في البداية كانت سوريا، أعني الدولة التي نشأت بهذا الاسم والجغرافيا منذ نحو قرن. لم تكن جميلة أو قبيحة؛ بل كياناً وليداً يحاول أن يستوعب العالم المتشكّل بعد الحرب العالمية الأولى، ثم يكافح للخروج من وصاية الانتداب الفرنسي الذي نتج عن تقاسم كعكة الإمبراطورية العثمانية، فحصل على استقلاله وانطلق باحثاً عن الازدهار والتنمية، قبل أن يحوّل عسكرٌ انقلابيون بعثيون وجهة البلاد من الغرب إلى الشرق.
ربما في هذه المرحلة، أي في سبعينيات القرن العشرين على وجه الخصوص، شاع تعبير “سوريا الجميلة”، مترجَماً من جهة المضمون، على الأرجح، من أدب ودعاية الحليف السوفييتي الراكد بغلاف غنائي. أما محلياً، فكان ذلك العِقد حقبة تفاؤل ليس من دون حجج. فقد عرف انفتاحاً اجتماعياً واقتصادياً بالقياس إلى الستينيات، وقدراً من الحريات مقارنة مع الثمانينيات.
يصعب تعريف “سوريا الجميلة”. لكنها ربما تكون البلد الذي عرفه أهلوه كاملاً لأول مرة بعد القفزة في وسائل النقل، وزيادة أعداد الموظفين في العاصمة ومراكز المدن، وانتشار أجهزة التلفزيون ببث وطني، والأهم هنا تصاعد نشاط مثقفين كانوا شباناً يساريين متحمسين، يؤمنون بتقدم البشرية ويقرأون آداب المعسكر الاشتراكي.
إذ إن “سوريا الجميلة”، في الأساس، بلد يتكون من مواطنين متساوين، لا يفرّق بينهم إلا مواقعهم الوظيفية في مسيرة بناء الوطن. عمالاً وفلاحين ومدرّسين وجنوداً ونساءً بوظائف متنوعة، لا سنّة وعلويين ودروزاً ومسيحيين بطوائفهم العديدة، ولا عرباً وأكراداً وأرمن وسريان، ولا نعيم وبني خالد وعگيدات وبگارة. فقد خلّف المجتمع الناظر إلى الأمام، الساعي إلى أن يكون حديثاً، أو “عربياً اشتراكياً موحَّداً”، كل تلك القيم “البالية” والانتماءات “المقيتة” وراءه.
وهنا سارع أدباء، من تلقاء أنفسهم، إلى تدبيج قصص وكتابة روايات عن البناية السورية المثالية التي تقطن فيها عائلة حرفي سنّي وأسرة موظف علوي وعجوز أرمنية وشاب كردي، يعزف البزق بالضرورة. وبطريقة ما، لا يعرفون عن أصول بعضهم شيئاً إلا عندما يحين وقت فقرة “التنوع”، فيتبادلون المفردات والأطعمة والموسيقى، ويكتشفون أن ما يفرّقهم أقل بكثير مما يجمعهم؛ أي الإنسانية و”سوريا الجميلة”.
وقد توافق ذلك مع السياسة العامة للأسدية التي كانت تصرّ على وحدة المواطنين “العرب السوريين” وتشابههم ومساواتهم علنياً، فيما تهندس تمييزاً طائفياً وتكرّس تهميشاً قومياً وتتعامل مع كل المكوّنات بواقعية و”براغماتية” مضبوطة بالأمن. وتترك لإعلامها الرسمي إبراز شكل أساسي واحد من التعايش والوئام، بين مسلمين لا على التعيين ومسيحيين من دون الدخول في التفاصيل. وأحياناً تقدّم عروض فرق رقص شركسي، لا سيما في عهد “الرئيس الشاب”. وحين كان يُشار، بطريقة مبهمة، إلى ما هو أوسع من ذلك، كانت الأمور تُحمَل على محمل التنوع الذي يولّد “الغنى”. رغم أن التنوع ربما أنتج حروباً أهلية وثارات طائفية ومكتومي قيد وقروداً وخنازير ودواعش! وهو ما انفجر منذ العام 2011. فأصبحت “سوريا الجميلة”، التي كانت وصفاً شعرياً في غير محله لبلد قائم، عبارة مجازية هائمة في “سوريا الجديدة” المزدحمة بالكراهيات، والتي تحاول أن تتجمّل رغم معرفتها بالحقيقة.
ربما كان هذا مفهوماً، أو مطلوباً، في الإعلام العام. لكن تلك وظيفة تختلف عن مهمة الخبراء والمثقفين والمحللين والكتّاب الذين ما زالت أكثرية منهم تصرّ على لباس هذا الثوب الطهراني الذي أصبح لا يستر شيئاً من الواقع لشدة اهترائه. إذ إن من واجب هذه الفئات مواجهة الواقع بشجاعة ومسؤولية معاً، والكف عن بناء قصور في الرمال لم يعد الكثيرون يرغبون في سكناها.
من هذه النقطة، أي الاعتراف بأننا شعوب وقبائل، ينبغي أن تبدأ مسيرة التعارف. لا تقاليد زواج ومطبخ وأزياء تقليدية، بل حساسيات سياسية وحقوقاً ومطالب وذاكرات جماعية مضمخة بدم قديم وجديد. ومن هناك نفهم سبب رغبة أجزاء من السكان في الانفصال الآن، ولو على غير هدى ومن دون أفق آمن.
ومع “سوريا الجميلة” علينا مراجعة حزمة رديفة من التعبيرات الإنشائية. فهي ليست البلد الوحيد الذي “بيلبقله الفرح”، إذ تستحقه كل البلدان والشعوب في الواقع. وأرضها ليست “طيبة”، فهذه ليست من سمات الأراضي التي قد تكون خصبة أو بوراً وما إلى ذلك. وأهلها “البسطاء” ليسوا طيبين بالضرورة، فقد كانوا آلات قتل بعضهم بعضاً وما يزالون. وليس كل أصيل “ابن بلد”، فقد يكون مسكوناً بهوية فرعية منغلقة عدوانية. ومن شاء أن “توجعه سوريته” حرٌّ بالطبع، على ألا يظن أن “العبّوطة” هي الحل.
يتفرع عن “سوريا الجميلة” مفهوم “السوري النبيل”. وهو الغافل عن مجريات الواقع وسياق الأحداث، وخاصة في الخمسة عشر عاماً الأخيرة؛ قتلاً وتعذيباً وبراميل وحصاراً وتهجيراً ومجازر وفزعات، الداعي إلى المصالحة بطريقة “حبّوا بعض” على كأس عصير في جلسة سلم أهلي.
وعلى الرغم من أن التابوهات أصبحت منثورة على الطرقات، يتناولها كل مؤثّر بما شاء من محتوى تحريضي حسب الرغبة، فإنه يبقى من تقاليد الثقافة والثقافة السياسية السوريتين تجاهل مترفع لا يلامس الواقع إلا بقفازات. وذلك ليحوز المثقف شرف تلقيبه بالنبيل، المجرّد من أي معرفة مفيدة بالمجتمع، ليتبعه الغاوون ويتبعهم في دروب من التيه.
- تلفزيون سوريا






















