دمشق ـ «القدس العربي»: اجتمع مسؤولون سوريون في دمشق، أمس الأحد، مع وفد قوات سوريا الديمقراطية بقيادة مظلوم عبدي، في حضور قائد قوات «التحالف الدولي» لبحث تنفيذ اتفاق العاشر من آذار المتعلق بملف الاندماج العسكري، وسط استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين حول طبيعة الدمج، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من احتقان شعبي واحتمالات انزلاق المشهد نحو مواجهة مفتوحة. وقال مصدر حكومي سوري إن الاجتماع لم يُسفر عن نتائج ملموسة من شأنها تسريع تنفيذ الاتفاق على الأرض، مشيرا إلى الاتفاق على عقد اجتماعات أخرى في وقت لاحق.
ووفق «قسد» الاجتماع بحث ملف الاندماج العسكري وفق اتفاق العاشر من آذار، الموقع بين عبدي والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.
وأوضح المركز الإعلامي لـ «قسد» أن الوفد ضم إلى جانب عبدي عضوي القيادة العامة سوزدار ديرك وسيبان حمو.
وكانت مصادر عسكرية قد أفادت بتوجّه قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» إلى دمشق في إطار استكمال المباحثات مع الحكومة الانتقالية على مستوى اللجان العسكرية، وذلك بعد تأجيل سابق للجنة العسكرية في 29 كانون الأول/ديسمبر الماضي لأسباب تقنية.
خلافات جوهرية
وتتصاعد المواقف المشككة في جدوى هذه المباحثات وقدرتها على الوصول إلى نتائج عملية.
وفي هذا السياق، قال الأمين العام للحزب اليساري الكردي في سوريا، محمد موسى، لـ«القدس العربي» إن المفاوضات القائمة تفتقر إلى الجدية، معتبرا أن ما جرى حتى الآن لا يتجاوز إطار اتفاق العاشر من آذار دون خطوات فعلية لتنفيذه.
وكشف عن الأسباب الجوهرية للخلافات والعقبات التي تعيق تنفيذ الاتفاق، حيث قال: حتى الآن لا توجد جدية حقيقية، ولن تكون، في استكمال المباحثات، مؤكدا أن ما جرى فعليا يقتصر على اتفاق العاشر من آذار، وهو اتفاق يحتاج إلى تشكيل لجان لمتابعة تنفيذه.
وأضاف أن «الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية شكّلتا هذه اللجان، إلا أن الإدارة الانتقالية في دمشق لم تبد استعدادا لاستقبال الوفود واللجان المعنية من أجل استكمال المحادثات».
وحسب المتحدث فإن «الإدارة الذاتية ومسد تمتلكان الجدية في استكمال المباحثات وعمليات الدمج، إلا أن الخلاف بين الطرفين لا يزال كبيرا، ويتمحور حول طبيعة هذا الدمج. فالإدارة الذاتية تطرح الدمج على أساس تشكيلات عسكرية متكاملة، كفرق وألوية وأفواج، في حين تصر الإدارة الانتقالية على الدمج على أساس الأفراد فقط، وهو أمر مرفوض بشكل كامل من قبل الإدارة الذاتية».
وأضاف أن القضية لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل «أبعادا مدنية وسياسية، إضافة إلى ملفات تتعلق بمنطقة شمال شرقي سوريا وقضايا المكونات، وفي مقدمتها القضية الكردية، إلى جانب المكونات الأخرى التي تعايشت في هذه المنطقة منذ مئات السنين، وحتى قبل قيام الدولة السورية». واعتبر أن دمشق وإدارتها الانتقالية لا تبدي حتى الآن أي استعداد جدي لمعالجة هذه القضايا. وختم بالقول إن «المشكلة ليست عسكرية فقط، بل هي مسألة إدارة مدنية وسياسية أيضا، وتتطلب مقاربة شاملة من مختلف الجوانب لحل مجمل القضايا التي عانى منها الشعب السوري عموما، ومكوناته على وجه الخصوص، ولا سيما الكرد الذين تعرضوا لسياسات التهميش والإنكار على مدى أكثر من ستة عقود».
مخاوف من تصاعد الاحتقان
في حين أعرب المحلل السياسي الكردي علي تمي لـ «القدس العربي» عن مخاوفه من تصاعد الاحتقان الشعبي والعشائري، معتبرا أن الاجتماعات الحالية تهدف أساسا إلى تهدئة الشارع بعد انتهاء مدة اتفاق العاشر من آذار.
وأشار إلى وجود حالة غليان بين المواطنين، حيث تجيش بعض العشائر عناصرها، بينما يظهر الشارع المدني حالة توتر واضحة.
وأوضح أن الحكومة وصلت إلى قناعة بأن قوات سوريا الديمقراطية تسعى لكسب مزيد من الوقت، وأن بعض العشائر تضع الحكومة أمام خيارين فقط، إما استعادة المنطقة عسكرياً أو التدخل المباشر، ما يجعل موقف الحكومة محرجاً للغاية.
قيادي كردي لـ«القدس العربي»: الخلاف يتمحور حول طبيعة الدمج… تشكيلات أو أفراداً
وحسب المتحدث فقد «يتم التنازل عن بعض الملفات الإدارية في الرقة ودير الزور، لكن رفض قسد التدخل العسكري يمثل النقاط الجوهرية للخلاف» مشيرا إلى أن الوضع قد يتجه نحو مواجهة مسلحة في حال استمرار الجمود.
وأضاف: داخل «قسد» توجد محاور مختلفة، طرف يضغط نحو الحرب وطرف آخر يسعى إلى الاتفاق، ما يجعل الأمر استراتيجية تبادل أدوار أكثر منه اختلافا حقيقيا، ويصعب تقديم تنازلات للحكومة.
ويرى محللون سياسيون أن الدمج العسكري يبقى بعيد المنال على الأرض، وأن الملفات العالقة تتجاوز العلاقة الثنائية بين الطرفين لتشمل المجتمع السوري بأكمله.
وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي الكردي زيد سفوك لـ «القدس العربي» إن المباحثات بين الطرفين مستمرة منذ عام، لكنها تواجه تحديات كبيرة تجعل تطبيق أي اتفاق عملي صعبا في الوقت الراهن.
وأشار إلى أن أي تصريحات إعلامية قد تظهر في هذا الوقت بنتائج إيجابية تهدف إلى تخفيف التصعيد بين الطرفين وإرضاء أنصار كل منهما، لكنها من الصعب تنفيذها على الأرض.
وأوضح أن الملف العسكري ليس سهلا، فقسد تنظيم عسكري منظم ومبني على فكر خاص ونظام مزدوج: جهة سياسية تتبع حزب الاتحاد الديمقراطي وأهدافه الحزبية، وأخرى تابعة للتحالف الدولي بقيادة أمريكا وفرنسا لمحاربة داعش، ما يجعل دمجها ضمن الجيش السوري الجديد خلال عام أو عامين أمراً شبه مستحيل.
وحول الخطوات المتوقعة من الاتفاق رأى المتحدث أنها قد تشمل رفع العلم السوري فوق المقرات العسكرية والأمنية لقسد، وتغيير شعاراتها، وإجراء أعمال محدودة مشتركة ضد الإرهاب والجريمة، مثل المخدرات والتهريب، وبعض الزيارات الميدانية لقادة الطرفين، بالإضافة إلى تسهيل حركة دخول وحدات عسكرية وأمنية للحكومة في الرقة ودير الزور مع بقاء قوات «قسد» في مواقعها، مشيرا إلى أن هذا ما يمكن اعتباره شكليات أكثر من كونه دمجا فعليا.
وفي رأي سفوك فإن دمشق جادة في فرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، لكن قسد لن تستطيع الانخراط بالكامل دون الحفاظ على خصوصيتها وإدارتها الذاتية، خاصة أن حزب الاتحاد الديمقراطي أسس مؤسسات عسكرية واقتصادية وتعليمية مستقلة وفق برنامجه السياسي، لذا فإن الشراكة للحفاظ على مصالح الطرفين هي أقصى ما يمكن تحقيقه حاليا، وأن مصطلح الدمج الذي ورد في اتفاق 10 آذار كان غير قابل للتحقيق عمليا.
وأوضح أن حل الملفات العالقة لا يمكن أن يتم عبر وفد الحكومة ووفد قسد فقط، لأنها تتعلق بمصالح جميع مكونات الشعب السوري، وأن فرض حلول مؤقتة لن يقبله الشارع، مشددا على أن الحل السياسي والحوار الوطني هما السبيل لإزالة جميع العقبات، ليس فقط بين الحكومة وقسد، بل بين جميع القوى السورية السياسية والمدنية.
وأشار إلى أن من أبرز المعوقات التدخلات الخارجية التي تسعى للحفاظ على مصالحها داخل سوريا، إضافة إلى أحداث الساحل والسويداء، والقضية الكردية التي لم تُناقش بشكل جدي حتى الآن، رغم لقاء وفود من الأحزاب الكردية والحركات المستقلة، مشددا على ضرورة عقد طاولة حوار تشمل جميع القوى السياسية والاجتماعية في سوريا لرفع الاحتقان وفتح صفحة جديدة للمشاركة في بناء سوريا الجديدة.
- القدس العربي


























