من الطبيعي أن تشهد سوريا الجديدة ممارسة الحياة السياسية بمختلف أشكالها وتنوعها، رغم أنها في المرحلة الانتقالية، ومن المؤكد أن الحياة السياسية تظهر فيها ملامح المعارضة للسياسات الحكومية، وتتنوع هذه المشاهد المعارضة ما بين رافضة للواقع السياسي من أنصار النظام السابق وفلوله، وأخرى تتعلق بالحالة الاقتصادية المؤثرة على الناس، وخاصة من الذين بنوا منافع على واقع النظام السابق، وأخرى ترتبط بالآمال والتوقعات السريعة بتحقيق الانتقال السياسي والنهضة الحقيقية في البلاد، وثمة أنواع أخرى ترتبط بممارسة المعارضة لمجرد أنها خلاف في الرأي، وربما هذه الحالة فرضها واقع القمع الذي استفحل من قبل النظام على الشعب السوري، وأنماط ترتبط بحرية الرأي والتعبير وكشف المستور.
وتؤكد الأحداث التي جاءت بعد مرحلة سقوط النظام الانتقال إلى حالة صحية من ممارسة المعارضة، وتتنوع عملية الانتقاد هذه ما بين محب يريد إظهار حبه وغيرته على بلده، وآخر يرغب بالوصول إلى المثالية بأقرب وقت ممكن، وفرض الواقع والمقاييس الغربية الجدلية على الواقع السوري الخارج من دوامة حرب كبيرة وثورة أسقطت النظام، وكل هذا يحصل في وقت لم يصدر فيه قانون ناظم للأحزاب السياسية بعد، وبالتالي انحصرت عمليات المعارضة في الحالات الفردية، وعبر ناشطين وشخصيات معينة، انطلق بعضها من مواقف أيديولوجية من دون حتى منح الفرصة للحكومة الحالية للانتهاء من المرحلة الانتقالية.
لعل الحالة الاقتصادية تلعب دورًا كبيرًا في حالة الاحتقان والمعارضة لدى الشارع السوري، في ظل رغبة حقيقية في تجاوز آثار الحرب والانتقال إلى مرحلة الاستثمار والبناء وعودة عمل المؤسسات بكامل طاقتها وارتفاع الرواتب، وتخفيف الضرائب لا زيادتها، وخفض الأسعار والتضخم.
ورغم وجود هذه الحالة الفردية من المعارضة، فإن الظاهرة اللافتة هنا هي المعارضة المفرطة من أجل المعارضة، أي أنها تظهر أحيانًا على شكل ردات فعل على حالة القمع التي استمرت في سوريا لنحو نصف قرن من حكم حزب البعث، وبالتالي منحت هذه الحالة في البلاد هامشًا من الحرية للنقد والمعارضة والرفض، وهو ما يرافقه في كثير من الأحوال حالة من الاستعجال والتسرع في إطلاق الأحكام، وركوب أمواج الترند في وسائل التواصل الاجتماعي، وعندها يجتمع الانتقاد المفرط مع الاستعجال في إطلاق الأحكام، ليصل إلى التمسك بالادعاءات، وهذه النقطة ربما تؤدي إلى حالة من الغليان في حال استمرت من دون استبيان حقيقة الأحداث، والتوقف عند حد الادعاءات من دون دحضها أو تأكيدها.
وللاستدلال على ما سبق، ثمة أحداث كثيرة تتعلق بما جرى من ادعاءات ومزاعم في مناطق عديدة في البلاد، وبعد تحقيقات تظهر الحقيقة جلية، كما في حالات الخطف أو نقل أخبار اقتصادية عن شخصيات معينة مرتبطة بالنظام، أو صدور قرارات في أوراق مزورة هي عبارة عن قرارات معدلة عبر برامج متخصصة ومعنية بهذا الأمر، وتداول هذه الحالات بشكل موسع، ونظرًا لوجود حالة المعارضة المرافقة لعقدة القمع الموروثة من زمن النظام، فإن جميعها تؤدي إلى حالة من الممارسة السياسية المعارضة النابعة عن رغبة في إظهار الرأي والصوت، وقد تكون حالة صحية في سعي المواطن السوري للمساءلة والمحاسبة في سوريا الجديدة، وتكون غير سليمة إذا كانت ممارسة لمجرد الممارسة من دون السعي إلى استيضاح الحقيقة.
ولعل الحالة الاقتصادية تلعب دورًا كبيرًا في حالة الاحتقان والمعارضة لدى الشارع السوري، في ظل رغبة حقيقية في تجاوز آثار الحرب والانتقال إلى مرحلة الاستثمار والبناء وعودة عمل المؤسسات بكامل طاقتها وارتفاع الرواتب، وتخفيف الضرائب لا زيادتها، وخفض الأسعار والتضخم. هذه الحالة تفتح مجالًا كبيرًا للتعبير عن الامتعاض والاستياء، وتظهر على شكل معارضة ورفض للسياسات الجديدة ضمن مسار التعبير عن الرأي والحرية، فالحديث عن المرحلة الجديدة في سوريا يعني انتهاء الحرب وسيطرة النظام ورموزه على الثروة وامتصاص دم الشعب السوري، وبالتالي هناك رغبة حقيقية في النهضة بشكل سريع في البلاد، تنقذ لقمة العيش وكرامة المواطن، ومن الخطأ عدم الاهتمام بالجانب الاقتصادي وعدم الإنصات للأصوات الصادرة في هذا المسار، ولا يمكن لأحد أن يستهين بلقمة المواطن، وعدم إيجاد حلول واقعية ومريحة يزيد من حالة التعبير عن هذا الواقع ليظهر على شكل معارضة في البلاد.
كما يسعى الذباب الإلكتروني إلى التقاط هذه الظواهر والحالات للذهاب بالواقع السياسي في البلاد إلى مساحة أخرى، من خلال الأطراف والدول والفلول الراغبين في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، تمامًا كما يقول المثل السوري: «يعمل من الحبة قبة»، فتعمل حسابات مرتبطة بهذه الأطراف، وفي مقدمتها إيران وإسرائيل، على تحريض الشارع السوري بتلقف حالات التعبير عن الرأي في الواقع الاقتصادي أو الخدمي في البلاد، وتكبيرها وتصويرها على شكل حالات عامة تؤدي إلى مشاركتها وتأليب الرأي العام، وهناك حالات عديدة حصلت عبر استنفار الأهالي بوجود حالات معينة يتبين عدم صحتها أو تكبيرها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
ويضاف إلى ما سبق دخول الذكاء الاصطناعي بشكل واسع إلى الاستخدام وتوليد مقاطع ومشاهد وصور ونشرها عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لتقنع بعض الأفراد بحقيقة مضمون تلك المواد المرئية المصنّعة عبر الذكاء الاصطناعي، لتصبح هناك حالة من الاحتقان الداخلي والغضب والرغبة في التعبير عنها، فتظهر حالة من المعارضة الداخلية يستغلها الفلول ومشغلو الذباب الإلكتروني في التأثير على الواقع السوري، إضافة إلى نشر مقاطع قديمة أو عمل مواد مرئية تحمل ادعاءات تُسرد وكأنها تأكيد المؤكد، وتناقل ذلك بين الأشخاص وإرسالها ونشرها بشكل واسع.
فُتحت نافذة جديدة من الحرية والكرامة وحرية التعبير والحقوق والعدالة في سوريا، ويجب استخدام هذه النافذة بالشكل السليم والصحي، انطلاقًا من المسؤولية والوعي وإدراك الدور والمسؤولية..
وإزاء هذه الحالات، يمكن القول إن التعبير عن الرأي ونشر الخطأ أو التجاوزات أو الاعتراض على القرارات ورفضها أو تصحيح ممارسات، أو فضح وكشف حالات من الظلم واستغلال المنصب، تُعد حالة صحية ومطلوبة في الديمقراطيات، ويجب التعامل معها بجدية، بل ومن واجب المواطن السوري في سوريا الجديدة أن يكون رقيبًا على مؤسسات الدولة وموظفيها والقائمين عليها وإيراد هذه الحالات، وهذا الواجب يؤدي إلى تصحيح الأخطاء وتجاوزها والمساهمة في إدارة البلاد وقيادة دفة المرحلة الانتقالية للوصول إلى الدستور الجديد والقوانين الناظمة ودولة العدالة وحقوق المواطن والعدالة، بل ويجب تعزيز هذه الحالة الصحية، وإدراك المسؤولين والقائمين بأن المواطن السوري استعاد حريته وكرامته وحرية تعبيره ليُظهر المقصر ويكشفه ويعلن عنه ويفضحه بالدليل القاطع.
وأمام هذا الواجب المناط بالمواطن، عليه في الوقت نفسه التحلي بالمصداقية والدقة والحذر عند تناقل هذه الأحداث، أي أن يكون كل ادعاء يُقدَّم، وأي انتقاد يُقال، وأي تقصير يُنشر، وأي تجاوز يُفضح، مستندًا إلى أدلة قاطعة، وليس لمجرد السماع من شخص، أو تناقل أخبار غير مؤكدة، أو نشر فيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي، أي على المواطن السوري أن يكون واعيًا ويتحلى بالوعي السياسي والأخلاقي والاجتماعي وبروح المواطنة، بأن يتحرى الدقة والأمانة في النقل، وألا يكون شريكًا في التحريض، أو المعارضة لمجرد المعارضة.
وختام القول، فُتحت نافذة جديدة من الحرية والكرامة وحرية التعبير والحقوق والعدالة في سوريا، ويجب استخدام هذه النافذة بالشكل السليم والصحي، انطلاقًا من المسؤولية والوعي وإدراك الدور والمسؤولية، والابتعاد عن الانجرار خلف عقدة المعارضة التي خلّفتها سنوات القمع، وعدم تناقل الأحداث الخطيرة من دون التأكد منها، فثمة خيوط رفيعة بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخرين والبلاد، والتعبير عن الرأي حق مصان، والحفاظ على البلاد فرض على كل مواطن، فحرية التعبير بناء، وعقدة المعارضة لأجل المعارضة مساهمة في غير مكانها.
- تلفزيون سوريا






















