إنه سؤال الساعة لدى شريحة واسعة من السوريين المنشغلين، كسواهم من شعوب العالم، بتتبع المشهد الدرامي لاعتقال الرئيس الفنزويلي وعقيلته، من جانب القوات الأميركية، وتغيير المشهد السياسي في واحدة من أبرز دول أميركا اللاتينية، في غضون ساعات. ويتضمن السؤال -من جانب معظم من يطرحه- تشكيكاً بالنوايا الأميركية حيال سوريا، بالذات. انسياقاً، كما هو المعتاد، وراء نمط التفكير المؤامراتي، المتجذر في العقلية السورية.
ويورد طارحو هذا السؤال نماذج أخرى من التدخل الأميركي المباشر للإطاحة بحكامٍ، كما حدث مع صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا. وهو ما لم يحدث في سوريا. وفي الإجابة على هذا السؤال: “لماذا لم تطح أميركا بالأسد بعيد 2011؟”، يفترق السوريون، وفق خلفياتهم. فأنصار النظام السابق وفلوله، سيخبرونك أنهم فعلوا ذلك بشكل غير مباشر عبر دعم “المعارضة العميلة”. وأن “صمود الأسد” أخّر لحظة السقوط. أو أن “العميل” الذي تريد أميركا إيصاله إلى سدة السلطة، لم يكن جاهزاً بعد. وعلى الضفة المقابلة، يخبرونك أن أميركا، ومن خلفها اللاعب الإسرائيلي، أرادوا لسوريا أن تمرّ في هذا المسار الطويل من الاقتتال والتدمير والذي أنتج شرخاً مجتمعياً هائلاً، يتطلب ربما عقوداً لرتقه. فهم أرادوا “تدمير سوريا”. لا كبنيان مادي فقط، بل كبنيان بشري أيضاً.
وفي الإجابتين، نقاط ضعف جليّة. ففي الأولى، يتجاهل “أنصار النظام وفلوله” حجم الأدلة التي توالت على مدار عقد ونصف، والتي أكدت عدم رغبة أميركا في التدخل المباشر لإسقاط الأسد. فالتدخل المباشر لمقاتلي حزب الله في سوريا، وغض الطرف الإسرائيلي عن ذلك، ومن ثم التدخل المباشر للميليشيات المحسوبة على إيران، وغض الطرف الأميركي عن ذلك، وصولاً إلى التدخل المباشر لروسيا تحت أنظار الأميركيين، كلها أدلة جليّة على أن واشنطن لم تكن راغبة في بذل الموارد الكافية للتحكم بالمشهد السوري. فواشنطن اكتفت خلال عقد ونصف، بلجم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والسيطرة على الثلث “الشمالي الشرقي” من سوريا، لوضع موطئ قدم، يتيح التأثير في الواقع السوري ومستقبله، لا التحكم فيه. والفارق كبير بين (التأثير، والتحكم). وقد بقي الأسد في دمشق، لسنوات، آمناً من أي تهديد إسرائيلي أو أميركي جدّي، إلى أن خلطت عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول 2023، كل الأوراق، وحرقت سنوات من مبدأ التعايش وفق قواعد لعبة في حرب باردة، بين المحور الإيراني وإسرائيل. فتغيّر المشهد تماماً.
أما الإجابة الثانية، التي تتحدث عن رغبة أميركا في “تدمير سوريا”، فهي غير منسجمة منطقياً مع ما نراه الآن من احتضان أميركي للنظام القائم في دمشق، ودعمه في توفير فرص لإعادة إعمار البلاد، وتحقيق الاستقرار فيها. وهو احتضان يتماشى مع نظيره الأوروبي والإقليمي، ويتعارض مع الرغبة الإسرائيلية.
بطبيعة الحال، من الصعب تفنيد كل بنود النقاش المبني على عقلية تخضع لنظرية المؤامرة. ففي شتاء 2024، نشرت دورية “تبيّن” الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، دراسة “حول نظرية المؤامرة”، خرجت فيها بجملة خلاصات، من بينها، أن نظريات المؤامرة غير قابلة للدحض. وهذا ما عُرف عنها منذ أمد طويل. مما يجعل الاشتباك مع كل منها، قضية مرهقة. ويراه كثير من الباحثين، مضيعة للوقت.
لكن، هل من إجابات موضوعية لسؤال: “لماذا لم تطح أميركا بالأسد كما فعلت بمادورو؟”. بالتأكيد، هناك. إحداها، تلك المتعلقة بالنفط. ففي حالات التدخل الأميركي المباشر، في العراق، ليبيا، وفنزويلا، نجد القاسم المشترك: احتياطي ضخم من النفط. والرئيس الأميركي دونالد ترامب، بصراحته المباشرة والفجة، لم يخف ذلك. قالها، بصريح العبارة، بخصوص فنزويلا. وكما نعلم، فهذا البلد يحتوي أكبر احتياطي نفطي في العالم. وحالات العراق وليبيا، تندرجان في موضع قريب من هذا السبب أيضاً. فالبلدان ضمن قائمة الدول العشر التي تملك أكبر احتياطيات نفطية في العالم. إلى جانب إيران كذلك. فالعين على هذه الأخيرة. فماذا عن موضع سوريا من هذا العامل (النفط)؟ نذكر هنا تصريحاً قديماً لوزير الخارجية السوري الأسبق، وليد المعلم. ورغم أن لهذا الأخير تصريحات عديدة مثيرة للسخرية، بعيد 2011، إلا أن من بين أكثر تصريحاته موضوعية، تلك التي قال فيها إن نظام الأسد لا يخشى غزواً غربياً -أميركياً- لأنه لا يوجد نفط في سوريا، كالذي لدى ليبيا.
بطبيعة الحال، سيجيبنا أتباع “نظريات المؤامرة”، أن سوريا تطوف على بحيرات من النفط والغاز والثروات الباطنية. لكن المصادر الغربية لا تكشف ذلك. ومرة أخرى، يصعب تفنيد هذه النظريات، نظراً لرفض أصحابها النقاش داخل دائرة المصادر المتعارف عليها. ففي هذه المصادر، نعلم أن احتياطي سوريا المؤكّد من النفط، نحو 2.5 مليار برميل. بينما احتياطي ليبيا يتجاوز 48 مليار برميل، واحتياطي العراق يتجاوز 145 مليار برميل، أما احتياطي فنزويلا فيتجاوز303 مليار برميل. وهنا، يمكن ملاحظة ضآلة دور النفط في سوريا، كعامل جاذب لتدخل عسكري خارجي لأسباب اقتصادية. وقد يستدل البعض بتصريح قديم لترامب، عام 2019، حينما قال إنه يتوقع أن تجني بلاده ملايين الدولارات شهرياً من عائدات النفط في سوريا طالما بقيت القوات الأميركية هناك. وقد قال ترامب ذلك التصريح في معرض تبريره للتراجع عن قرار الانسحاب من سوريا، بعد أن تعرّض لضغوط من المخابرات ووزارة الدفاع، دفعته للإبقاء على بضعة مئات من الجنود الأميركيين في شمال شرق سوريا، للحفاظ على موطئ القدم الذي يوفّر لواشنطن القدرة على التأثير بالمشهد السوري. وهو ما تجني واشنطن ثماره الآن، عبر النفوذ الذي تملكه على “قسد”، وقدرتها على تحديد إن كان شمال شرق سوريا سيعود لسيطرة العاصمة، أم لا.
لم يكن بقاء أميركا في شمال شرق سوريا، هدفه النفط. فإيراداته كانت -ولا تزال- مخصصة لتمويل “قسد”. التي تحصل أيضاً، فوق التمويل الناجم عن النفط، على تمويل سنوي من وزارة الدفاع الأميركية.
بطبيعة الحال، هناك أسباب أخرى غير النفط، تقف وراء إطاحة واشنطن بمادورو. فالنفط هو رأس جبل الجليد، الذي يحبذ ترامب التذرع به لتبرير توريط بلاده في حروب خارجية، لا يريدها الشارع الأميركي، خصوصاً من أنصاره. لكن هناك أسباب أخرى، أبرزها، الحاجة لاستعادة “الهيبة الأميركية” التي تضعضعت دولياً خلال السنوات العشر الفائتة. ومن هنا نفهم الانخراط الأميركي في عمليات عسكرية خاطفة كما حدث ضد إيران في حزيران الفائت، وضد فنزويلا، قبل يومين. هي الحاجة لإثبات فردانية القوة الأميركية في مواجهة الصعود الصيني، بصورة خاصة. وتسجيل النقاط على خصوم واشنطن في بكين وموسكو، بإزالة حليف جديد لهم، كان يقبع في “الحديقة الخلفية” لأميركا.
وبالمقارنة بين فنزويلا وسوريا، في معيار المصلحة الأميركية، تبدو المسافة شاسعة للغاية. فسوريا لم تملك الإغراء الاقتصادي، ولم تشكّل التهديد الأمني، الذي يتطلب تدخلاً مباشراً للإطاحة بنظام حكمها السابق. لذا اكتفى الأميركي باحتواء فوضاها، ببضعة مئات من الجنود.
- المدن



























