زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله هو زمن سياسي لا بد له من سياسة أقاصٍ جذرية

ياسين الحاج صالح

    • ربما يُذكّر عنوان هذه المقالة بِعنوان كتاب إريك هوبسباوم The Age of Extremes (تُرجم إلى العربية بعنوان عصر التطرفات) الذي يتكلم فيه على «القرن العشرين القصير» الذي بدأ بالحرب العالمية الأولى عام 1914 وانتهى عام 1991 بتفكُّك الاتحاد السوفييتي وانهيار المشروع الاشتراكي. فضلاً عن حربين عالميتين غير مسبوقتين من حيث تَعدُّد الأطراف، ومقدار العنف، وعدد الضحايا (يفوق مجموعهم 60 مليوناً)، شهدت هذه العقود الثورة البلشفية التي بدت للملايين في كل مكان من العالم فجر عصر جديد، وكذلك صراعات وحروبَ تحرر وطني وظهورَ حركة عدم الانحياز، ثم أُفول ذلك كله قبل نهاية القرن العشرين الذي كان «قصيراً» لذلك بالذات: 77 عاماً. ولعلَّ عصر الأقاصي كان ترجمة أنسب لعنوان الكتاب.

      1

      زمنُ الأقاصي الذي نَنظُر فيه هنا هو زمن سوريٌّ، عقد ونصف منذ بداية الثورة السورية إلى نهاية العام الأول بعد سقوط الحكم الأسدي المديد. هذا زمن أقاصٍ وقُصْوَوِيَّات (تطرفات) مُتعددة المستويات، مثيرٌ وصادم من خارجه ومؤلمٌ بالغ القسوة من داخله، سقط فيه كمجموع ما لا يقلُّ عن نصف مليون من الناس وما قد يصل إلى ثلاثة أرباع المليون. ويبدو اليوم أن هذا الزمن مستمر بصورة مغايرة، لا تلوح له نهاية. يوماً ما، قد نعتمد عنوان المسألة السورية لتسمية شرطنا منذ الثورة ومساراتِ الصراع السوري المضطربةِ مروراً بسقوط الحكم الأسدي وما أعقبه من مجازر وتوسِّعٍ إسرائيلي وارتجاجاتٍ مستمرة، وإلى غدٍ لا نعلم ما سيأتي به.

      على مستوى الوقائع نعرف تقريباً معظمَ ما جرى، وإن كنّا لا نُحيط بخفايا كثيرة على الأرجح. ثورةٌ اجتماعية سياسية في سياق «الربيع العربي»، سلمية ثم سلمية ومسلحة ضد نظام مُتغَوِّلٍ (أبديّ ووراثيّ وقائم على استثناء دائم أو تعليق دائم للقانون)، ثم صراعٌ طائفي عنيف، وسلسلة مجازر مروّعة، ودمارُ مدنٍ وأحياءٍ من مدن وبلدات، وظهورُ العدمية الإسلامية النافية للعالم ابتداءً من عام 2012. ومن ملامح الأقاصي ظهور كائنات مستحيلة وغوليّة، بلغت الذروة في داعش، وهو تشكيل ديني سياسي منحرف، جمع حيث سيطر بين خصائص منظمة إرهابية وحكم تَجسسيٍّ شمولي واستعمار استيطاني إحلالي. وتَمزقَ المجتمع السوري أشدَّ التمزُّق وتطورت قوى جنوح وانحراف وجريمة على أطراف الصراع وفي قلبه، من جهة النظام ومن جهة الناهضين اسمياً في وجهه.

      عرفت سنوات ما بعد 2011 بطولاتٍ وشجاعاتٍ استثنائية من سوريات وسوريين كثيرين، ونذالاتٍ خارقة من سوريين آخرين، من طرف الحكم الأسدي الذي اتَّصف بخسَّة استثنائية ربما لم تَتَكشّف بكامل أبعادها إلى اليوم، كما من طرف مجموعاتٍ إسلامية مسلحة، شاطرته الفَتكَ بقطاعات من المجتمع السوري، وفرضَ تصورٍ ضيقٍ لما يجب أن تكون عليه الحياة والمجتمع في مناطق سيطرتها: حياة عبدة خائفة. واستُخدِمت في سنوات الصراع المتوفر من أسلحة مطلقة، مثل الرؤوس الكيماوية والبراميل المتفجرة وصواريخ سكود والقنابل الفوسفورية، والعمليات الانتحارية وقطع الرؤوس، ومُورِست أشكال قصوى من التعذيب في سجون النظام ومقراته الأمنية، وعند داعش ومجموعات إسلامية أخرى مثل جيش الإسلام وهيئة تحرير الشام التي ينحدر منها الحكم الحالي. ومُوِرس الخطف والتغييب على نطاق واسع من قبل النظام وداعش وجيش الإسلام، ويُقدر عدد مجهولي المصير اليوم بنحو 160 ألفاً بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. ولإخفاء الجثث كانت داعش ترميهم في انهدام أرضي غائر قرب بلدة الحمّام شمال الرقة، فيما دفنهم النظام في مقابر جماعية، نعلم اليوم بفضل تقريرٍ حديث لرويترز أنّه ابتداءً من 2018 شرع بنقلها من قرب بلدة القطيفة إلى الصحراء قرب بلدة الضمير.

      ما تقدم يكفي لإعطاء انطباع بالإفراط، بالأقاصي، بتجاوز الحدود، حدود الجسم البشري (رأينا نماذج لها في ملف قيصر، وفنياً في رسوم نجاح البقاعي) وحدود العقل (عبر التغوّل وظهور كائنات وممارسات مستحيلة)، وحدود الضمير (كل خيانة وغدر ممكنين). الواقع أن الأجساد، أجسادَ السوريين، كانت مسرح الأقاصي، عُذِّبت واغتُصبت واختَنقت ومُزقت وغَرقت، ورُجمت وصُلبت وقُطّعت أطرافُها واستُعبدت، وذُعرت وماتت جوعاً ومرضاً، وتَكسَّرت فردياً وجمعياً بألف صورة (لا نعلم عددَ من فقدوا أجزاءً من أجسامهم، أصابع أو أيد أو أرجل أو أعين…، أو من فقدوا عقولهم أو أجزاء كبيرة منها). زمنُ الأقاصي زمن إبادة، زمن «الحياة العارية»، المُنكشفة والمردودة إلى الحيوانية، زمنٌ بيولوجي. وهو ما يشمل الاعتداء على الموتى عبر نقل المقابر الجماعية، أو نبش مقبرة ضحايا المجزرة الكيماوية في الغوطة الشرقية بعد سيطرة النظام عليها، أو تحطيم شواهد القبور وطمسِها مما برع فيه الدواعش.

      كان سقوط النظام الأسدي حدثاً عظيماً، جيولوجياً بالفعل، تحقق في النهاية بسلسلة معارك قصيرة محدودة الكلفة، وخلال وقت مفاجئ في قصره، قياساً إلى «الأبد» الذي راهن عليه الأسديون ونجحوا في ضمانه لأنفسهم لوقت طويل، وقياساً إلى الأهرامات الأمنية التي بنوها وكانت معابد للتعذيب واليأس المُطبق، انهارت في النهاية دون دفاع يُذكر عن نفسها، ثم قياساً إلى الزمن الطويل والفوالق العميقة التي تفصل أطوار الصراع بين بداية الثورة وسقوط النظام.

      تحقق هذا على يد منظمة سليلة للقاعدة، كانت ولا تزال تحمل بصمات الأصل من مجاهدين أجانب، ومن مسالك دينية متطرفة، ومن مظهر للمُقرِّرين ضمن التشكيل الحاكم الجديد: مُلتَحون، لأول مرة في تاريخ البلد. هناك أكثر من استحالةٍ واحدةٍ في سيرة حاكمينا اليوم: كانوا جهاديين بالغي التطرّف، عدميين بحقٍّ بين مطلع 2012 وربيع 2013 (ينفون الكيان السوري والمجتمع الحديث والعالم معاً)، ثم ظلّوا متطرفين لكن في ابتعاد عن أقاصي العدمية (بين الانفصال عن داعش في نيسان 2013 والانفصال عن القاعدة في 2016)، ثم قوةً دينيةً متشددةً وطائفيةً أخذت تفكّر بنفسِها ككيان سُنّيٍّ وتعمل على أن تُقبل عالمياً (بين 2016 و2024)، ثم كقوّة سلطة محافظة فوجئت بسيطرتها على الحكم، ولا تتحكم تماماً بالبلد ولا بتشكيلات القوة التي يُفترض أنها تقودها (كانون الأول 2024- …). اللحى صارت أقصر، ومُشذبة أكثر، في هذا الطور الأخير.

      وقد لا تكون هذه أطوراً يمحو اللاحق منها السابق، أو استحالات تحكم باستحالة الرجوع من حالة أحدث إلى حال أقدم، بل هي أقرب إلى طبقات يكون أقدمها في التاريخ أعمقها في التكوين، لكن يمكن أن يطفو إلى السطح في أوضاع الأزمة. ويبدو أنه طفى جزئياً مرتين في أزمتي الساحل والسويداء، ويمكن أن ينقلب المسار كلياً في مواجهة أزمة وجودية.

      وما شهدناه بالعرض البطيء خلال 13 عاماً تفصل بين ظهور جبهة النصرة في بدايات 2012 وسقوط النظام في أواخر 2024، شهدناه بالعرض السريع خلال 13 شهراً بين الموعد الأخير واليوم. موجتا مجازر ضد العلويين والدروز، وتركيز السلطة في أيدي طيفِ قوىً إسلاميةٍ سُنّيّة، سلفية بخاصة، ومسالك «براغماتية» للقبول الداخلي والدولي، ومحاولةُ اتفاق سياسي أمني مع إسرائيل، وفي العموم مسار ارتجاجيٌّ كثيرُ المطبّات وغيرُ مضمون العواقب.

      خلال 3 أيام أو أربعة قُتِل ما لا يقلُّ عن 1500 من العلويين في أكبر مجزرة يتعرضون لها منذ نشوء الكيان السوري الحديث، بل ومنذُ قرونٍ. وخلال أيام قليلة كذلك قُتِل ما يتراوح بين 1000 و2000 من الدروز، في أكبر مجازرَ يتعرضون لها في سورية طوال تاريخهم. وفي الموجتين، ظهرت قوات الحكومة وقواتٌ موالية لها في شكل عصاباتِ عنفٍ هوجاء، غريبةٍ كلَّ الغرابة عن فكرة الدولة والوطنية والمواطنة. وشهدت موجتا المجازر خطفَ نساء في تقليد استباحة وينتمي إلى تاريخ السبي والاستعباد، وكانت مارسته داعش بحق الإيزيديّين، ومارسه جيش الإسلام بهمّة بدءاً من الشهر الأخير في عام 2013.

      وثارت الانفعالات ضمن المجتمع السوري إلى أَمدَاء غير مسبوقة من حيث الحدّة والاتِّساع، وصار مألوفاً التعبير عن الدعوة إلى الانفصال وتقسيم البلد، وانتشرت تعبيرات عدم احترامٍ وكراهية صاعقة.

      وعموماً لم تَظهر قطاعاتُ المجتمع السوري مُنقسمةً على نفسها، متناحرة، متباغضة، انتحارية المزاج، عنيفة، مستقتلةً وراغبة بقطع الروابط بينها، أكثرَ مما في عام ونيف عِقب نهاية الأبد الأسدي. بعضُ «الفضل» في ذلك يعود إلى ما يُميز الصفة الجيولوجية للحدث التي تُقوِّض التنضُّد المعتاد لطبقات الأنفُس البشرية وتدخلُها بعنفٍ في بعضها، وبعضُه إلى ما يَسِمُ أطوارَ التحوّل الكبير من انطلاق الألسنة واتساع دوائر الاهتمام بالقضايا العامة، وبعضُه يعود إلى انضمام قطاع من الموالين للحكم الأسدي إلى الكلام في الشؤون العامة مع ما عُرِفوا به من عنفٍ لفظي وبذاءةٍ مكونة، وبعضٌ رابعٌ إلى انفِكَاك عقدة لسان الصامتينَ، ومنهم كذلك موالون للنظام صارت لهم اليوم قضية، ومنهم معادون له كانوا يعيشون في ظله ولا يجرؤون على التعبير عن أنفسهم، وبعضٌ خامس إلى ما يَسَّرتهُ وسائل التواصل الاجتماعي من لغة عدائية وانتشار الأمزجة القُصوَوِيّة والنزعات العدمية، ومن رفع وزن الانفعال والمزاج الخاص، ومعهما الغباءُ، في الحقل العام الناشئ. نحن بالفعل في زمن فريد، مُضطرب، مثير، عنيف، خصب، قاسٍ، زمنِ أقاصٍ، كلُّ شيءٍ مطروح فيه على طاولة غير موجودة. لكنه زمن مُكوِّن أو وجودي بالفعل، بمعنى أنه غني بالتجارب المكونة، الانعطافية، المُولّدة لوعيٍ مُغاير، فردي وجمعي؛ وبمعنى أنه يتواتر أن يجري التفكير في صراعاته كصراعات وجودية، صراعات قاتل أو مقتول (سأخص الكيانيات ومنازعاتها الوجودية بمادة مستقلة)؛ ثم بمعنى أن ما يحدث في هذا الزمن حاسمٌ في تشكُّل صورة البلد في سنوات وعقود قادمة.

      نتكلم على أقاصٍ لأن هذه الأوضاع والتفاعلات المتطرفة قليلة المثال وغير مسبوقة في تاريخ البلد.

      2

      لكن نسوق ما سبق، وبهذه الصورة التخطيطية السريعة، فقط كمقدمة لقول شيء آخر، يتصل بتفكيرنا في هذه الأقاصي والأهوال، في تمثيلنا لها وتعبيرنا عنها، في وعينا لتناقضات حياتنا كبلد ومجتمع، وأفراد، كما لاحتمالات تمزُّق وفناء كيان البلد، لنَجدَ أنفسنا على حين غرةٍ في بلد آخرَ، أو لاجئين مُضاعفين ليس هناك بلدٌ نعودُ إليه. الانفعالات المُحتدمة تعكس عنف الواقع، لكنها تصرخُ طلباً لأفكارٍ جديدة، لفكر جديد وروح جديدة. الانفعالاتُ عموماً تشغل موقعاً متوسطاً بين ما يحدث لنا، ما يُصيب أجسادنا من عوارض العالم، وبين أفكارنا وعقلنا. والعلاقة بينها وبين الأفكار علاقة مُغالبة، تغلبُ الانفعالات الأفكار الشائخة، المُنفصلة عنها وعن التجارب التي حفزتها، لكن الأفكار الفتية، الجديدة، التي تحوّل تلك التجارب إلى أفكار والانفعالات إلى عتاد نفس روحي، يمكن أن تتغلب على الانفعالات القوية، وإن تأخرت عنها. هذا مهم، لأن الانفعالات شخصية أو فئوية، فيما الأفكار تخلق رابطة جمعية لنا مع الغير، القريب والبعيد. ومهم أيضاً لأن الانفعالات تَحبِسُ في الجسدي والبيولوجي والعضوي، فيما تأخذنا الأفكار نحو ما هو عقلاني وأخلاقي ومتجاوز.

      والقضية التي نُريد سوقها هنا هي أن التكوينَ الأقصى لتجاربنا، وهي بصورةٍ ما تُلخص تاريخ البلد وتُكثفه، يقتضي أصنافاً كتابية قصوى تستجيب له. ويُمكن تصوُّر هذه الأصناف مثلما تصوَّر هيغل نطاقات الروح المُطلقة الثلاثة قبل قرنين ونيف: الفن والدين والفلسفة. الفكرة، العقل، الروح، هي مُنشِئَة العالم عند هيغل، أحدِ كبار الفلاسفة المثاليين الألمان، والروحُ المطلقة هي طورٌ أعلى من أطوار الروح في رحلتها إلى وعي ذاتِها (الدولة والقانون والمؤسسات تنتمي إلى مجال الروح الموضوعية، والوعي الفردي إلى الروح الذاتية). ما جرى خلال ما يقرب من 15 عاماً، بفعل وجوديتهِ وقُصوَوِيته، وبفعل تطرّفه وجنونه، وبفعل بيولوجيته، يُسائل مجال الروح، ويدعو الفن والدين والفلسفة إلى النظر في هذا الهول، بحثاً عن اسمٍ له ومحاولةً لتمثيلهِ.

      أنوه بأن الإحالة إلى تصور الروح المطلقة عند هيغل هو إجراء ملائم لعرض ما تريد هذه المناقشة قوله، وليس مذهباً يعتنقه الكاتب أو التزاماً بفلسفة مؤلف فينومينولوجيا الروح.

      آ- الدين

      الفلسفة مُهمشة تاريخياً في ثقافتنا، فهل الدين ليس كذلك في حاضرنا؟ والفن؟

      قد يبدو أن كل شيء ديني في مجتمعاتنا المعاصرة، لكن لا يكاد يكون لدينا فكر ديني جذري، ينظر في روح الإنسان وفي تجاربه وصراعه وتحطمه ويأسه. من زاوية روحية ووجودية، الفكر الإسلامي في عمومه استهلاك لمعانٍ قديمة، قلما يُضيف جديداً. وقد تكون مشكلة الفكر الإسلامي ليس أنه لا يريد العصرنة والتحديث، إذ أن هناك مثقفون مسلمون مخلصون في إرادتهم الحداثة والعقلنة والنُظم الاجتماعية والسياسية الحديثة. لكن ليس هذا ما يُرجى من الفكر الإسلامي. ما قد يُرجى هو فكر ديني جذري يُعيد التفكير في الله والإنسان والموت والغيب والعدل والحرية، والروح والنفس والعقل. لا أحد يحتاج إلى الدين (الإسلام أو غيره) من أجل الحداثة، يحتاج الناس إلى الدين من أجل الوجود، من أجل الارتباط بالعالم، من أجل أمان الأنفُس، من أجل السكينة، ومن أجل الروح. إن كان للتفكير الديني في الإسلام أن يتجدد فقد ينبغي الانطلاق من النظر في أحوال الروح، وهي تمر بتجارب مثل تلك التي عرفناها خلال عقد ونصف. خلال جيلين نزعت طاقة الأنشط بين المسلمين نحو السياسة والحرب والسلطة أكثر مما نحو الفكر واللاهوت، ومن الفلسفة بالطبع، بل أكثر حتى مما نحو الدين، عدا ما يصلح لاستثمار فقهي، وقابل للتطبيق على الأجساد والأفعال والتفاعلات بين الناس. وفي حين أن في تورط الإسلام بمذاهبه، في الأقاصي والوحشية، وفي التحول العدمي لمنظمات الإسلام السني، ما يدعو إلى خطاب ديني بشأن تلك الأقاصي، فإن فيهما (الأقاصي والعدمية) كذلك ما يُشكّك في إمكانية هذا الخطاب. لا نرى ولو بدايات تواضع، ولو بدايات نقد ذاتي، من جانب الإسلاميين. هناك، في سورية اليوم، تحول عن المسالك المُتطرفة، لكن دون نقد ذاتي ودون تأسيس فكري، ما يُبقي هذا الاعتدال سطحياً، وقابلاً للانقلاب على نفسه. يتأسس الاعتدال حين لا تكون الدعوة إلى إدارة التأنسن دفاعية في وجه الدعوة إلى إدارة التوحش، كتاب أبو بكر ناجي الذي تقشعر له الأبدان.

      الدين يربط الإنسان بالعالم، إنه منهج للتبعية، أو بعبارة إسلامية للتوكل على قوة أكبر من الإنسان. والصيغ الدينية للروح تحفظ التجارب الوجودية والقصوى لزمن يطول، يدوم مئات السنين وألوفها ليس لأنه ثابت لا يتغير، ولكن لأنه يقبل إعادات تشكل كثيرة، يتوافق فيها مع عالم مُتغير. ربما ليس بحيوية كافية، لكن لا يُمكن إلا أن نندهش من حياة الأديان الطويلة في مجالنا وفي غيره. السؤال اليوم يتصل بقدرة الفكر الإسلامي على إعادة هيكلة روحية للإسلام، تُقلل من جسديته وبيولوجيته، وإغراء العنف الكامن فيهما.

      ب- الفن

      زمن الأقاصي هو كذلك زمن تحول، انقلابات اجتماعية وسياسية ونفسية وفكرية ودينية، تفجرات في المشاعر والأهواء، وظهور الإنسان في صور مختلفة، غير مألوفة. إنه زمن عظيم بالمعنى الحرفي للكلمة، أي حين تأخذ الأشياء أبعاداً كبيرة، أكبر مما هو معتاد، وحين تقتضي بالتالي تفاعلاً عظيماً معها. الفنون هي المدعوة لاختبار الأقاصي والتحولات العظيمة، لأن طاقة الخيال (الفن) وتنوع أدواته تبدو أقدر من المفهوم (الفلسفة) ومن الشعور (الدين)، على الإحاطة بالعصر ورسم ملامحه. في زمنه، كان هيغل قد حصر الفنون في ست، العمارة والنحت والرسم والموسيقا والشعر والمسرح، وتسمى السينما الفن السابع لأنها جاءت في زمن لاحق لهذه الفنون الست. لكن ليس هناك ما يُلزم بهذا الحصر الذي يغيب عنه أحد أعظم الفنون الحديثة والمعاصرة: الرواية. وبينما الفنون كلها مدعوة للاشتباك مع جذرية الشرط الراهن وأقصويّته، فإن مرونة الرواية وسعتها وتعدّد أساليبها، وكثرة شرفاتها (تُطل على كل الفنون المذكورة، وتأخذ وتُعطي معها)، تؤهلها أكثر من غيرها لأن تكون ديوان الأقاصي. ربما الرواية أكثر من غيرها لأن الثقافة العربية ثقافة كلمة أساساً، ولأن للرواية سلفاً تاريخ معقول، وما قبل تاريخ أطول من كتابة حكائية؛ ثم لأنه لا يبدو أن الشعر، «ديوان العرب» القديم، يستطيع أن يكون ديواناً لحياة معقدة.

      لقد استجابت الرواية الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للتحولات الضخمة في المجتمع الروسي وظهر روائيون عظام، مثل دستوفسكي وتولستوي وغوغول وتورغنيف وصولاً إلى تشيخوف. في الرواية الروسية شواغل روحية ونفسية وأخلاقية وفلسفية، تبدو غائبة بقدر كبير عن الرواية السورية والعربية (ربما باستثناء نجيب محفوظ). وبصورة ما، الرواية الروسية معادل للفلسفة الكلاسيكية الألمانية قبلها بنصف قرن أو أكثر. في هذه الفلسفة (كانط، فخته، شلنغ الأول، هيغل)، حضرت شواغل مماثلة، روحية وأخلاقية ودينية ونفسية، ومعرفية، شكّلت بمجملها متن ما يُسمى التنوير الألماني، واستجابت للثورة العلمية في أوروبا وللتنوير الفرنسي الأكثر مادية وسياسية، وللثورة الفرنسية ذاتها، وللثورة الصناعية المزامنة وتفكّك الدول الألمانية. الشواغل الوجودية والروحية متواضعة في الرواية والثقافة العربية المعاصرة عموماً، ولا يبدو أن الأقاصي التي مررنا بها قد تحدت هذا التكوين.

      أكثر حضوراً لدينا الإيديولوجي والسياسي، وهو ما يعكس ضيقنا بالعالم الحديث والمعاصر، وأكثر من الضيق تصور وظيفي تعبوي للفن والثقافة.

      ج- الفلسفة 

      يبقى التأمل الفلسفي مرشحاً لأن يكون خطاباً للأقاصي التي لا يستطيع الدين تناولها، وهو الذي تسبب ببعض أقسى ضروب المعاناة بفعل فرط تركزه حول السياسة والحرب والسلطة، ولا الفن في وضعه الراهن بفعل سيطرة المنازع الإيديولوجية التعبوية. لكن لعل هذا يُلزِم التأمل الفلسفي بأن ينطلق من ضمور الروح في الدين والفن.

      الفلسفة تفكير بادئ أو منشئ، جوهره الخروج من التبعية لما هو سابق من أعتدة وتراثات، وإن كان لا يكف عن التفاعل مع التراث (مجمل المشاع الفكري والثقافي البشري). ولأنها تفكير بادئ، الفلسفة ليست تطبيقاً لتفكير مُسبق، أو اشتقاقاً من مرجع فكري ناجز، أو قياساً إلى فلسفة أخرى، أو ركوناً إلى التراث أياً يكن. نتفاعل بصورة معافاة أكثر مع التراث حين ننفصل عنه نفسياً وفكرياً، ونقيم علاقة حرة به. ومن غير المحتمل ألا يتعثر تفكيرنا وهو يحاول الوقوف على قدميه ويتحرر من التبعية. المهم هو تحمل المسؤولية عن النفس ومحاولة تجديد القول في وجودنا ومعنَانا في العالم المعاصر.

      والتفَلسُف بعد ذلك منهجٌ للانغراس في الحاضر، في اليوم، عبر ثلاثية أنا وهنا والآن التي يُميز فوكو الفلسفة بتمفصُل خاص لعناصرها (في كتاب حديث الترجمة إلى العربية: ما هي الفلسفة؟). وهي بهذه الدلالة جهد للرسوخِ في العالم، الأمر الذي تتجاوز قيمته في سياق الأقاصي والانفعالات العاصفة تأكيد حكم العقل إلى مقاومة الانجراف فيما يجرف من تيارات الأهواء والهويات المجروحة.

      وبعد ذلك التفلسف في مثل أوضاعنا اليوم اعتراض على تهميش مديد عانت منه الفلسفة والتفكير الحر، واستئناف لـ«نقد الفكر الديني» الذي انقطع طوال عقود أو فقد روحه التحررية. الفلسفة علم الحرية بقدر ما إن الدين علم التبعية أو التوكل. لا يُستغنى عن الدين، لكننا نخسر الحرية بالاستغناء عن الفلسفة التي تقوي شخصية تجاربنا وتسميها.

      وهناك سلفاً شعور منتشر بالحاجة إلى أفكار وتصورات تنفصل عما هو خامل وتكراري في تفاعلاتنا، وشجاعة أكبر في ممارسة الفلسفة والتدرب على الفكر الحر. ما هو أكثر أصالة وابتكاراً يُمكن أن يظهر بعد حين، في اتصال أكيد مع تغيّر عِلمنا (بالتفاعل مع جذرية تجاربنا)، وتغيّر العالم من حولنا.

      عالم اليوم في أزمة، ويبدو كما لو أنه حبس نفسه في زجاجة لا يجد منها مخرجاً، وقد لا يكون ثمة مخرج دون تحطمها، مع ما يرجح لذلك أن يتسبب به من آلام رهيبة. بأفقها الكوني، الفلسفة لغة لمخاطبةِ شركاء في كل مكان وللمساهمة في النقاش حول عالم اليوم ومشكلاته وأوضاعه، وربما لمساعدة الذبابة البشرية في الخروج من الزجاجة، على ما تصور فتغنشتاين مهمة الفلسفة. استعارة فتغنشتاين تحوز ملائمة خاصة في شروط اليوم حيث يسهم «الذباب الإلكتروني» في حصر غير قليل منا في زجاجات خاصة: الشاشات.

      3

      زمنُ الأقاصي زمنٌ سياسي، ولا بد له من سياسة أقاصٍ جذرية، لكن غير متطرفة وغير مجنونة وغير إبادية. إلا أنه لا مجال هنا لتناول هذه السياسة. انشغلت هذه المقالة بمحاولة وصف وتسمية زمننا، وحاولت إعطاء حسٍّ بإلحاحيةِ نقلة كبيرة في مناهج تمثيل تجارب الأجساد والأنفس.

      الانشغال بالثقافة، الفن والدين والفلسفة، يستجيب لجذرية وضعنا ويأخذنا بعيداً عما هو عضوي وبيولوجي. وهو بذلك ردٌّ صالحٌ على الإبادة والعدميات المزدهرة.

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

يناير 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist