثر وضوحاً في مقالة نشرتها في 29 الجاري الصحيفة الإلكترونية الروسية المستقلة Nabat، التي تصدر في عاصمة مقاطعة الحكم الذاتي اليهودي بيروبيدجان في أقصى الشرق الروسي. عنونت الصحيفة مقالتها بالقول “كيف يمكن للانتخابات في إسرائيل أن تؤثر على أوكرانيا والعلاقات مع روسيا”. وقد تناولت المقالة احتمال أن تتغير سياسة إسرائيل تجاه كييف تبعاً للحكومة التي ستتشكل، وذكّرت بأن أوكرانيا تطالب منذ سنوات بتوسيع التعاون العسكري معها، مستندة إلى خبرتها في مواجهة الطائرات المسيّرة والأسلحة الإيرانية التي تستخدمها روسيا.
وتكتسب هذه الزاوية، حسب الصحيفة، أهميتها من أن إسرائيل حاولت منذ بداية الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا الحفاظ على توازن بين موسكو وكييف، وقدمت مساعدات إنسانية للأخيرة، لكنها امتنعت عن تزويد أوكرانيا بأسلحة رئيسية. وكان الوجود العسكري الروسي في سوريا، والعلاقات الروسية الإيرانية، من العوامل التي قيدت هامش الحركة الإسرائيلية. غير أن المواجهة المباشرة مع إيرأن، وتنامي التعاون العسكري بين موسكو وطهران، جعلا هذا التوازن أكثر صعوبة.
وتشير المقالة إلى أن شخصيات في المعارضة الإسرائيلية، بينها يائير لابيد، أبدت استعداداً لتوسيع التعاون مع أوكرانيا إذا عادت إلى الحكم، فيما صدرت داخل الليكود نفسه مواقف تنتقد حذر الحكومة من كييف. لكن الفارق يبقى قائماً بين تصريحات السياسيين والقرارات التي يمكن أن تتخذها حكومة ائتلافية، أياً كان تركيبها. فالتغيير في رئاسة الحكومة لا يعني تلقائياً انقلاباً في سياسة إسرائيل تجاه أوكرانيا، كما أن استمرار نتنياهو لا يضمن بقاء السياسة على حالها.
ثمة جانب آخر لا يمكن فصله عن متابعة روسيا للانتخابات، وهو نشاط التأثير الإعلامي المنسوب إلى جهات روسية داخل إسرائيل. ففي تحقيق نشرته صحيفة “The Insider” الروسية المعارضة في 22 الجاري، استناداً إلى ملفات مسربة من “وكالة التصميم الاجتماعي SDA الروسية، كشفت الصحيفة عن استخدام مواقع إخبارية مزيفة وخبراء مختلقين وقنوات على شبكات التواصل للترويج لروايات تستهدف الجمهور الإسرائيلي.
وتناولت الحملة، وفق التحقيق، روايات تربط الأسلحة الغربية المرسلة إلى أوكرانيا بوصولها إلى حركة حماس، وتشكك في جدوى الدعم الأميركي لإسرائيل، فضلاً عن استهداف صورة أوكرانيا لدى الرأي العام الإسرائيلي. كما أشار التحقيق إلى أن الناطقين بالروسية في إسرائيل كانوا من بين الفئات التي استهدفتها هذه الأنشطة، من دون أن يعني ذلك أن الحملة اقتصرت عليهم.
يكشف التحقيق عن نشاط منظم للتأثير في التصورات والمواقف، لكنه لا يؤكد أن الهدف المباشر كان ترجيح كفة حزب أو مرشح بعينه. وقد يكون المقصود الأوسع هو التأثير في نظرة الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة وأوكرانيا، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وتعزيز روايات تخدم المصالح الروسية.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف السفير الإسرائيلي في موسكو، عوديد يوسف، الذي نقلتهGazeta.ru في عددها المشار إليه أعلاه، دلالة إضافية. فقد قال أن نتائج الانتخابات لن تؤثر في أهمية العلاقات مع روسيا أو في رغبة إسرائيل في تعزيزها، وأن القيادة الإسرائيلية، على اختلاف مكوناتها، تدرك أهمية هذه العلاقات. وهذا تصريح دبلوماسي إسرائيلي، لا تقييم روسي مستقل، لكنه يعكس حرص تل أبيب على طمأنة موسكو إلى أن التنافس الانتخابي لن يؤدي بالضرورة إلى قطيعة أو تحول جذري في العلاقة.
ما تقدم يشير إلى أن روسيا تابعت الانتخابات الإسرائيلية من أكثر من زاوية: التوازنات الداخلية، وصعود اليمين، والتمثيل العربي، وموقع الأمن في خيارات الناخبين، ومستقبل العلاقة مع أوكرانيا والولايات المتحدة. كما أن التحقيقات المتعلقة بحملات التضليل تشير إلى أن اهتمام موسكو لم يقتصر على قراءة النتائج بعد صدورها، بل امتد إلى محاولات التأثير في البيئة الإعلامية التي يتشكل فيها الرأي العام الإسرائيلي.
يرجح البعض أن روسيا لم تكن معنية بمن سيترأس الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، بقدر ما هي معنية باستمرار إسرائيل في مراعاة حساباتها الأمنية والسياسية، وعدم انتقالها إلى تعاون عسكري واسع مع أوكرانيا، وعدم انضمامها إلى سياسة غربية أكثر تشدداً تجاه روسيا. وهكذا، فإن السؤال الذي طرحته الانتخابات بالنسبة إلى الكرملين لم يكن من سيحكم إسرائيل، بل أي إسرائيل ستخرج من صناديق الاقتراع، وكيف ستتعامل مع شبكة الصراعات والتحالفات التي تتقاطع فيها مصالح موسكو.





















