دمشق – «القدس العربي»: ناشد مستشار الرئيس السوري لشؤون القبائل والعشائر، جهاد عيسى الشيخ، العشائر العربية والأكراد في محافظات الجزيرة الثلاث، الجنوح إلى طريق السلم الذي يفتح باب الحوار، من دون طريق الحرب الذي لا مستقبل له، فيما وضع «مجلس سوريا الديمقراطية – مسد» مجموعة مطالب لـ«استعادة المسار السياسي».
لا تنتج إلا الدمار
وفي رسالة منه إلى «شيوخ ووجهاء العشائر العربية في شرق الفرات وإلى الإخوة الأكراد شركاء الأرض والتاريخ والمصير»، قال الشيخ، إن التجارب أثبتت أن الحرب لا تنتج إلا الدمار، وأن السلاح مهما بدا مغريا في لحظة غضب، فإنه لا بيني دولة إذا كان مرفوعا في وجه شركاء الوطن، مؤكدا أن الحرب تهدم القرى قبل المدن، وتكسر النسيج الاجتماعي قبل أن تسقط الخصوم، وتفتح أبواباً لا تغلق من النار والكراهية والتدخلات الخارجية.
وفي رسالته التي نشرها عبر صفحته على منصة «إكس» قال إن الحكومة السورية الجديدة، وهي تتحمل مسؤوليتها الوطنية والتاريخية، تؤكد بوضوح لا لبس فيه أن خيارها الأول والأصيل هو السلم والحوار والشراكة الوطنية وبناء دولة يتساوى فيها المواطنون تحت سقف القانون، دون تمييز أو إقصاء، مؤكداً أن السلم ليس ضعفاً بل هو أعلى درجات الحكمة، وهو الطريق الوحيد لإعادة الإعمار، وعودة المهجرين واستقرار الاقتصاد، وحفظ كرامة الجميع.
وخاطب الشيخ العشائر العربية في شرق الفرات، قائلا: كنتم صمام أمان للمجتمع وحماة للأرض والعرض، وركنا أساسياً من أركان الاستقرار، ودوركم اليوم أعظم من أي وقت مضى، هو دور العقل لا الانجرار، دور التهدئة لا التصعيد، ودور جمع الكلمة لا تمزيقها، فالعشيرة القوية ليست التي تكثر من السلاح، بل التي تمنع الفتنة وتحفظ الدم وتقدم مصلحة الوطن على أي حساب ضيق.
كما توجه إلى الأكراد وقال: أنتم جزء أصيل من سوريا، جذوركم ضاربة في تاريخها وتضحياتكم لا تنكر، وحقوقكم لا يجوز أن تكون موضع جدل أو مزايدة، معتبراً أن مستقيل الأكراد في سوريا لا يكون بالتصادم مع محيطهم الوطني، ولا بالرهان على مشاريع خارجية عابرة، بل بالشراكة الصادقة داخل دولة واحدة عادلة وقوية بجميع أبنائها.
عقد اجتماعي جديد
وشدد الشيخ على أن «الحرب ليست خياراً مرغوباً لدى الحكومة السورية الجديدة، ولا تسعى إليها، ولا تتمنى وقوعها، لأنها تدرك أن كلفتها ستكون باهظة على الجميع دون استثناء، لكنه أوضح أن الدولة، في الوقت ذاته، لا يمكن أن تتخلى عن واجبها في حماية وحدة البلاد وسيادتها وأمن مواطنيها، وإذا فرضت الحرب فرضاً، ولم تترك مساحة للسلم، فإن من يدفع إليها ويتسبب بها سيتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية عن نتائجها.
مطالب لـ «مسد» لاستئناف المسار السياسي بينها إعادة هيكلة الجيش
وذكر الشيخ أن سوريا أمام مفترق طرق واضح إما طريق السلم الذي يفتح باب الحوار ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويمنح كل مكون حقه ضمن الدولة، وإما طريق الحرب الذي لا رابح فيه ولا مستقبل له ولا ذاكرة يحمد عقباه، وقال: لنختر الحياة على الموت، والعقل على الانفعال، والوطن على المشاريع الضيقة، والسلام على الحرب، وهذه رسالة مسؤولية لا تهديد، ورسالة أمل لا إنذار، ورسالة وطنية تقول: سوريا تتسع الجميع، ولا تبنى إلا بالجميع.
اشتراطات «مسد»
في حين أصدر المجلس العام لـ«مجلس سوريا الديمقراطية – مسد» بيانا انتقد فيه اعتماد دمشق «منطق القوة العسكرية وسيلةً وحيدة لحسم الملفات، وهو ما يشكل وَأْداً للعملية السياسية في مهدها» حسب تعبيره.
وقال «مسد» في بيان عبر صفحته الرسمية على «تليغرام» إن «الأحداث الدامية في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، شكَّلت نموذجاً صارخاً لهذه المنهجية، حيث استُخدمت المدرعات والأسلحة الثقيلة بشكل مكثف في مناطق مدنية، ما أدى إلى مجازر وانتهاكات جسيمة، وهذا النموذج ليس معزولاً، بل هو امتداد لمنهجية تجلت سابقاً في أحداث الساحل وحمص والسويداء وريف دمشق، مما يؤكد نمطاً متكرراً في التعامل مع الخلاف السياسي عبر الحل العسكري».
وقال البيان إن «مسد» يحمِّل المسؤولية الكاملة لمتّخذي القرار السياسي والعسكري في السلطة المؤقتة عن هذه الانتهاكات، التي تشمل استهداف المدنيين والمرافق الطبية الحيوية، وخرقاً للاتفاقيات وسابقة خطيرة تهدد أي تفاهم أو حوار مستقبلي». وعدد «مسد» مطالب اعتبرها تمثل حداً أدنى لاستعادة المسار السياسي وخطوات لاستعادة الثقة، وفي المقدمة منها «الوقف الفوري لكافة الأعمال العسكرية في المناطق المدنية، وفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في كافة الانتهاكات والمجازر المرتكبة، ومحاسبة جميع المسؤولين السياسيين والعسكريين عنها، مع ضمان عدم تكرارها من خلال آليات رقابة مدنية مستقلة ودولية».
وشدد على «ضرورة إعادة التأكيد على الالتزام الكامل باتفاقيات 10 آذار/ مارس و1 نيسان/ إبريل كأساس لأي حوار، واستئناف المفاوضات الجادة في إطار سوري – سوري شامل، بعيداً عن منطق الإملاء والإخضاع، مع العمل على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية مهنية تحمي البلاد ولا تهدد شعبها، وتخضع للسلطة السياسية المدنية المنتخبة، كشرط أساسي لبناء دولة القانون والمواطنة، والبدء بالعمل على عقد مؤتمر وطني سوري شامل».
ورأى أن «مستقبل سوريا يُبنى بطاولة الحوار والمشروع الوطني الجامع، لا بساحة المعركة والمنطق الأمني الأحادي، وإن وحدة سوريا ستكون عبر الاعتراف بتنوعها وبتشاركية حكمها، لا عبر إعادة إنتاج المركزية القمعية».
الناشط السياسي والحقوقي محمود مرعي توقع أن تشهد مناطق أخرى في ريف حلب، معارك جديدة وبغض نظر أمريكي، وخصوصاً في منطقة دير حافر، حيث توجد «قوات سوريا الديمقراطية» بأعداد كبيرة مع سلاح ثقيل، والدولة السورية على ما يبدو لديها الرغبة في السيطرة على كامل مساحة محافظة حلب لتكون تحت سيطرة الجيش السوري.
واعتبر في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن النسبة الصغيرة من الكرد من سكان محافظتي الرقة ودير الزور، هي عوامل تصب لمصلحة الدولة السورية التي تعمل لتصبح المحافظتان تحت سيطرة الجيش السوري، لكن الأمر قد لا يسير بهذا المنحى، وربما تعمل واشنطن للضغط على كل الأطراف للوصول إلى حل سياسي، وعقد صفقة لتمرير لا مركزية إدارية موسعة، وكذلك الحال بالنسبة لمحافظة الحسكة، معبراً عن قناعته بأن الحكومة السورية موافقة على اللامركزية ومن الممكن الوصول إليها عبر تحقيق التشاركية ودمج «قسد» و«الأسايش» في وزارتي الدفاع والداخلية مع التشاركية في باقي مفاصل الدولة من البرلمان والحكومة.
وتابع: الدولة على الأغلب توافق على مركزية لا إدارية، و«قسد» تريد لا مركزية سياسية، ولم يتم إلى الآن التوصل إلى اتفاق حول الموضوع، لكن الراعي الأمريكي الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع دمشق و«قسد» من الممكن له أن يتدخل لتحصل الأخيرة على لا مركزية إدارية موسعة في هذه المنطقة، وهذا أمر يمكن أن ينسحب على كامل الجغرافية السورية بما فيها الساحل والسويداء، على اعتبار أن اللامركزية الإدارية الموسعة، ليست إلا تطبيقاً لقانون الإدارة المحلية رقم 107 بشكل معدل وبما يمكن أن يسمح بإدارة المناطق من قبل سكانها.
ورأى أن الخطوة مهمة وجيدة، ومن الممكن أن تنعكس إيجاباً على تماسك البلاد ووحدتها، فنحن لا نريد لسوريا أن تتقسم ولا أن تتفتت، واللامركزية الإدارية يمكن لها أن تضع حداً لكثير من الإشكالات الكبيرة التي سببتها الحرب خلال 15 عاماً، وهذه أمور تحتاج إلى عملية سياسية لإعادة الوئام والاندماج بين جميع المكونات السورية.
وأوضح أن الأوضاع في شمال شرق سوريا متداخلة جداً، فهناك عشائر مع «قسد» وأخرى مع الدولة، ومن الممكن أن تكون المعركة طويلة باعتبار المساحات واسعة جداً، ونأمل أن يكون الحل بالطرق السياسية والدبلوماسية على اعتبار ان الحل العسكري مكلف لكل الأطراف، مشيراً إلى أن المطلوب من الدولة ومن «قسد» مزيد من الحوار وتغليب لغة الحكمة والعقل، وتغليب مصلحة الدولة على كل المعطيات الأخرى، كما مطلوب من الحكومة الانفتاح على كل التنوع السوري إن كان في الجنوب أو الساحل او الشمال الشرقي، فلا يمكن لسوريا أن تحكم مركزيا كالسابق، وما جرى خلال 15 عاما أدى إلى تأجيج معطيات وقيم ما قبل الوطنية.
وختم بالقول: نتمنى على الحكومة والسلطة الجديدة في سوريا أن تنفتح على القوى السياسية وأن تهيئ لمؤتمر حوار وطني حقيقي وجاد للخروج من الأزمات التي لا يمكن أن تحل إلا بالسياسة، أما العسكرة فيمكن أن تفتت البلاد وتفتح الباب أمام الدول المجاورة والفاعلة للتدخل في الشأن السوري أكثر.
- القدس العربي

























