على مدى عقود حكم النظام السوري السابق، لم تقتصر الاعتقالات والانتهاكات على فئة أو منطقة معينة، بل طالت شرائح واسعة من السوريين، بينهم علويون من الساحل السوري ومدينة حمص.
هؤلاء وجدوا أنفسهم خارج السردية الرسمية التي حاولت تصوير الطائفة بأكملها كمتحالفة على نحوٍ مطلق مع السلطة.
من عارض النظام أو انخرط في نشاط سياسي أو فكري مناهض له، دفع أثماناً باهظة: سنوات من العمر، تشتت عائلي، تهميش متعمد. بقيت معاناتهم مهمشة لسنوات طويلة، تُذكر نادراً، ولا تُوثَّق إلا في شهادات فردية متفرقة.
هذا التقرير يسلط الضوء على ثلاثة نماذج حقيقية من هؤلاء المعتقلين العلويين الذين عارضوا النظام السابق، إذ تعرضوا للاعتقال والتعذيب والقمع، ثم خرجوا إلى حياة مثقلة بالرقابة والإقصاء، وفق شهادات خاصة للـ”المدن”.
محمد صالح: أربعة عقود بين السجن والمراقبة
محمد صالح (مواليد 1957)، عضو سابق في حزب العمل الشيوعي، اعتُقل عام 1988 في إطار حملة أمنية واسعة.
يروي صالح في حديثه لـِ “المدن” أنه قضى 12 عاماً في سجن صيدنايا (1988-2000)، ثم انتقل إلى فرع فلسطين حتى آذار/ مارس 2001، مبيناً أنه في تلك الفترة، احتُجزت زوجته كرهينة حتى أيلول/ سبتمبر 1990.
بعد الإفراج عنه، شارك في تأسيس مبادرات مدنية لمواجهة التصعيد الطائفي في العام 2006، ثم أعاد تفعيلها مع اندلاع الثورة في العام 2011 عبر “لجنة التضامن الأهلي”.
هذا النشاط عرضه للاعتقال في العام 2016 بتهمة “إصدار بيان ضد الدولة”، فردّ بقوله: “إذا كان هذا البيان ضد الدولة، فبئس تلك الدولة”.
شارك في وساطات لإطلاق مختطفين، تفاوض مع فصائل وجماعات، وحتى مع إيران لإدخال مساعدات إلى مدينة داريا بريف دمشق.
وبعد لقائه وفداً روسياً في أيلول/ سبتمبر 2011 وتقديمه مطالب سياسية (دستور جديد، انتخابات بإشراف دولي)، اعتُقل من المخابرات الجوية، وأُفرج عنه بعد تدخل روسي، لكنه تعرض لاعتداء وحشي في الليلة ذاتها.
استمر في دعم المحاصرين في حمص القديمة، وتفاوض لفتح ممرات آمنة للنساء والأطفال.
في أواخر 2015، اعتُقل مجدداً بعد انتقاده القصف الروسي، وبقي حتى آذار/ مارس 2017.
يذكر صالح في سياق حديثه أن القضية ظلت مفتوحة حتى نيسان/ أبريل 2025، ثم عاد الاعتقال الأخير في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 لمدة 17 يوماً.
محمود عيسى: السجن كمسار حياة
من طرطوس، يروي محمود عيسى في حديثه لـِ “المدن” مسيرة اعتقال امتدت 12 عاماً على خمس مراحل، بدأت في العام 1992 بسبب انتمائه لحزب العمل الشيوعي وجرأته في نقد التجربة السوفييتية.
بعد الإفراج الأول في العام 2000، اعتُقل مرتين في العام 2006. ومن داخل سجن عدرا أكمل دراسته في الحقوق وتخرج في العام 2009، وكتب مقالات داعمة لـِ “إعلان بيروت- دمشق”، وهذا ما زاد من الضغط الأمني عليه.
مع الثورة، وثّق “اعتصام الساعة” في حمص (18 نيسان/ أبريل 2011)، معتبراً إياه لحظة ولادة وعي جماعي يتجاوز الطائفية والمطالب الضيقة، تعبيراً عن رغبة الناس في الحوار والحرية والاعتراف بالإنسان.
لكن الاعتصام قُمع في اليوم التالي بالرصاص، واعتُقل العشرات، وحُوصر منزله قبل أن يُعتقل بعد تدخل جيران أنقذوا طفليه.
في السجن تعرض لتعذيب شديد، وسُئل: “هل تحب الأضواء؟” فأجاب: “أحب الحقيقة، حتى لو كانت في الظلام”.
اعتُقل مرة رابعة في السويداء في العام 2012، ثم اختبأ سبع سنوات حتى نهاية 2019.
يقول إن السجن لم يكسره، بل علّمه أن العمل السياسي ليس مهنة بل أسلوب حياة، وأن الحرية ممارسة يومية: تعبير، تمثيل، اختلاف، تحول سلمي للسلطة.
اليوم يرى أن الديمقراطية في سوريا ليست رفاهية، بل شرط بقاء لإعادة بناء الثقة بين الناس وبينهم وبين الدولة.
وثّق عيسى تجربته في كتابين: “مطر الغياب” و”طوفان حمص”، لأن “الذاكرة سلاح في وجه النسيان، والنسيان جريمة”.
سهيل شما: علويون خارج الامتياز المزعوم
الناشط سهيل شما، من طرطوس، يشرح في حديثه لـِ “المدن” لماذا انخرط عدد كبير من الشباب العلويين في أحزاب معارضة، لا سيما حزب العمل الشيوعي. يشير إلى غياب مرجعية دينية قوية وضعف التمثيل السياسي، وهو ما دفع الكثيرين للبحث عن بدائل فكرية.
في منتصف السبعينيات تشكلت حلقات ماركسية في الساحل (60 في المئة من أعضائها علويون)، ثم توحدت في رابطة العمل الشيوعي التي تحولت في العام 1981 إلى حزب أعلن صراحة أن النظام “دكتاتوري لا وطني طائفي”، ودعا لإسقاطه بالثورة الشعبية ودعم “الضباط الأحرار”، وفق روايته، حيث رد النظام باعتقالات واسعة وقمع عنيف.
شما، الذي انضم متأخراً في العام 1995، تعرض لتعذيب شديد في فرع فلسطين (الكرباج، الدولاب، الكرسي الألماني)، ثم نُقل إلى صيدنايا حيث عانى “الباب الأسود”، وهو مهجع تُكسر فيه الإرادة، حيث حُكم عليه بأربع سنوات مع الأشغال الشاقة وحرمان مدني ووظيفي.
يؤكد شما في روايته أن معاناة العائلات كانت أقسى: فقر، تنمر، مضايقات، أما أحكام زملائه العلويين فتراوحت بين 4 و23 سنة، ومنهم الدكتور عبد العزيز الخير المغيب منذ 2012.
الحزب شارك في “ربيع دمشق” ودعم الثورة مبكراً، لكن العسكرة أضعفت العمل السلمي، ورغم مخاوف العلويين من صعود فصائل متطرفة، تبدد الخوف سريعاً؛ فلم تظهر تلك المجموعات في الساحل إلا رمزياً، وأدرك الناس أن الرعب الذي زرعه النظام كان وهماً.
اليوم في طرطوس، العلاقات بين الطوائف طبيعية وغير مفتعلة، لكن تأخر العدالة الانتقالية وعدم محاسبة مرتكبي الجرائم (خطف، قتل) يُضعف الثقة بالسلطة ويُعطي فرصة لـِ “تجار الأزمة” مثل غزال غزال للترويج لمشاريع تقسيمية أو فساد.
ويختم شما بالقول: “لا نطلب عفواً عاماً، فهذا ما يريده المجرمون فقط، نريد عدالة انتقالية حقيقية ومحاسبة كل من أضر بالشعب السوري، كنا جزءاً من معركة إسقاط الاستبداد، وما زلنا جاهزين لخدمة سوريا الجديدة إذا أُتيحت الفرصة”.


























