ثمة لحظات في التاريخ تبدأ فيها التحولات الكبرى من المكان الذي بدا طويلاً أكثر الأماكن استعصاءً على التغيير. ولعل ما شهدته أمريكا في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، يمثل إحدى هذه اللحظات: ففي صباح الانتخابات النصفية، أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستوقف مساعداتها المالية السنوية لإسرائيل، البالغة نحو أربعة مليارات دولار، مع استمرار بيع الأسلحة لها. والأكثر دلالة أنه برّر قراره بأن هذه المساعدات أصبحت ورقة يستخدمها الديمقراطيون ضد الجمهوريين، وذكر عبدول السيد، المرشح، المسلم والعربي الأصل، لمجلس الشيوخ عن ميتشيغان، بالاسم!
والحقيقة أن المفارقة تستحق التأمل! الرئيس الذي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان، يعيد النظر في إحدى ركائز العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، لأنها أصبحت عبئاً انتخابياً على حزبه!
لقد كانت إسرائيل، لعقود، جزءاً من الإجماع الحزبي شبه المحصّن، لكنها بدأت تدخل دائرة المنافسة الانتخابية بوصفها قضية قابلة للمساءلة السياسية والمالية والاستراتيجية.
ولفهم المعنى التاريخي لهذا التحول، ينبغي العودة إلى طبيعة الظاهرة الترامبية نفسها.
فالرجل لم يدخل السياسة الأمريكية بوصفه رئيساً تقليدياً، وإنما بوصفه قوة صادمة لنظام سياسي ودولي تراكمت تناقضاته خلف واجهة من التوافقات والمسلّمات. فقد كشف هشاشة أوروبا، وحدود العولمة الليبرالية، وانتقائية النظام الدولي القائم على القواعد، وأعاد طرح سؤال المصلحة الأمريكية بلغة مباشرة لا تكترث كثيراً بالمسوغات الأخلاقية التقليدية.
وهنا تكتسب فكرة «مكر التاريخ» عند هيغل معناها السياسي العميق. فالتاريخ قد يستخدم شخصيات صدامية، تتحرك بدوافعها الخاصة، لتفجير تناقضات أكبر منها، ثم يدفع التحولات التي أطلقتها إلى نتائج لم تكن تقصدها.
بهذا المعنى، لم يصنع ترامب أزمة العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، وإنما ساهم في إخراج تناقضاتها من دائرة المحظورات السياسية إلى الحسابات العلنية.
فقد قامت هذه العلاقة، لعقود، على توافق بين الحزبين، جعل الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل أحد أكثر عناصر السياسة الخارجية الأمريكية استقراراً، مستنداً إلى اعتبارات أمنية واستراتيجية ودينية وانتخابية، وإلى نفوذ جماعات ضغط قوية.
لكن قوة أي إجماع سياسي تكمن أيضاً في استمرار اقتناع المجتمع بالافتراضات التي يقوم عليها.
وهذا بالضبط ما بدأ يتغير.
فداخل اليسار الأمريكي، تتسع مساءلة الدعم غير المشروط لإسرائيل من زاوية الحقوق الفلسطينية والكلفة الإنسانية للحروب. وداخل قطاعات من اليمين، تتنامى أسئلة حول جدوى الالتزامات الخارجية وأولوية المصالح الأمريكية.
وهكذا تتعرض إحدى المسلّمات القديمة للضغط من اتجاهين. يسار يعيد تعريف العلاقة بمعايير العدالة والحقوق، ويمين يعيد حسابها بمنطق المصلحة والكلفة.
وفي قلب هذا التحول، تبرز تجربة عبدول السيد بوصفها اختباراً انتخابياً مهماً.
فقد واجه إنفاقاً ضخماً من إيباك، التي أنفقت قرابة ثلاثين مليون دولار لمحاولة منعه من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، ثم حملة جمهورية قاسية استهدفت مواقفه من إسرائيل وهويته الدينية. ومع ذلك، انتصر في الانتخابات التمهيدية، ثم فاز في الانتخابات العامة على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي.
والأهمية الاستراتيجية هنا تكمن في كسر فرضية حكمت تفكير المؤسسة الديمقراطية: أن معارضة المساعدات العسكرية لإسرائيل قد تكون مقبولة داخل الانتخابات التمهيدية، لكنها تتحول إلى عبء انتخابي في المنافسة مع الجمهوريين، خصوصاً في ولاية متأرجحة مثل ميتشيغان.
لقد أثبت فوز عبدول السيد أن هذه الفرضية لم تعد صالحة للتعميم. فالناخبون لم يصوتوا جميعاً بسبب موقفه من إسرائيل، لكن هذا الموقف لم يمنعه من بناء ائتلاف انتخابي قادر على الفوز.
وهنا تظهر البراغماتية الترامبية في صورتها الأكثر إثارة.
فترامب يتعامل مع التحالفات السياسية بوصفها ترتيبات ينبغي أن تستمر ما دامت تخدم تصوره للمصلحة. وحين تصبح إحدى ركائز التحالف مصدراً للكلفة الانتخابية، فإنه مستعد لإعادة النظر فيها، حتى لو ارتبطت بأحد أقرب حلفائه.
ولذلك فإن إعلان وقف المساعدات لإسرائيل صباح الانتخابات يحمل معنى يتجاوز توقيته. فقد قال ترامب إن الاتفاق مع نتنياهو جرى قبل أشهر، لكنه اختار الإعلان عنه بينما كان الأمريكيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، وربطه بالانتقادات التي يستخدمها الديمقراطيون ضد الجمهوريين.
الدلالة التاريخية تكمن في أن رئيساً جمهورياً يرى ضرورة الدفاع عن حزبه انتخابياً من خلال تقليص المساعدات لإسرائيل، بعد أن كان الدفاع عنها يُقدَّم طويلاً بوصفه أحد ضمانات النجاح السياسي
ومن المهم التمييز بين الإعلان والتنفيذ. فالاتفاق الأمريكي لتقديم نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً يستمر حتى أيلول/سبتمبر 2028، ولم تتضح آلية إنهائه مبكراً. كما أن استمرار مبيعات الأسلحة والتعاون الأمني يعني إعادة تشكيل جانب من العلاقة دون إنهاء التحالف الاستراتيجي.
لكن الدلالة التاريخية تكمن في أن رئيساً جمهورياً يرى ضرورة الدفاع عن حزبه انتخابياً من خلال تقليص المساعدات لإسرائيل، بعد أن كان الدفاع عنها يُقدَّم طويلاً بوصفه أحد ضمانات النجاح السياسي.
وهذا يعيدنا إلى «مكر التاريخ». فالرجل الذي أراد إعادة تعريف السياسة الخارجية الأمريكية بمنطق المصالح والصفقات، ساهم في فتح باب مساءلة أحد أكثر التحالفات الأمريكية حصانةً. والرجل الذي دعم إسرائيل بصورة استثنائية يجد نفسه أمام تحول انتخابي يجعل هذا الدعم موضوعاً للنقاش والمساومة.
هذا لا يعني أن العلاقة الأمريكية -الإسرائيلية تتجه حتماً إلى التفكك. فالتعاون العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي، والمصالح المشتركة، وشبكات التأثير السياسي، ما زالت تشكل بنية عميقة. لكن استمرار التحالف لا يلغي احتمال تغير شروطه، وانتقاله من منطق الاستثناء السياسي إلى المساومة والمساءلة.
وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، وسوريا خصوصاً، فإن أهمية هذه التحولات تكمن في إعادة فهم صناعة القرار الأمريكي. فواشنطن تشهد تغيرات في العلاقة بين الرأي العام والأحزاب وجماعات الضغط والمؤسسات، بما يفتح مجالاً لدبلوماسية تبني علاقاتها على المصالح المؤسسية المستدامة.
لقد ساعدت براغماتية ترامب في فتح أبواب مهمة أمام سوريا الجديدة، لكنها تكشف أيضاً أن القرارات الرئاسية تبقى مرتبطة بموازين سياسية قابلة للتغير.
ولعل المعنى الفلسفي الأعمق أن التاريخ لا يغيّر موازين القوة دائماً بإسقاط التحالفات، وإنما يبدأ أحياناً بتغيير الأفكار التي تمنحها شرعيتها السياسية.
فحين تصبح إسرائيل موضوعاً للمساءلة الانتخابية داخل الحزبين، وحين يعلن رئيس أمريكي معروف بدعمه لها أن مساعداتها أصبحت عبئاً على حزبه، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمقدار المال الذي ستدفعه واشنطن لتل أبيب، وإنما بمستقبل المعادلة السياسية التي جعلت دفعه أمراً شبه محسوم لعقود.
وهنا تكتمل مفارقة ترامب مع التاريخ. فقد أراد إعادة صياغة العالم بمنطق القوة والمصلحة، وإذا بهذا المنطق نفسه يبدأ بإعادة صياغة علاقة أمريكا بإسرائيل.
وربما يكون «مكر التاريخ» قد اختار هذه المرة أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً لإسرائيل، ليجعل على لسانه إعلاناً يكشف أن زمن الحصانة السياسية المطلقة لهذا الدعم بدأ يتعرض للاهتزاز.
كاتب سوري
- القدس العربي





















