مع اقتراب فصل الشتاء في سوريا، لا تقتصر مخاطر الأمطار والسيول على الطرق والمنازل والأراضي الزراعية، بل تمتد إلى إرث ما يزال مدفوناً في مساحات واسعة من البلاد، إذ تعيد المياه تحريك الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات قصف النظام المخلوع والميليشيات الموالية له من أماكنها، وقد تنقلها من مناطق معروفة بخطورتها إلى أخرى يعتقد السكان أنها آمنة.
وبعد سنوات طويلة من القصف والمواجهات، ما تزال مناطق كانت خطوط تماس أو مواقع عسكرية أو ساحات قصف تعاني تلوثاً بمخلفات الحرب، في ظل غياب خرائط دقيقة وشاملة لانتشار الألغام، واتساع رقعة المناطق التي عاد إليها سكانها أو استأنفوا زراعتها واستخدام طرقها وأراضيها.
ويحذر مختصون في إزالة الألغام من أن الأمطار والسيول قد تغيّر عملياً “خريطة الخطر”، إذ تجرف أجساماً متفجرة خفيفة الوزن، وعلى رأسها الألغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية، من المرتفعات والسواتر والمواقع العسكرية السابقة إلى الأودية ومجاري المياه والأراضي المنخفضة.
ويزداد الخطر مع حاجة السكان، خلال الشتاء، إلى دخول الأراضي المهجورة والأحراش والحقول بحثاً عن الحطب، في بلد تشكل فيه كلفة الوقود ومواد التدفئة عبئاً ثقيلاً على كثير من العائلات.
وفي ريف حماة الشمالي، تقدم بلدة الحماميات نموذجاً واضحاً لهذه المشكلة التي تتكرر بصور مختلفة في مناطق سورية عدة.
الحماميات.. “انتبه ألغام”
من مدينة حماة إلى ريفها الشمالي، ينتقل فريق موقع تلفزيون سوريا بين مشهدين متناقضين؛ مناطق عادت إليها الحياة والعمران، وأخرى ما تزال فيها آثار الدمار والركام، إلى جانب محاولات الإعمار والخيام.
وعند مداخل بلدة الحماميات، يختصر تحذير شعبي جانباً كبيراً من واقعها: “انتبه ألغام”.
وتشهد البلدة حملة لإزالة الألغام ومخلفات الحرب، عقب مقتل طفل بانفجار لغم، وما أعقب الحادثة من غضب شعبي ومطالبات بتوسيع عمليات المسح والإزالة.
لكن قصة الحماميات مع الألغام ترتبط بطبيعتها الجغرافية وتاريخها العسكري خلال سنوات الثورة، إذ تحصنت قوات النظام على التلة المعروفة باسم “تل الحماميات”، وهجّرت القوات سكان البلدة، وزرعت الطرق والمنازل ومحيط المواقع العسكرية بالألغام، وفق شهادات أهالٍ وعسكريين.
محمد الحسين، وهو عضو سابق في اللجنة المجتمعية في الحماميات، قال لموقع تلفزيون سوريا إن البلدة تقع في منطقة منخفضة نسبياً تحيط بها تلال مرتفعة، ما يجعلها، خلال مواسم الأمطار الغزيرة، عرضة لتشكل السيول وانجراف التربة ومخلفات الحرب.
الحسين، الذي أعاد بناء مسكن على أنقاض منزله المدمر، أشار إلى أن نقطة تقع جنوبي تل الحماميات، وعلى بعد أمتار قليلة من منزله، شهدت قبل أيام انفجار لغم بجرافة عسكرية كانت تعمل في المنطقة.
وأدى الانفجار، وفق الحسين، إلى تعطل جنزير الجرافة ونقلها إلى الصيانة، ما تسبب في توقف جزئي لأعمال الإزالة.
وعاين فريق موقع تلفزيون سوريا المكان، حيث يفصل شارع رئيسي، بعرض يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمتار، بين المنازل والمنطقة المحاذية للتل، قبل أن تبدأ الأرض بالانخفاض نحو نقطة تعمل فيها فرق الإزالة، التي ما تزال تعثر على ألغام ومخلفات حرب.
ويقول الحسين إن المنطقة نفسها خضعت سابقاً لعمليات مسح وإزالة، إلا أن أمطار العام الفائت أدت إلى انجراف كميات كبيرة من التربة من التل وتراكم طبقة تقدر بنحو متر ونصف المتر فوق بعض الأجسام المدفونة، ومن بينها اللغم الذي انفجر بالجرافة، وألغام أخرى عُثر عليها في الموقع نفسه.
وبحسب الحسين، قد تكون بعض الألغام مكشوفة في فترة ما، قبل أن تؤدي السيول وانجراف التربة إلى دفنها مجدداً، ما يصعّب اكتشافها بأجهزة المسح، خصوصاً عندما تكون على أعماق تتجاوز قدرة الأجهزة المستخدمة.
ويضيف: “لاحظنا بجوار التل انجراف ألغام فردية وانكشاف مخلفات حرب، وفي المقابل، دفنت الأمطار أجساماً أخرى تحت التربة”.
السيول تغيّر خريطة الخطر
لا تقتصر خطورة الشتاء على إخفاء الألغام تحت طبقات جديدة من التربة، إذ يمكن للمياه أيضاً أن تحركها وتنقلها إلى مواقع لم تكن ملوثة سابقاً.
قائد كتيبة الهندسة في الفيلق الثالث في الجيش العربي السوري، أحمد علي المحمود، يصف الألغام ومخلفات الحرب المنتشرة في الحماميات بأنها “مصائد موت”، موضحاً أن التلوث يتركز في المنازل المدمرة والسواتر الترابية والأراضي الزراعية والمواقع العسكرية السابقة.
وقال المحمود لتلفزيون سوريا إن الأمطار والسيول تؤدي بصورة متكررة إلى جرف الألغام من المرتفعات أو مواقع التخزين المكشوفة نحو المناطق المنخفضة.
وأكد أن فرق الهندسة رصدت حالات عديدة انتقلت فيها مخلفات حرب وألغام مع السيول إلى مناطق كانت تُعد، قبل ذلك، نظيفة من المخاطر.
ولا تقتصر هذه الظاهرة، وفق المحمود، على الحماميات، إذ رصدت فرق العمل تغيراً في مواقع الألغام ومخلفات الحرب في مناطق أخرى، بينها جبل شحشبو والفطاطرة وتل ملح.
وتعد مجاري السيول والوديان ومجاري المياه وسفوح التلال والأراضي الزراعية المحيطة بها من أكثر المناطق عرضة لانتقال الألغام، في حين تكون الألغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية أكثر قابلية للحركة بسبب صغر حجم بعضها وخفة وزنها مقارنة بأجسام أخرى.
لغم خرج مع المياه
مدير مركز إزالة مخلفات الحرب في الدفاع المدني بمدينة صوران شمالي حماة، أبو محمد برغوش، عايش خلال سنوات عمله أمثلة مباشرة على قدرة السيول على نقل الألغام إلى مواقع غير متوقعة.
ويروي أنه تلقى، حين كان مديراً لمركز للدفاع المدني في إدلب قبل سنوات، بلاغاً بوجود جسم غريب على طريق أريحا – سراقب.
وعند الوصول إلى الموقع، تبين أن الجسم لغم مضاد للأفراد جرفته المياه، في حين عُثر أيضاً على لغم آخر في المنطقة نفسها.
ويشير برغوش إلى أن مخلفات الحرب تسببت، خلال السنوات الماضية، بمقتل وإصابة أشخاص في أثناء جمع الحطب أو نبات الشفلح.
ومن بين الحالات التي وثقها، إصابة رجل في قرية قميناس بريف إدلب، بعدما دفعت السيول لغماً فردياً إلى كومة حطب في أرضه، وانفجر في أثناء تعامله معها، ما أدى إلى بتر يده.
الدفء محفوف بالموت
وفي الجنوب السوري، يؤكد مدير مركز إزالة مخلفات الحرب في درعا، التابع للمديرية الجنوبية في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، حسن الفشتكي، أن خطر مخلفات الحرب يتركز بصورة خاصة في المواقع العسكرية والثكنات ومحيطها، إضافة إلى الأراضي التي كانت خطوط تماس خلال سنوات الثورة.
وأشار إلى أن ارتفاع الإصابات لا يرتبط بالضرورة بفصل الشتاء وحده، إذ تختلف طبيعة المخاطر بحسب نشاط السكان؛ ففي البادية السورية، على سبيل المثال، ترتفع الإصابات خلال مواسم جمع الكمأة، بينما يرتبط جمع الحطب بمسارات ومناطق مختلفة قد تكون ملوثة أيضاً.
ويحذر الفشتكي السكان من الاقتراب من المواقع العسكرية السابقة أو السواتر الترابية والخنادق والدشم، أو لمس وتحريك أي جسم يُشتبه بأنه من مخلفات الحرب، إضافة إلى تجنب حرق تلك المخلفات أو العبث بها، وعدم دخول الأراضي الزراعية المهجورة والطرق التي بقيت غير مستخدمة لفترات طويلة.
الشتاء يبطئ عمليات الإزالة
ولا يهدد الشتاء المدنيين وحدهم، بل يفرض تحديات إضافية أمام فرق المسح وإزالة الألغام.
ويقول المحمود إن الخطة الميدانية للعمل تتغير مع بدء الأمطار، إذ تؤدي الأوحال وتشبع الأرض بالمياه وانخفاض درجات الحرارة إلى إبطاء عمليات المسح والإزالة.
وتعتمد الفرق خلال تلك الفترات، بحسب قوله، على المسح الفني السريع في المناطق الجافة التي يمكن العمل فيها بأمان، في حين تؤجل العمليات الأكثر تعقيداً إلى حين جفاف التربة وتحسن ظروف العمل.
وتبدأ إجراءات العمل، وفق المحمود، بالمسح الشامل، ثم التطهير العميق، وصولاً إلى توثيق المناطق التي جرى العمل فيها وتسجيل إحداثياتها.
لكن مشكلة الألغام التي تتحرك مع السيول تعني أن المنطقة التي جرى مسحها في وقت سابق لا يمكن دائماً اعتبارها آمنة إلى الأبد، إذا كانت محاطة بمرتفعات أو مواقع ملوثة يمكن أن تحمل منها المياه أجساماً متفجرة جديدة.
جامعو الحطب.. ضحايا الدفء المنشود
على امتداد السنوات الماضية، تكررت حوادث وفاة وإصابة مدنيين في أثناء دخولهم حقولاً وأحراشاً ومناطق مهجورة لجمع الحطب أو النباتات البرية، بعدما افترضوا أنها آمنة.
ويقول أهالٍ في ريف حماة الشمالي إن مشكلة الحطب باتت أكثر تعقيداً بالنسبة إلى العائدين حديثاً من المخيمات، إذ كانت عائلات كثيرة معتادة، خلال سنوات النزوح في مخيمات أطمة وقاح، على جمع الحطب من المناطق المحيطة، بينما تصطدم اليوم، في بعض مناطق العودة، بخطر الألغام ومخلفات الحرب.
أحد جامعي الحطب قال لتلفزيون سوريا إن الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع أسعار الوقود وعدم توافر بدائل كافية للتدفئة تدفع عائلات إلى دخول أماكن تعرف مسبقاً أنها قد تكون خطرة.
وأضاف: “نعلم أن الألغام ومخلفات الحرب تشكل خطراً كبيراً وقد تتسبب بإصابات خطيرة أو الموت، لكن الحاجة والفقر يدفعان الناس إلى المخاطرة من أجل تأمين الدفء لعائلاتهم وأطفالهم”.
وبحسب الشهادة ذاتها، فإن البدائل المتاحة محدودة بسبب ضعف الإمكانات المادية وارتفاع أسعار المحروقات، ما يجعل توفير الوقود ووسائل التدفئة الآمنة والمساعدات الشتوية عاملاً أساسياً في الحد من اضطرار السكان إلى دخول المناطق الملوثة.
وقال: “نحتاج إلى دعم يوفر الوقود ووسائل تدفئة آمنة، حتى لا نضطر إلى تعريض حياتنا وحياة أطفالنا للخطر من أجل جمع الحطب”.
مع دخول فصل الشتاء.. سيول تجتاح سوريا وتخلف وفيات ومصابين
شهدت مناطق واسعة من سوريا، خلال الأيام الثلاثة الماضية، موجة من الأمطار الغزيرة والسيول طالت عدداً كبيراً من المحافظات، وأدت إلى سقوط وفيات ومفقودين، إلى جانب أضرار واسعة في المنازل والطرق والجسور وشبكات الخدمات. وتركزت التداعيات الأشد في محافظات الرقة ودير الزور وحلب والحسكة، حيث غمرت المياه مناطق سكنية ومخيمات للنازحين وقطعت طرقاً رئيسية.
ودفعت السيول فرق الدفاع المدني والجهات المختصة إلى تنفيذ مئات الاستجابات الميدانية، شملت إنقاذ عالقين داخل المركبات والمنازل، وإجلاء مئات العائلات من المخيمات المتضررة، وسحب المياه من منازل ومرافق عامة، إضافة إلى فتح الطرق وتأمين المواقع الخطرة. كما امتدت الأضرار إلى شبكات الكهرباء والاتصالات ومحطات مياه الشرب، وتسببت في تعليق الدوام المدرسي في عدد من المحافظات.
مخلفات الحرب في سوريا
وتشكل الألغام والذخائر غير المنفجرة خطراً مستمراً على حياة المدنيين في مناطق سورية عديدة، في ظل انتشار مخلفات العمليات العسكرية السابقة، خاصةً في المناطق السكنية والأراضي الزراعية ومحيط خطوط التماس السابقة.
وكان الدفاع المدني السوري قد أعلن إزالة أكثر من 29 ألف ذخيرة غير منفجرة من مخلفات الحرب حتى نيسان الماضي، بينها أكثر من 24 ألف ذخيرة عنقودية.
وفي تقرير سابق، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 329 مدنياً، بينهم 65 طفلاً، من جراء انفجار مخلفات الحرب منذ سقوط النظام المخلوع، خاصةً في محافظات حلب والرقة ودير الزور وحماة.
كذلك، وثّقت الشبكة مقتل 47 شخصاً خلال عمليات تفكيك وإزالة مخلفات الحرب، معظمهم من عناصر فرق الهندسة التابعة لوزارة الدفاع السورية، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه المدنيين والعاملين في إزالة الذخائر غير المنفجرة.
- تلفزيون سوريا























