أحد السوريين ممن يفكرون بالعودة إلى بلدهم، ويبحثون عن فرصة لشراء مسكن في دمشق، وجد أن أسعار العقارات المعروضة للبيع تقترب من أسعار عقارات في مدن أوروبية. تجاوزت ردة فعله على ما قرأ وسمع وشاهد الاستغراب، ووصلت إلى مراجعة الخيار ذاته، لأن المقارنة الحاضرة هنا تشمل مدناً تختلف كثيراً عن دمشق في مستوى الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل وجودة الحياة. الأمر الذي يوجب السؤال: كيف يمكن لشقة في بلد أنهكتها الحرب، وتراجعت فيها الخدمات والقدرة الشرائية، أن يصل سعرها إلى مستوى شقة في مدينة أوروبية؟
وفي مجموعة لهواة جمع العملات، يعرض بعض الأشخاص صوراً لليرات سورية معدنية حديثة نسبياً، متوفرة بكثرة في البيوت والأدراج المهملة، ويدعون الأعضاء إلى المزايدة عليها للحصول على أفضل سعر. يتصرف هؤلاء كما لو أنهم يعرضون مقتنيات نادرة، مع أنها لا تحمل خصائص استثنائية في تاريخ الإصدار أو السك تمنحها قيمة خاصة لدى الجامعين، تتكرر هذه المشاهد في أسواق مختلفة.
فهناك من يغالي في تسعير ما يملك دائماً، لكنه لا يمتلك حجة تبرر ذلك، حتى إنه يستند أحياناً إلى إعلان مشابه وجده على الإنترنت، من دون أن يعرف إن كان العقار أو القطعة المعروضين قد بيعا فعلاً أو إن كان هناك من يقدرها بالسعر المطلوب. وقد يبقى الإعلان منشوراً أشهراً طويلة، فيما يظل صاحبه متمسكاً بمطلبه.
ما الذي يدفع هؤلاء إلى المبالغة في تقدير ما يملكون؟ ولماذا يصعب عليهم مراجعة أسعارهم، حتى عندما لا يجدون مشترياً؟
فسّر الخبراء جانباً من هذا السلوك استناداً إلى مفاهيم معروفة في علم النفس الاقتصادي، حيث يشير مفهوم “تأثير التملك” إلى ميل الإنسان إلى إعطاء الشيء الذي يمتلكه قيمة أعلى من القيمة التي يكون مستعداً لدفعها لو أراد شراءه. وتزداد هذه النزعة عندما ترتبط الممتلكات بذكريات أو استثمارات أو شعور شخصي بالإنجاز. ويضاف إلى ما سبق النفور من الخسارة، والذي يجعل البائع ينظر إلى تخفيض السعر باعتباره خسارة شخصية، حتى عندما تكون ظروف السوق قد تغيرت.
مبالغة البعض في تقدير الممتلكات تحمل معنى يتجاوز القضية المالية. وذلك أن الإنسان يصعب عليه تقبل حقيقة أن ما يملكه عادي، أو أن القطعة التي احتفظ بها سنوات لا تثير اهتمام الآخرين.
كما يرتبط الشيء في ذهنه بصورته عن نفسه، فيصبح الاعتراض على سعره وكأنه يمس مكانته وكرامته. وبناء على هذا تتداخل قيمة الممتلكات مع تقدير صاحبها لذاته، ويصبح الإصرار على السعر دفاعاً عن صورة شخصية يريد الحفاظ عليها.
في المشهد السياسي السوري الراهن، هناك أشخاص -ومع تقديرنا واحترامنا لما قاموا به- يستندون إلى مشاركتهم في الثورة أو العمل في صفوف المعارضة ليفرضوا حضورهم، وهم يبالغون في تقدير أهمية أدوارهم، وحجم تأثيرهم، ومدى حاجة المجتمع إلى مساهماتهم اللاحقة.
كما أن البعض الآخر يبني على حضوره الإعلامي وعدد متابعيه، ثم يتصرف على أساس أن هذا يمنحه مكانة استثنائية وحقاً في تمثيل الآخرين. وقد يواصل المطالبة بالدور نفسه حتى بعد تغير الظروف، ويتعامل مع ظهور شخصيات أخرى باعتباره انتقاصاً من قيمته.
في مراجعة بحثية بعنوان: “تقدير الذات والسياسة: الأدوار المختلفة لتقدير الذات والنرجسية” نشرتها دورية “علم النفس السياسي” الصادرة عام 2024 استعرضت مؤلفاتها الثلاثة 7 عقود من الأبحاث حول العلاقة بين تقدير الذات والسلوك السياسي.
وميزت الباحثات بين الثقة بالنفس والشعور بالكفاءة، وبين النرجسية القائمة على الإحساس بالتفوق والاستحقاق لمكانة استثنائية. وتخلص المراجعة إلى أن السعي وراء المكانة وحماية الصورة الذاتية قد يرتبطان بأنماط من السلوك السياسي تضر بالحياة الديمقراطية. كما تشير إلى أن بعض الأشخاص ينخرطون في النشاط السياسي بحثاً عن الاعتراف والمكاسب الشخصية، من دون امتلاك المعرفة أو الاهتمام اللازمين بالشأن العام.
تبدو هذه المسألة مهمة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد المجرم. فقد شارك كثيرون في الثورة، ودفعوا أثماناً كبيرة في مواجهة النظام، وامتلكوا تجارب تستحق التقدير. لكن بعضهم قد يتعامل مع تاريخه باعتباره رصيداً يمنحه حقاً دائماً في القيادة أو التمثيل. ويحدث الأمر نفسه عندما يخلط ناشط بين حضوره على وسائل التواصل وامتلاك قاعدة اجتماعية، أو عندما يعتقد صاحب تجربة سياسية أن معرفته السابقة تؤهله لإدارة كلّ ملف وكل مؤسسة.
المشكلة هنا أن السياسة مجال تتجاوز نتائجه صاحب الدور نفسه، فالشخص الذي يبالغ في تقدير أهميته قد يجد صعوبة في الإصغاء إلى النقد، أو قبول انتهاء دوره، أو الاعتراف بقدرات أشخاص آخرين. وقد تصبح حماية مكانته الشخصية أهم من مراجعة أدائه، وتتحول المؤسسات التي يعمل فيها إلى مساحة لتأكيد حضوره بدلاً من أداء وظائفها العامة.
ربما يكمن الجانب الأعمق من القضية، في صعوبة قبول الإنسان لحقيقة أن تقديره لنفسه قد يختلف عن تقدير الآخرين له، وأن ما يملكه أو ما قدّمه أو ما يعرفه لا يمنحه بالضرورة المكانة التي يتخيلها.
من يحدد سعره بنفسه وينتظر من السوق أن يوافقه، قد يفعل الشيء نفسه في السياسة. نعم، قد لا يعترف كل المجتمع بقيمته، لكن ثمة أصحاب مصالح غير نزيهين يتصيدون الوافدين الجدد إلى المواقع والمناصب، ويبحثون عن مداخلهم النفسية وحاجاتهم إلى التقدير والوجاهة، وسيمنحونهم ما يريدون، ليصدقوا أنفسهم، وفي جهة الناس، حيث تراقب العيون كل شيء، تبدأ دورة جديدة من النضال في سبيل وضع الأشياء والشخصيات في أحجامها الحقيقية.
- الثورة السورية





















