إن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا منذ بداية الثورة وحتى اليوم، تُعد واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخها الحديث. فقد استهدفت موجات مستمرة من فلول النظام، بما فيها ميليشياته الأمنية والعسكرية، سوريا دولةً وشعبًا وحكومةً ومشروعًا. هذه الموجات تداخلت مع محاولات محلية ودولية لفرض نماذج معينة لبناء الدولة، وهو ما يستدعي اليوم أن نرصد هذه التحديات من أجل بناء أسس الدولة السورية الجديدة، التي لا بد أن تقوم على مفاهيم المواطنة الحقيقية. فمن دون هذه الأسس الواضحة والدائمة، سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، بناء دولة قادرة على الحفاظ على الاستقرار والسيادة والعدالة في سوريا المستقبل.
أول ما يجب أن يُقال في هذا السياق هو أن بناء الدولة لا يمكن أن يعتمد على خطاب فرعي يعيد إنتاج الأقطاب التقليدية من نوع “نحن/هم”. إن هذا الخطاب لا يخرج بالمجتمع السوري من منطق الاصطفاف والانقسام بل يبقيه رهينًا لمصالح ضيقة وتوازنات طائفية؛ وهي مسألة عميقة في تركيبة المجتمع السوري قبل وبعد الثورة. لهذا، يجب أن يكون أساس بناء الدولة السورية المستقبلية هو المفهوم الحقيقي للمواطنة المتساوية، التي تضمن حقوق وواجبات متساوية لجميع الأفراد من دون تمييز على أساس الدين أو الطائفة أو العرق. إن هذا الانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق الحقوق المدنية والاجتماعية هو الذي سيُخرج سوريا من دائرة الانقسام إلى فضاء الوحدة الوطنية الشاملة. وبهذا، يُتاح الفرصة لبناء مجتمع قائم على أسس ديمقراطية حقيقية، بحيث يصبح الانتماء إلى الدولة السورية مصدرًا للفخر والمواطنة، بعيدًا عن الهويات الفرعية التي تعمق الانقسامات داخل المجتمع.
لا يمكن بناء دولة سليمة وفاعلة على عدالة انتقالية هشة، خصوصًا في بلد مثل سوريا حيث تلوح في الأفق أسئلة مصيرية تتعلق بمحاسبة النظام السابق وبالعدالة للشهداء والمعتقلين.
إن بناء مؤسسات الدولة يحتاج إلى أساس علمي وفني ثابت لا يجوز تجاهله أو القفز فوقه تحت أي ذريعة. لا يمكن، بأي حال من الأحوال، بناء الدولة السورية على نموذج هجين يعرض الكفاءة للمكافأة السياسية، حيث يتداخل مبدأ الكفاءة مع المحسوبيات. هذا الخلط بين المصالح الخاصة والكفاءة يعكس أزمة حقيقية في إدارة الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات اللازمة للمواطنين. بناءً على ذلك، فإن الطريق الصحيح يتطلب اختيارًا واضحًا: إما بناء دولة تكنوقراط قائمة على الكفاءة العلمية والإدارية، أو العودة إلى نموذج الدولة المحسوبية حيث تؤول السلطة والنفوذ إلى فئة محدودة تدير شؤون الدولة وفقًا لمصالح ضيقة. من المؤكد أن الدولة السورية الجديدة بحاجة إلى نموذج قائم على أسس ديمقراطية حقيقية، يتم اختيار المسؤولين فيه بناءً على معايير علمية بحتة، بعيدًا عن المحسوبيات والولاءات الضيقة.
أما فيما يتعلق بالسلطة في سوريا، فلا يجوز بناء الدولة على تسليم غير مشروط بنموذج الحكم الكلاسيكي القائم على العصبيات أو الولاءات الشخصية، التي كانت بمنزلة السلطة الفعلية في عهد النظام السابق؛ بل يجب إعادة تعريف مجال السلطة في الدولة بشكل كامل، والعمل على إعادة فرضها بنيويًا. السياسة، في جوهرها، هي تفاعل دائم مع المتغيرات والمستجدات، وهي لا تقبل السكون أو الجمود. إن سوريا بحاجة إلى مرحلة جديدة من السياسة تتجاوز الجمود والتقليدية، وتستجيب لمطالب الشعب السوري في جميع مناطق البلاد. هذا التفاعل يجب أن ينعكس في صياغة سياسات عامة تشمل كل
القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بحيث تكون هذه السياسات مرجعية في كل مرحلة من مراحل بناء الدولة السورية.
فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، لا يمكن بناء دولة سليمة وفاعلة على عدالة انتقالية هشة، خصوصًا في بلد مثل سوريا حيث تلوح في الأفق أسئلة مصيرية تتعلق بمحاسبة النظام السابق وبالعدالة للشهداء والمعتقلين. لا يجوز أن تُعطى الأولوية للالتزامات الدولية على حساب الالتزامات الداخلية للدولة تجاه شعبها. فعدالة انتقالية تقرّ الشبيحة والقتلة في فعاليات وطنية وكأن شيئًا لم يكن، لن تعكس سوى ضعف التزام الدولة بالمحاسبة الحقيقية. العدالة الانتقالية يجب أن تكون عملية شاملة تقوم على العدالة والمساواة، ويجب أن تراعي حقوق الضحايا أولًا، وتضمن لهم العدالة قبل المصالحة. إن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية أو صورية-رمزية، بل يجب أن تشمل كل من أسهم في الانتهاكات من دون استثناء.
من الأمور التي لا يمكن تجاهلها في بناء الدولة السورية الجديدة، هو ضرورة الحفاظ على الحياة السياسية والمدنية. من المؤسف أن نرى بعد عام كامل من بداية الثورة محاولات لتجفيف الحياة المدنية والسياسية النشطة. فالحياة السياسية ليست محصورة فقط في حرية التعبير، بل تشمل بناء مؤسسات مدنية فاعلة ومؤسسات سياسية مستدامة. في غياب هذه المؤسسات، يصبح المجتمع مغلقًا ومشلولًا، غير قادر على التفاعل مع القضايا الوطنية، ما يؤدي إلى تعميق الانقسام وخلق بيئة فاسدة تسهل للسلطة الاستبدادية العودة. بناء مؤسسات مدنية منظمة، قانونية وفنية، يتطلب أولًا وضع قوانين واضحة للأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات المدنية كأولويات أساسية في بناء الدولة.
من غير المقبول أن تُرفع رايات فرعية في مواجهة الآخر، في حين تكون راية الوطن هي الأخيرة التي تُرفع. هذا يُعمّق الانقسام ويوسع الهوة بين فئات الشعب السوري. يجب أن تكون الهوية الوطنية واحدة وموحدة، وأن تكون رؤية وطنية شاملة هي الأساس في بناء المستقبل السياسي والاجتماعي للبلاد. فمن المهم أن تُعطى الأولوية للهوية الوطنية فوق كل الاعتبارات الأخرى، وأن تصبح رؤية وطنية جامعة هي القاعدة الأساسية لبناء سوريا المستقبل.
إن بناء دولة سوريا جديدة يتطلب معالجة جميع هذه التحديات بعناية وحذر. يجب أن تكون الدولة القادمة دولة قانون، تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، بعيدًا عن الانقسامات الداخلية والمصالح الضيقة.
وفي إطار بناء الدولة، لا يجوز لأي مسؤول في الدولة أن يتحدث عن “انتصار الكل على الكل”، كما أشار بعضهم في خطاباته، هذا المفهوم لا يتماشى مع أسس بناء الدولة، بل هو مبدأ “هوبزي” قديم يخلق صراعًا داخليًا لا ينتهي. إن هذا المبدأ يُغتال فكرة الدولة نفسها قبل أن تولد، ويُفرغ السياسة من محتواها، مسببًا تراجعًا في قدرة الدولة على أداء مهامها الأساسية. إن الخطاب التحريضي الطائفي، سلاح فتاك يمكن أن يقضي على الجميع. لذا يجب على كل أطراف العملية السياسية أن تتبنى خطابًا وطنيًا موحدًا يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز الهويات الفرعية.
لا يمكن للدولة السورية أن تُبنى على سيولة سياسية، تجعل المركز والإدارة العامة بابًا لصنع السياسة من بوابة الاستسهال والكوميديا. يجب أن تكون هذه المرحلة من تاريخ سوريا استحقاقًا تاريخيًا، لا مكان فيه للاستسهال أو التسويف. إما أن تكون سوريا دولةً قويةً تقوم على مؤسسات ديمقراطية ثابتة، أو لا تكون. في هذا السياق، ينبغي أن يكون هناك حرص دائم على تحقيق الإصلاحات المؤسسية وضمان استقلالية القضاء، بحيث تصبح سوريا دولة مؤسساتية تضمن لجميع المواطنين حقوقهم المدنية والسياسية.
في النهاية، إن بناء دولة سوريا جديدة يتطلب معالجة جميع هذه التحديات بعناية وحذر. يجب أن تكون الدولة القادمة دولة قانون، تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، بعيدًا عن الانقسامات الداخلية والمصالح الضيقة. وبهذا، يكون بناء دولة سوريا حرة ومستقرة ممكنًا، قادرًا على التعامل مع جميع القضايا التي تهم المواطنين ويؤسس لحقبة جديدة من الاستقرار والازدهار
- تلفزيون سوريا


























