في الساعات الأخيرة قبل الاستحقاق حصل “حزب الرئيس” على دفعة غير متوقعة في السباق الحاسم على مقعد عن ولاية ميشيغن
في هذا الموسم الانتخابي المُرهق للحزب الجمهوري، تجتمع ضد الحزب، وهو يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس، حقيقتان سياسيتان تجعلان يوم غد الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، يوم انتهاء التصويت في هذه الانتخابات، يوماً مُقلقاً لـ”حزب الرئيس”.
الحقيقة الأولى هي حصيلة الاعتياد السياسي الأميركي وتراكم التجربة الذي قاد إليه، وهي أن الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض يخسر بعض المقاعد في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في الانتخابات النصفية التالية، من دون أن يعني هذا بالضرورة خسارته السيطرة على الكونغرس. منذ منتصف القرن التاسع عشر، حتى قبل تشكّل الحزب الجمهوري، ظلت هذه القاعدة راسخة مع استثناءات قليلة مهمة، بعضها حصل في التاريخ القريب، كما في الانتخابات النصفية في عام 1998 في عهد بيل كلينتون، عندما استطاع حزبه الديمقراطي الحصول على المزيد من المقاعد في مجلس النواب (أساساً بسبب الوضع الاقتصادي القوي حينها)، وعام 2002 بزيادة الجمهوريين حصتهم من المجلس نفسه (بسبب الدعم الشعبي العالي للرئيس جورج بوش في حربه المعلنة “ضد الإرهاب” بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول). لهذه الخسارة أسباب منطقية، الأبرز بينها الاختلاف مع قرارات يتخذها الرئيس، ونسبة مشاركة أقل في الانتخابات النصفية من جانب أنصار الحزب الفائز في الانتخابات الرئاسية، مقابل نسبة أعلى لأنصار الحزب الخاسر في الانتخابات الرئاسية. من هنا، مثلاً، دعوة الرئيس دونالد ترمب المستمرة في جولاته الانتخابية في الولايات المختلفة، دعماً لمرشحي الحزب الجمهوري، إلى مشاركة عالية في الانتخابات النصفية المقبلة.
ما يبرر قلق ترمب والحزب الجمهوري هو أن استطلاعات الرأي والتقديرات الانتخابية تشير إلى احتمال خسارة الجمهوريين سيطرتهم على مجلس النواب في انتخابات الثلاثاء المقبل، التي يجري فيها التنافس على جميع مقاعد المجلس البالغ عددها 435 مقعداً. ويحتفظ الجمهوريون حالياً بأغلبية ضئيلة، إذ يشغلون 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، بالإضافة إلى مقعد مستقل ومقعدين شاغرين.
لكي يشكلوا تحدياً واسعاً للأجندة السياسية والتشريعية لإدارة ترمب خلال العامين المتبقيين من ولايته في البيت الأبيض، يحتاج الديمقراطيون إلى السيطرة على مجلسَي الكونغرس معاً
وتُظهر استطلاعات الرأي تقدماً ملحوظاً للديمقراطيين، من بينها استطلاع مشترك أجرته “رويترز” و”إبسوس” بين 16 و19 أكتوبر/تشرين الأول، أظهر أن 47 في المئة من الناخبين المسجلين يعتزمون التصويت للديمقراطيين مقابل 35 في المئة للجمهوريين، بفارق 12 نقطة مئوية. ولأن الانتخابات تجري في 435 دائرة انتخابية منفصلة، يصعب تحويل هذا التفوق في استطلاعات الرأي الوطنية إلى تقديرات دقيقة لعدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب، إذ تتفاوت الميول السياسية والظروف الانتخابية بين دائرة وأخرى.
مع ذلك، تشير تقديرات انتخابية متخصصة إلى احتمال حدوث تحول مهم في تركيبة المجلس. فقد رجّح “تقرير كوك السياسي” (Cook Political Report)، في أحدث تقييم له صدر في 23 أكتوبر، أن يحقق الديمقراطيون مكاسب صافية تتراوح بين 12 و22 مقعداً، وهو ما يكفي لانتزاع الأغلبية من الجمهوريين. كما صنّف التقرير 220 دائرة ضمن الفئات التي تميل إلى الديمقراطيين بدرجات متفاوتة، مقابل 198 دائرة تميل إلى الجمهوريين، فيما بقيت 17 دائرة في فئة المنافسة المتكافئة.
أما في مجلس الشيوخ، المؤلف من 100 مقعد، فيجري التنافس في الانتخابات المقبلة على 35 مقعداً، منها 33 مقعداً في الانتخابات الدورية ومقعدان في انتخابات خاصة في ولايتي أوهايو وفلوريدا، وهما المقعدان اللذان كان يشغلهما نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. في هذا المجلس، تبدو الصورة أكثر تعقيداً لجهة سيطرة الديمقراطيين عليه، إذ يحتاج الحزب إلى تحقيق مكاسب صافية بأربعة مقاعد، فضلاً عن الاحتفاظ بمقاعده الحالية البالغ عددها 47 مقعداً، بما فيها مقعدا المستقلين الاثنين المتحالفين معه (بيرني ساندرز عن ولاية فيرمونت وأنغس كينغ عن ولاية مَين)، لكي يحصل على أغلبية 51 مقعداً. ويعني هذا أن عليه الفوز بعدد من الولايات الشديدة التنافس بين الحزبين، مع الاحتفاظ بالمقاعد التي يشغلها حالياً. وتختلف هذه الولايات وعددها باختلاف التقديرات، فمثلاً يصنّف “تقرير كوك السياسي” سبع ولايات باعتبار أن المنافسة فيها متكافئة بين الحزبين، وهي ألاسكا وآيوا وكانساس ومَين وميشيغن وأوهايو وتكساس. يحتل الجمهوريون حالياً ستة من هذه المقاعد، مقابل مقعد واحد للديمقراطيين في ميشيغن. وفي تقدير نشره في السادس من أكتوبر، توقع التقرير أن تتراوح المكاسب الصافية المحتملة للديمقراطيين بين مقعدين وستة مقاعد. إذا فاز الحزب بثلاثة مقاعد أو أقل، فسيعني هذا استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ. فحتى إذا حصل الحزب على خمسين مقعداً مقابل خمسين مقعداً للجمهوريين، سيحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على المجلس بفضل الصوت المرجّح لنائب الرئيس جيه دي فانس.
هذا مع الأخذ في الاعتبار أنّ الجمهوريين حصلوا، أمس الأحد، على دفعة غير متوقعة في السباق الحاسم على مقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن، بعدما أيَّدت النائبة الديمقراطية الأميركية هالي ستيفنز المرشح الجمهوري مايك روجرز، وهو ما يهدد بتفاقم الانقسامات في ولاية تعد حاسمة لآمال الديمقراطيين في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ الأميركي. علما أن ستيفنز كانت قد خسرت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الولاية أمام عبدول السيد.
رويترزيدلي الناخبون بأصواتهم في مركز اقتراع بحي بروكلين في مدينة نيويورك، وذلك في اليوم الأول من التصويت المبكر لانتخابات عمدة المدينة، في الولايات المتحدة، بتاريخ 25 أكتوبر 2025
وبعد ساعات، دعا الرئيس ترمب ستيفنز خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا إلى الانضمام إلى الحزب الجمهوري. وقال للصحافيين قبل ذلك إنه سيتواصل معها لشكرها على التأييد، الذي وصفه بأنه “خطوة ذكية لأن السيد سيدمر بلدنا”. لكن إلى أي حد سيكون موقف ستيفنز مؤثرا في نتائج الانتخابات النهائية، فهذا ما يصعب الإحابة عليه من الآن، قبل الانتهاء من فرز الأصوات في انتخابات يترقبها العالم بأسره.
ولكي يشكلوا تحدياً واسعاً للأجندة السياسية والتشريعية لإدارة ترمب خلال العامين المتبقيين من ولايته في البيت الأبيض، يحتاج الديمقراطيون إلى السيطرة على مجلسَي الكونغرس معاً: مجلس النواب ومجلس الشيوخ. أما سيطرتهم على مجلس النواب وحده، من دون مجلس الشيوخ، فستمنحهم القدرة على تعطيل التشريعات التي لا تحظى بموافقتهم، فضلاً عن توسيع الرقابة البرلمانية وفتح ملفات التحقيق التي قد تقيّد حرية الإدارة وتسبب لها إحراجاً سياسياً. لكن هذه السيطرة لن تمنحهم القدرة على التحكم الكامل بالأجندة التشريعية للإدارة، أو تعطيل التعيينات الرئاسية التي يختص مجلس الشيوخ بالموافقة عليها، فضلاً عن أن الرئيس يستطيع مواصلة تنفيذ جانب من سياساته من خلال صلاحياته التنفيذية.
يستثمر الديمقراطيون في حملاتهم الانتخابية في إبراز التناقضات في خطاب الإدارة والتداعيات السلبية لسياساتها، لتصوير الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري على أنهما منشغلان بمصالحهما السياسية على نحو أناني
أما الحقيقة الثانية التي تُصعّب مهمة الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات النصفية فهي سجل الرئيس ترمب نفسه في عاميه الأول والثاني في البيت الأبيض. لقد استطاع ترمب الفوز بالانتخابات الرئاسية في 2024، إلى حد كبير، بسبب استمالته جمهوراً واسعاً نسبياً من المستقلين والمترددين على أساس وعود أطلقها، الأبرز بينها تلك المتعلقة بالاقتصاد (تخفيض كلفة المعيشة) أولاً، ومكافحة الهجرة غير القانونية ثانياً. ورغم تحقيقه نجاحاً واضحاً في الوفاء بوعده المتعلق بمكافحة الهجرة غير القانونية، فإن سياساته الرامية إلى خفض تكاليف المعيشة سارت في الاتجاه المعاكس، إذ أسهمت في زيادة هذه التكاليف، خصوصاً من خلال فرض رسوم جمركية مرتفعة وعقابية الطابع على الواردات من معظم دول العالم، وشن الحرب على إيران، وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار الوقود بعد إغلاق إيران مضيق هرمز أمام حركة تصدير النفط عبره.
أ.ف.بتظهر أسعار البنزين والديزل في محطة وقود تابعة لشركة “شل” في لوكهارت بولاية تكساس، في 2 أبريل 2026
يشعر الجمهوريون بالكلفة السياسية العالية التي قد يدفعونها انتخابياً ثمناً لسياسات إدارة ترمب، حتى رغم أنهم لم يتبنوا هذه السياسات جزئياً أو كلياً. لذلك حاول بعض المرشحين الجمهوريين، في حملاتهم الانتخابية، النأي بأنفسهم عن مثل هذه السياسات، من دون توجيه انتقادات مباشرة للرئيس نفسه. فمثلاً، دعا مرشحون جمهوريون في ولايتي آيوا وميشيغن إلى إنهاء الحرب مع إيران سريعاً، فيما طالب المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن، مايك روجرز، بإنهاء النزاع الجمركي مع كندا المجاورة، التي ترتبط الولاية معها بعلاقات تجارية وثيقة، خصوصاً في صناعة السيارات. بل امتد الانتقاد إلى ملف مكافحة الهجرة غير القانونية، الذي يحظى بإجماع واسع داخل الحزب الجمهوري من حيث المبدأ، إذ انتقدت النائبة الجمهورية عن فلوريدا ماريا إلفيرا سالازار تشدد الإدارة في إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة والترحيل، محذّرةً من شعور كثير من الناخبين من أصول لاتينية، الذين ساهموا في فوز ترمب في انتخابات 2024، بالخذلان. كذلك، ورغم تأكيد دعمه لمكافحة الهجرة غير القانونية، انتقد السيناتور الجمهوري عن ولاية كانساس روجر مارشال عمليات إنفاذ قوانين الهجرة التي نفذتها السلطات الفيدرالية في ولايته، بسبب ما أحدثته من اضطرابات اقتصادية واجتماعية، شملت تغيّب العمال عن وظائفهم وتعطّل العمل مؤقتاً في بعض مصانع معالجة اللحوم. وركز مارشال خصوصاً على غياب التنسيق المسبق بين السلطات الفيدرالية وأجهزة الشرطة المحلية.
تصطدم هذه الوقائع الانتخابية المحسوسة والمباشرة بسمة بارزة في خطاب الرئيس ترمب السياسي، تزداد إشكاليتها في المواسم الانتخابية: التهوين من الصعوبات عبر التقليل من شأن تأثيراتها التي يلمسها الجمهور بوضوح في حياته اليومية. تظهر هذه السمة، مثلاً، في خطابات الدعم الانتخابي التي يلقيها ترمب في ولايات مختلفة لمساندة المرشحين الجمهوريين، إذ يصر الرجل على أن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود بسبب شنّه الحرب ضد إيران (بنحو 42 في المئة للبنزين وأكثر من 70 في المئة للديزل) ليس سوى ثمن صغير ومؤقت ينبغي دفعه لتحقيق مصلحة أكبر وطويلة الأمد لا يراها هذا الجمهور ولا تقتنع بها المؤسسات (تطوير إيران سلاحاً نووياً لاستهداف أميركا به). يضاف إلى ذلك تأكيده المتكرر أن الولايات المتحدة حققت انتصاراً عسكرياً ساحقاً على إيران، وهو تأكيد يصعب التوفيق بينه وبين استمرار الحرب وتداعياتها، في الوقت الذي تسعى فيه إدارته إلى فتح مسار تفاوضي، مباشر أو عبر وسطاء، للتوصل إلى تسوية سلمية مع الدولة التي يقول ترمب إن أميركا هزمتها عسكرياً!
في هذه الأثناء، يستثمر الديمقراطيون في حملاتهم الانتخابية في إبراز التناقضات في خطاب الإدارة والتداعيات السلبية لسياساتها، لتصوير الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري على أنهما منشغلان بمصالحهما السياسية على نحو أناني، ومنفصلان عن هموم المواطنين العاديين ومعاناتهم اليومية. وستكشف نتائج الانتخابات ما إذا كان هذا الاستثمار الديمقراطي مجزياً أم لا.
- المجلة






















