دخلت “سوريا الجديدة” المرحلة الأصعب والأخطر في استمراريتها كدولة حديثة العهد، هي مرحلة الحسم لكثير من الملفات العالقة والإشكالية، والتي لم يعد ينفع تأجيلها إلى وقت لاحق، كونها باتت العائق الرئيس أمام مسار التعافي والنهوض والتنمية، المسار الذي لا يمكن له أن يمضي نحو وجهته وهو محاط بالألغام والمتفجرات، الداخلية منها والخارجية.
ظروف معقدة وتحديات وجودية
“سوريا الجديدة” التي ولدت تحت ركام الاستبداد والفساد، تحاول النهوض والوقوف وترميم الجرح، وسط ظروف معقدة زمانياً ومكانياً وسياسياً، وفي ظل تحديات وجودية تحاول شلها وعرقلتها وثنيها عن مواصلة طريق تعافيها ونهوضها، لا سيما وأن المتربصين بها قد وجدوا فرصتهم المواتية لتحقيق طموحاتهم ومشاريعهم الانفصالية والتقسيمية والاحتلالية.
ضمن هذا السياق، يمكن وضع الموجة الجديدة من الاحتجاجات التي ضربت بعض مناطق ومدن الساحل بالأمس، حيث التحريض والاستثمار في الثغرات الطائفية الأكثر خطورة في المشهد السوري وصل إلى ذروته، كامتداد لمحاولات تفجير المشهد السوري على مدار نحو عام كامل من قبل أطراف ومجموعات في الداخل والخارج، والذين جمعهم هدف واحد، وفرقتهم غايات كثيرة، هدف ضرب ركائز الدولة الفتية، وغايات الانفصال والتقسيم والاحتلال وإعادة التموضع والحضور وجر الزمن إلى ما قبل سقوط نظام الاستبداد والفساد والطغيان.
فيما هو أعمق من ذلك، يمكن قراءة هذه الاحتجاجات، من زاويتين مختلفتين ومتناقضتين في آن معاً، الأولى، ردها إلى تخطيط ممنهج ومنسق من قبل عدة أطراف داخلية وخارجية ” الفلول والكيانات التي تسعى للانفصال كقسد والهجري، والإسرائيلي والإيراني”، بهدف توسيع الجبهات وإضعاف وإجهاد وتشتيت قوة الدولة السورية عبر نقل المعركة من مكان إلى آخر وخلق بؤر مشتعلة بشكل متواتر ودائم، كجزء من حالة الضغط المستمرة على دمشق للقبول أو التنازل هنا وهناك.
وأما الثانية، فيمكن أن تعبر عن حالة من “استواء” الصبر الذي كانت تتعامل به دمشق مع الكثير من القضايا الإشكالية التي كانت ترى في تأجيلها ضرورة وجودية حتى تعيد انفتاحها على العالم وتخرج من عزلتها التي تسببت بها عقود الاستبداد والمحاور والمشاريع الأيدلوجية.
ضرب منظومة الاستقرار
في حديث خاص لـ”المدن “، يؤكد الباحث والأكاديمي المتخصص في الشؤون الاستراتيجية الدكتور وائل مرزا من دمشق، أن أحداث الساحل بالأمس يجب أن تُقرأ كحلقة ضمن سياق ما يمكن تسميته “هشاشة ما بعد سقوط الأسد”، التي تتجسد ملامحها بالانتقال السياسي السريع، والإرث الأمني المثقل، والحساسية الطائفية المتراكمة، والبيئة القابلة للاشتعال بفعل محفّزات قريبة (مثل تفجير حمص الذي سبق احتجاجات الساحل)، ثم تحوّل الاحتجاج إلى عنف واشتباكات أدت إلى سقوط أربعة قتلى وأكثر من مئة مصاب وهذا بحسب بيان لوزارة الصحة السورية.
في هذا الإطار، يصبح شعار “الفيدرالية/اللامركزية”، حتى لو حمله جزء من المحتجين كمطلب سياسي، بحسب الدكتور مرزا، ممراً عالي الخطورة عندما يترافق مع وجود مسلحين أو فاعلين يريدون نقل الحدث من احتجاج إلى “مسرح فوضى”، لأن ذلك يفتح الباب أمام تدويل الملف وتغذية السرديات الانفصالية الطائفية.
على هذا النحو، وانطلاقاً من تلاقي أهداف وغايات المحتجين، تبرز متلازمة الربط بين المستفيدين من وراء هذه الاحتجاجات، حتى لو كان الداعي لها شخص بلبوس مرجعية دينية وطائفية، وهنا يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية، أن هناك عدة أطراف مستفيدة من ضرب منظومة الاستقرار في سوريا ، في مقدمتهم فلول النظام السابق الذين يسعون لإثبات أن “سوريا غير قابلة للحكم” ، بالإضافة إلى سعيهم لإرباك الشرعية الجديدة، وهذا ما يتقاطع مع ما كشفته تحقيقات حديثة عن محاولات بعض رموز النظام السابق من الخارج تمويل وتنشيط مجموعات مسلحة، خصوصاً عبر شبكات مرتبطة بالساحل.
كما أن هناك، وفقاً للدكتور مرزا، قوى إقليمية ترى في دولة سورية موحدة وقابلة للتعافي تهديداً لمعادلات نفوذها، فتستفيد من إبقاء الجبهة الداخلية متوترة، هذا بالإضافة إلى أن هناك جهات متطرفة طائفية تستثمر في أي اضطراب لتوسيع الاستقطاب وتعميق الكراهية، كما ظهر في سياق ادعاءات تبنّي جهات لهجمات سابقة وارتفاع منسوب الاحتقان.
تقاطع مصالح غير معلن
لكن أمام وصول الاستحقاق الأهم الى مرحلة التنفيذ، أي اتفاق العاشر من آذار، أو عدم التنفيذ ومواصلة التأجيل والتسويف وشراء الوقت، فإن “قسد” بمواصلتها الهروب والتهرب من تنفيذ الاتفاق، تضع نفسها في موقع المتورط باحتجاجات الساحل، وهو ما يمكن الإشارة إليه -دون الجزم- من خلال معطيات سابقة تسربت في أكثر من مناسبة عن وجود قيادات وعناصر من فلول نظام الأسد داخل مناطق سيطرتها، سواء بصيغ حماية غير معلنة أو تفاهمات مصلحية ظرفية، وهو ما أشار إليه باحثون وصحافيون غربيون في سياق الحديث عن إعادة تدوير الكوادر العسكرية بعد سقوط النظام. ويُقاس على ذلك ما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست” في تقارير سابقة عن دعمٍ سياسي وتنظيمي قدّمته “قسد” لتيارات انفصالية في السويداء، بوصفه جزءاً من توسيع هامش الضغط باتجاه تعميم نموذج اللامركزية القسرية خارج مناطقها.
ضمن هذا الإطار، يتابع الدكتور مرزا حديثه بالقول: “لا يبدو مشهد الأمس منفصلاً أو عفوياً، وإنما هو أقرب إلى تقاطع مصالح غير معلن بين فلول النظام، وفاعلين انفصاليين محليين، وأطراف ترى في إرباك الدولة السورية الجديدة فرصة لتحسين شروط التفاوض أو تعطيل مسار إعادة التوحيد السيادي، سواء وصل ذلك إلى مستوى التنسيق العملياتي المباشر، أو لم يصل”.
وختم مرزا حديثه بالإشارة إلى زاوية إضافية في التحليل، مفادها أن جزءاً من الرهان الانفصالي يقوم على سوء تقدير فادح لطبيعة الرصد الإقليمي والدولي، إذ يتصرّف بعض الفاعلين وكأن ما يجري يمكن تسويقه خارجياً بوصفه ملف “حقوق إنسان” أو احتجاجاً محلياً معزولاً، متناسين أن المشهد السوري بأكمله يخضع لرصدٍ أمني واستخباراتي متواصل، ولسلاسل متابعة طويلة، ولقراءة شبكية دقيقة للعلاقات والاتصالات والتحركات، وأن هذا يحصل على أعلى المستويات إقليمياً وعالمياً، فكل محاولة تواصل، وكل اصطفاف ملتبس، وكل تقاطع مع قوى إقليمية منبوذة أو خاسرة، لا يمرّ بوصفه “دهاء سياسياً”، وإنما يُسجل فوراً كدليل نوايا، ويُدرج ضمن ملفات تقييم شاملة تُقدم للقيادات السياسية الإقليمية والعالمية على أعلى المستويات، و بهذا المعنى، فإن محاولات “توريط الدولة” لا تُربك نظرة النظامين الإقليمي والدولي إلى الدولة السورية، بقدر ما تُنتج معطيات إضافية تُضعف أصحاب هذه المحاولات، وتُسهم -من حيث لا يقصدون- في تعزيز سردية الدولة وقدرتها على الضبط، لأن الفرق الجوهري هنا، أن الانفصاليين يعملون بمنطق تكتيكي ضيق، بينما تعمل الدولة، في سياق التعامل معهم، ضمن أفق استراتيجي أوسع.


























