في تغريدة مطولة على منصة إكس، يحذر الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون من ضغوط يمارسها بنيامين نتنياهو على دونالد ترامب لتوجيه ضربة مدمرة إلى إيران، حتى لو استدعى الأمر استخدام السلاح النووي. يقدم كارلسون المشهد وكأن مصير المنطقة معلق بإرادة رجلين، أحدهما يدفع نحو الحرب والآخر يمتلك قرار تنفيذها. لكن هذا التفسير، رغم جاذبيته الإعلامية، يغفل السؤال الأكثر أهمية: هل يصنع الرؤساء الحروب فعلاً، أم أنهم يديرون قرارات تتشكل داخل منظومة أعمق من المصالح الاقتصادية والمالية والعسكرية؟
لفهم السياسة الأمريكية، لا يكفي النظر إلى البيت الأبيض، بل ينبغي النظر إلى القوى التي تمتلك المال، وتمول الحملات الانتخابية، وتؤثر في الكونغرس، وتضغط على المؤسسات، وتستفيد من الحروب. وفي مقدمة هذه القوى شركات النفط والغاز والسلاح، التي لا تقتصر علاقتها بالدولة على بيع منتجاتها، بل تتداخل مصالحها مع السياسات التي تحدد أولويات الأمن القومي الأمريكي.
ليست هذه الفكرة مجرد نظرية سياسية معاصرة. ففي خطاب وداعه عام 1961، حذر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، وهو جنرال قاد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، من تنامي نفوذ ما سماه «المجمع الصناعي العسكري»، محذراً من اكتسابه نفوذاً غير مبرر داخل مؤسسات الحكم. كان أيزنهاور يدرك أن صناعة السلاح الدائمة تخلق مصالح اقتصادية ضخمة قد تؤثر في قرارات الحرب والسلام. وإذا كان هذا تحذيره قبل خمسة وستين عاماً، فكيف أصبح حجم هذا النفوذ اليوم؟
الأرقام المتعلقة بالحرب على إيران تكشف جانباً مهماً من الصورة. فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 30 أكتوبر 2026 تحقيقاً أظهر أن أكثر من خمسين شركة أمريكية للنفط والغاز حققت أرباحاً تجاوزت 130 مليار دولار خلال الفترة من أبريل إلى سبتمبر، مقارنة بأقل من 47 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق. أي أن أرباحها تضاعفت نحو ثلاث مرات خلال ستة أشهر من الحرب.
هذه ليست مجرد أرباح استثنائية، بل تعكس ارتباطاً اقتصادياً عميقاً بين اضطراب أسواق الطاقة ومصالح المنتجين الأمريكيين. فكلما تعطلت الإمدادات القادمة من الخليج، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، ازدادت قيمة النفط والغاز المنتجين خارج مناطق الصراع. وهكذا تتحول أزمة تهدد الاقتصاد العالمي إلى مصدر أرباح ضخمة لشركات تتمتع بقدرة كبيرة على الوصول إلى صناع القرار.
ينبغي النظر إلى القوى التي تمتلك المال، وتمول الحملات الانتخابية، وتؤثر في الكونغرس، وتضغط على المؤسسات، وتستفيد من الحروب
وتقدم شركتا إكسون موبيل وشيفرون مثالاً واضحاً. فقد أعلنت الأولى أرباحاً تجاوزت 15 مليار دولار في الربع الثالث من 2026، بينما اقتربت أرباح الثانية من عشرة مليارات دولار. وفي المقابل، أشار تحليل لمختبر حلول المناخ بجامعة براون، نقلته نيويورك تايمز، إلى أن المستهلكين الأمريكيين دفعوا نحو 147 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل منذ بداية الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. إنها مفارقة تكشف كيف تتحول خسائر المستهلكين إلى مكاسب استثنائية لمنتجي الطاقة.
أما شركات السلاح، فتقف على الجانب الآخر من المعادلة. فالحروب لا تستهلك الأسلحة الموجودة فحسب، بل تخلق طلباً جديداً على الصواريخ والطائرات وأنظمة الدفاع والذخائر، وتدفع الحكومات إلى توقيع عقود تمتد سنوات. وقد أعلنت شركة نورثروب غرومان ارتفاع قيمة طلبياتها المتراكمة إلى نحو 110 مليارات دولار بنهاية سبتمبر 2026، بزيادة قدرها 15 بالمئة عن نهاية العام السابق. ورغم أن هذه العقود لا ترتبط جميعها بالحرب الإيرانية، فإنها توضح حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة باستمرار الإنفاق العسكري.
والأهم أن نفوذ هذه الشركات لا يبدأ بعد اندلاع الحرب، بل يمارس قبلها عبر قنوات سياسية ومؤسسية. فبحسب بيانات منظمة أوبن سيكرتس، أنفقت الصناعات الدفاعية الأمريكية نحو 159 مليون دولار على أنشطة الضغط السياسي خلال عام 2024. كما تكشف البيانات عن مئات العاملين في هذا المجال، بينهم مسؤولون سابقون انتقلوا بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص. وهذه الشبكة تتيح للشركات التأثير في التشريعات والموازنات والسياسات الدفاعية.
هنا يصبح السؤال عن هوية الحاكم الحقيقي أكثر تعقيداً من مجرد معرفة من يجلس في المكتب البيضاوي. فالرئيس يتغير كل أربع سنوات أو ثمان، بينما تستمر الشركات الكبرى وعقودها وشبكات نفوذها لعقود. والرئيس يستطيع إصدار الأوامر العسكرية، لكن الخيارات المعروضة عليه تتشكل داخل مؤسسات تتداخل فيها الحسابات الأمنية والمصالح الاقتصادية.
لا يعني ذلك أن الشركات تصدر أوامر مباشرة إلى ترامب أو نتنياهو، فهذه فرضية تحتاج إلى أدلة محددة. لكن النفوذ البنيوي قد يكون أشد تأثيراً من الأوامر المباشرة، لأنه يساهم في تشكيل البيئة السياسية التي تجعل التسلح خياراً دائماً، والتصعيد مقبولاً، والحلول الدبلوماسية أقل جاذبية لأصحاب المصالح المستفيدين من استمرار التوتر.
ومن هذه الزاوية، تصبح قراءة كارلسون ناقصة حين تحصر خطر الحرب في ضغط نتنياهو على ترامب. فالمسألة الأعمق تتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في اتجاه السياسة الأمريكية، ومن يجني المكاسب عندما تتحول الأزمات إلى حروب.
قد يكون ترامب صاحب التوقيع، ونتنياهو صاحب الضغط، لكن وراء المشهد منظومة اقتصادية ومؤسسية تمتلك مصالح هائلة في الطاقة والتسليح. ولذلك لا ينبغي الاكتفاء بالسؤال عمن اتخذ قرار الحرب، بل يجب تتبع القوى التي ساهمت في تشكيله، والمصالح التي استفادت منه. فالأرباح وحدها لا تثبت من أشعل الحرب، لكنها تكشف لماذا يستحق نفوذ المستفيدين منها أن يكون في قلب التحقيق والمساءلة.
كاتب واعلامي سوري
- القدس العربي




















