في الساعة 3:45 من فجر أول أمس السبت، أعطى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «الضوء الأخضر» لبدء تنفيذ عملية ضخمة لخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. أقلعت نحو 150 طائرة أمريكية من قواعد برية وبحرية محلّقة على علو منخفض فوق سطح المحيط وتكفّلت المقاتلات فيها بتوفير غطاء جوي فيما قامت الأقمار الاصطناعية الأمريكية والقوات السيبرانية المختصة بتعطيل الرادارات لتبدأ حملة قصف واسعة عطّلت الدفاعات الجوية بشكل مكّن المروحيات من بلوغ المجمع الذي يقيم فيه مادورو في الساعة السادسة صباحا، وقبل وصول الأخير إلى المساحة الآمنة المحاطة بالفولاذ بوغت وتم القبض عليه مع زوجته ونقله إلى مروحية ثم إلى سفينة حربية نقلته الى مركز احتجاز في نيويورك.
ترامب، الذي قام بعد العملية، بتشبيه اعتقال مادورو بـ«مشاهدة برنامج تلفزيوني» أطلق، أمس الأحد، من منتجعه الصيفي في ولاية فلوريدا تصريحا خطيرا قال فيه: «سندير البلاد حتى يحين الوقت الذي يمكننا فيه القيام بعملية انتقال آمنة وسليمة وحكيمة» في فنزويلا، قائلا إن شركات النفط الأمريكية الكبرى ستعود إلى فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، لتجديد البنية التحتية، وهي عملية قد تستغرق سنوات، وأنه منفتح على مسألة إرسال قوات أمريكية.
رغم إنكار وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن ما حصل هو «عكس» غزو العراق تماما، ووصف ترامب نفسه لما حصل في العراق بـ«العمل الغبي» فإن تصريحات ترامب أمس تصادت مع تصريحات مسؤولين أمريكيين سابقين حول العراق وأفغانستان، في حربين أدتا لمقتل مئات آلاف البشر، وانتهت في أفغانستان بانسحاب أمريكي بعد سنوات من الاحتلال الذي كلّف مئات مليارات الدولارات وآلاف القتلى والجرحى الأمريكيين.
بررت السلطات الأمريكية ما فعلته بأن وزارة العدل طلبت المساعدة العسكرية للقبض على مادورو بعد أن وجهت إليه هيئة محلفين في نيويورك اتهامات مع زوجته وابنه واثنين من القادة السياسيين وشخص يزعم أنه زعيم عصابة دولية وتم اتهامهم بجرائم تتعلق بالإرهاب والمخدرات والأسلحة.
يحظر القانون الدولي استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالات مثل تفويض مجلس الأمن للأمم المتحدة أو في حالة الدفاع عن النفس، ويتوافق خبراء القانون على أن الاتهام الجنائي في أمريكا لا يوفر سلطة استخدام القوة العسكرية لعزل حكومة أجنبية، وأن الاتجار بالمخدرات وعنف العصابات لا يرقيان الى المعيار الدولي المقبول للنزاع المسلح الذي يبرر أعمالا عسكرية، وبأن إدارة ترامب خلطت بين المسائل القانونية من خلال الادعاء بأن ما جرى كان مهمة لإنفاذ قانون محدد لتبرير سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا.
اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ما حصل «سابقة خطيرة» لكن الاهتزازات الكبرى للعملية ظهرت، بطبيعة الحال، في القارة الأمريكية اللاتينية وخصوصا في البلدان التي لم تقع في قبضة التأثير الترامبيّ بعد، فندد الرئيس البرازيلي بما حصل واعتبره «سابقة خطيرة أخرى للمجتمع الدولي بأسره» وكذلك فعلت المكسيك، وأوروغواي، وكولومبيا. انعكست تداعيات العملية، بشكل سريع أيضا، في إيران، التي هدّد ترامب مؤخرا بالتدخّل لـ«حماية المتظاهرين السلميين» وكذلك في كوريا الشمالية التي اعتبرت اعتقال مادورو يؤكد «الطبيعة المارقة والوحشية» للولايات المتحدة.
تبع اعتقال مادورو ترحيب رسمي إسرائيلي، ترافق مع أشكال من السخرية من الرئيس الفنزويلي، ويحمل الترحيب الإسرائيلي مغزى خاصا يتجاوز موضوع التحالف التقليدي مع أمريكا إلى اعتباره تصديقا على ممارسات إسرائيل المنفلتة من عقالها، ضد شعوب ودول المنطقة العربية والإقليم والعالم، وتأكيدا على منطق الغلبة والقوة وانتهاك القانون الدولي، وصولا إلى تهديد الأمم المتحدة ومحاكمها الأممية، وأشكال التآمر، واستخدام توصيفات الإرهاب لكسر القوانين والشرع الدولية.
رغم التنديد الذي قامت به الصين وروسيا، وحديث السياسي البريطاني اليميني نايجل فاراج عن أن العملية جيدة إذا ساهمت في ردع روسيا والصين، فإن العملية بالأحرى تؤكد توجهات سياسة ترامب الخارجية في ولايته الثانية، كما أوضحتها استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي نشرت مؤخرا، والتي تركز على عقد «صفقات سلام» في أنحاء العالم، والتركيز على أمن نصف الكرة الغربيّ، في استعادة لمبدأ مونرو الذي أعلن عام 1823 (وأعاد ترامب تسميته بمبدأ دونرو) وهي استراتيجية تؤشر إلى الابتعاد عن دول القارة الأوروبية، وهو ما عكسه تحذير الأمين العام لحلف الأطلسي بقوله: «نحن الأوروبيين سنكون هدف روسيا المقبل».
ما حصل، باختصار، زلزال عالميّ كبير، سنشهد ارتداداته العاصفة في الكثير مما يحصل في المنطقة العربية والعالم.
- القدس العربي


























