على الرغم من أن الأرقام التي قدّمها المؤشّر العربي 2025 (أعلنه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الثلاثاء الماضي) ليست في المجمل بعيدةً من أرقام الدورات السابقة، إلا أن هناك ما يستدعي الوقوف عنده والتفكير فيه مليّاً على صعيد الصورة الكبيرة (The Big Picture)، وبما يتجاوز المواقف السياسية للشعوب والمجتمعات العربية التي شملها الاستطلاع (15 دولة) هنا وهناك.
تناول “المؤشّر”، في النسخة الراهنة، جانباً آخر يتمثّل في شروط الحياة الأساسية؛ مثل الحق في الحياة والأمن الشخصي والماء والطعام والمسكن والدواء. وهي أمور، لو تجاوزنا الحالة الراكدة في دول عربية عديدة، ونظرنا إلى الدول التي تعاني صراعات داخلية أو تقع تحت وطأة الحرب (خصّص المؤشّر أجزاء رئيسة للحالة في كل من غزّة والسودان وسورية واليمن)، فإننا نتحدّث عن نكبة خطيرة لا تختلف عن النكبات الفلسطينية. إذ تفيد هذه المعطيات بأن هناك ديناميكيات وشروطاً وسياقات كارثية تُحدث الأزمات والنكبات، وهي في حالة من التصاعد، بل والتمدّد، مع بروز معالم واضحة لانهيارات ثقافية ومجتمعية وسياسية في الدول العربية من جهة، وازدياد التوتر الإقليمي، وتحول في الدور الإسرائيلي المرتبط بأجندة واضحة في التلاعب بالأمن الإقليمي والهيمنة، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، من جهة أخرى.
نتحدّث عن صناعة التوحّش والفوضى والعودة إلى مرحلة ما قبل الدولة في دول ومجتمعات عربية عديدة
في السودان، مثلاً، هناك ما يقارب نصفَ المستجيبين تركوا منازلهم ونزحوا (من دون احتساب من هاجروا أصلاً خارج البلاد)، منهم 15% في مساكن إيواء، و42% يعانون من عدم توافر الماء، و58% من عدم توافر المواد الغذائية الأساسية، و71% لم يستطيعوا الحصول على الرعاية والأدوية الصحّية، و34% تعرّضت ممتلكاتهم للنهب، والأخطر أن 4% تعرّضوا للتحرّش الجنسي؛ بمعنى أن مفهوم الأمن الإنساني بأبسط صوره غير متوافر، وأن مفهوم الدولة غير موجود؛ فهي مرحلة ما قبل الدولة.
أما السوريون الذين بدأوا يستعيدون شيئاً من حياتهم بعد تهجير ونزوح وقتل وقصف وتعذيب، وكل الويلات الممكنة، فلا يزال شرر الصراع كامناً في المجتمع والوضع القائم، وما رأيناه في حلب قبل أيام، وقبلها في السويداء والساحل، نماذجُ على الشكوك في حالة السلم المجتمعي. أما المؤشّر العربي فيقول لنا إن 70% من السوريين يعترفون بأن الخطاب الطائفي منتشر وسائد، وأن 84% يرون التصنيفات المذهبية والطائفية هي السائدة اليوم، و66% يرون أن التمييز بين الناس على أساس المذهب قائم؛ بمعنى أن التهشيم تجاوز الدولة والسلطة إلى المجتمع والثقافة العامة.
في غزّة، الحالة تتجاوز الوصف، والحديث عن الجانب الإنساني يكاد يكون بلا طائل ونحن نرى النكبة والكارثة الإنسانية أمام مرأى الجميع، مع سيول الأمطار والعواصف. ولا يزال جزء كبير من الكارثة لم يتكشّف بعد بالأرقام الدقيقة. فبالإضافة إلى التدمير الكامل للبنية التحتية والمستشفيات والمباني والمساكن، وتحطيم منازل أكثر من 93% من السكّان، يعيش ما يقارب النصف (من المستجيبين) في أشباه منازل، وربعهم ما زالوا في الخيم، و90% لم يجدوا أدويةً أو مستلزماتٍ طبّية. لكن السؤال الأخطر كان في المؤشّر، ويرى المدير التنفيذي للمركز العربي، والمشرف على الاستطلاع، محمّد المصري (في حوار خاص مع كاتب هذه السطور)، أن هناك ما بين 46% و57% من المستجيبين شاهدوا بأعينهم من أُجبروا على الرجاء من أجل الحصول على ماء أو طعام أساسي؛ وهي حالة من أخطر الحالات التي تعكس الحرمان والإذلال المتعمّد والتهميش.
هذه نماذج على حجم الكارثة ومستواها وعمقها الخطير، فنحن نتحدّث عن صناعة التوحّش والفوضى والعودة إلى مرحلة ما قبل الدولة في دول ومجتمعات عربية عديدة. وهذا لا يعني (بالضرورة) أن الوضع أفضل في دول ومجتمعات عربية أخرى عديدة. وإذا استثنينا الحالة الخاصة في الخليج العربي، المرتبطة بالدولة الريعية وبعوائد النفط، فإن باقي الدول العربية تواجه مشكلات جوهرية وأزمات داخلية كالبطالة وفشل التنمية، وغياب سيادة القانون، وتهشيم الحرّيات العامة وانتهاكات حقوق الإنسان، والتخبّط في إدارة الدول والسياسات العامة.
ليس المقصود، أيها السادة الكرام، أن نتفنّن هنا في إشاعة حالة من السوداوية أو اليأس أو الترهيب من الوضع الحالي، أو ممّا هو مقبل، لكنّ الواقع المرير الذي وصل إليه العديد من الدول والمجتمعات العربية اليوم في صورته العام من الضروري أن يقودنا إلى قراءة تاريخية نقدية للحالة العربية اليوم عموماً؛ فما يُطلق عليها “الدولة القُطرية” ما بعد الكولونيالية، التي انبثقت بعد الحرب العالمية الثانية في العالم العربي، وصلت إلى مرحلة التراجع والتفكّك والإفلاس السياسي، بل وتحطّمت البنى السياسية والأطر القانونية والدستورية، وجزء كبير منها دخل في مرحلة الحروب والصراعات الداخلية، والهُويّات الأولية التي تتجاوز السلطة إلى المجتمع والثقافة معاً.
وصلت “الدولة القُطرية” ما بعد الكولونيالية في العالم العربي إلى مرحلة التراجع والتفكّك والإفلاس السياسي
صحيحٌ أن أزمة الدولة القُطرية العربية ليست جديدة، بل هي تراكمية ومركّبة ومتعدّدة الأبعاد، ولم تُحدث طفرة، بل عبر مراحل متتالية. لكن ثورات الربيع العربي في عام 2011 كانت بمثابة محاولةٍ شعبيةٍ للخروج من المأزق والتمسّك بالأمل والحق في الحياة الكريمة والعدالة والحرية. ثم انقلبت الأمور رأساً على عقب، داخلياً في العديد من هذه الدول والمجتمعات، وإقليمياً من خلال حالة الانهيار في النظام الإقليمي العربي، وصولاً إلى الاستباحة الإسرائيلية الراهنة لدول ومجتمعات عديدة. والسؤال: هل هي مرحلة قاسية من التفكّك والمخاضات التي قد تولّد لاحقاً حالةً جديدة، أم نحن أمام تدحرج نحو قاعٍ لا يزال بعيداً؟
الأزمات البنيوية في الدول والمجتمعات العربية اليوم ولّدت حالةً من التقسيم الحقيقي والواقعي في دولٍ ومجتمعاتٍ عديدة، وصعوداً في الهُويّات الطائفية والعرقية والمذهبية التي تمثّل خطراً يتجاوز التقسيمين، السياسي والجغرافي. ومن الواضح أن الترتيبات التي قام بها الاستعمار في المنطقة لم تعد قادرةً على البقاء، ما يعني أننا أمام مرحلة مقبلة تتجاوز الأسئلة التقليدية؛ إنها مرحلة وجودية ومصيرية ليست خاصة بدولة أو بمجتمع معيّن فقط، بل بمختلف الدول والمجتمعات والمنطقة بأسرها.
- العربي الجديد
























