وضع تاريخ الأفكار السياسية الحديثة معايير للدولة الوطنية الحديثة، جعل بها الدولة كياناً لا تُقاس بما تملكه من شعارات ونوايا، وإنما باحتكارها لوظيفة واحدة حاسمة، وهي ضبط القوة تحت اسم القانون. وهنا لنا أن نرجع لمؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون، وكيف ربط بين قيام المُلك وبقدرة السلطة على “المنع” – أي كفّ الناس بعضهم عن بعض، ومنعهم من التعدي والثأر، وأن يكون السلاح موجوداً بين أيدي أطراف متعددة – وهنا استقر الوعي الإنساني بأن العمران لا تقوم له قائمة من دون أن يتحقق الأمن، والأمن لا يقوم إلا بسلطة واحدة قادرة على ضبط المجال العام. وبعد قرون عن هذا التأسيس الخلدوني، أعاد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864–1920) صياغة ما ذهب إليه ابن خلدون من تعريفٍ للدولة، حين عرّفها بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة على أرض إقليم محدد، لا بوصف هذا الاستخدام تفويضاً مفتوحاً لإعمال العنف ساعة يريد وكيف يريد وضد من يريد، بل كان هذا التفويض قيداً عليه، يجعل التفويض يتحول من فوضى اجتماعية إلى وظيفة قانونية تُمارس بشكل حصري لغرض حماية الأرواح والممتلكات. وفي هذا الإطار لا تظهر الدولة حيادية فقط وتقف على مسافة واحدة من الجميع، لكنها تظهر بأنها المركز الذي نزع القوة من جميع أطراف المجتمع وأعادها إلى سلطة القانون. وبذلك يكتسب الأمن معنى الحق العام لا الامتياز، وتصير المواطنة ممكنة في حيّز يسود فيه سلاح واحد يتبع لمرجعية شرعية واحدة.
ولنربط التقديم النظري بتطبيق عملي على حالتنا السورية، لنا أن نحاكم الفكرة القائلة بـ”إن الحكم السوري لا يتكون من جماعة واحدة ولا يسبغه لون واحد” باعتبارها نفياً للواقع الاجتماعي القائم، وليس إنكاراً لحال الغالبية الديمغرافية المعروفة، وليس هو سعياً لتفريغ السياسة من سياقها التاريخي. إنما الإشكالية الحقيقية تبدأ عندما يُساء فهم ما يعنيه “اللون الواحد” بأنه توصيف ثقافي أو ديني أو عددي، في حين ما يُقصد بذلك في منطق الدولة الحديثة هو ما تنطوي عليه هوية السلطة لا هوية المجتمع. فالدولة لا تُقاس بلون مواطنيها، وإنما بطبيعة السلطة التي تمارسها هذه الدولة – وهو التعريف الغربي الحديث للدولة – وبالقواعد الناظمة للكيفية التي تستخدم بها القوة. فإذا انطلقنا من أن السواد الأعظم من سكان سوريا ينتمون لخلفية دينية أو ثقافية واحدة، فهذا المعطى بوصفه اجتماعياً بالتحديد لا ينبغي أن نراه إلا مشروعاً، وأن لا نحوله لمشكلة، فقط عندما يتم استثماره ليكون تبريراً لاحتكار جماعة بعينها للسلاح أو للشرعية أو للقرار بتفويض مفترض من هذه الغالبية.
من هنا نرى أن التساهل في تحقيق هذا الاحتكار، حتى لو كان محمولاً على الثورة أو الغالبية أو مظلومية ما، سيعيد بالضرورة إنتاج ما ثار ضده السوريون بالأصل: من تعدد السلطات وصلاحياتها من دون رقيب، أو إعطاء شرعية لأشكال السلاح المختلفة، ما يفتح الباب أمام نزاعات تظهر مستقبلاً ولا يعلم أحد شكل وموعد نهايتها.
وهذا يحملنا إلى تفريق ضروري بين مفهومين هما: التمثيل الاجتماعي والاحتكار السياسي. فأن تنخرط الأكثرية من السوريين بوعي وضرورة في مشروع تحرير سوريا من نظام مجرم دمّر الدولة والمجتمع معاً، لا يعطي هذه الأكثرية الحق في تحويل السلطة الجديدة إلى سلطة (هوية)، من حيث إن غاية التحرير لا تنطوي على استبدال جماعة بجماعة، وإنما هي عملية لاستعادة الدولة برمتها. فمعنى التحرير في العمق هو إنهاء وضع كانت فيه القوة متوزعة بين نظام مجرم وميليشيات لا شيء يشرعن قدومها من خارج الحدود لقتل السوريين، وسلاح منفلت هنا وهناك، واستعادة القوة لتكون تحت مركز واحد محكوم بالقانون الذي وصفه الدستور، وليس بتبسيط المعنى ليصبح انتصار لون على لون.
وهنا لنا العودة إلى عبارة يوردها عبد الله العروي (1933–)، المؤرخ ومنظر الدولة المغربي المعروف، بقوله: “الدولة الحديثة لا تقوم على التوافق العاطفي، بل على احتكار قانوني للقوة، لأن أي تساهل في هذا الاحتكار يعيد المجتمع إلى منطق الجماعة لا إلى منطق المواطنة”. فالتوافق العاطفي ليس جديراً ولا يستطيع تأسيس دولة، لأنه بطبيعته يتصف بالتقلّب والانفعال والقابلية للانقسام، كما نسمع كل يوم في حالتنا السورية. أما مفهوم احتكار القوة قانونياً، فهو الحامل الذي ينتقل بالمجتمع من أن يعيش بمنطق الجماعة إلى الارتقاء للعيش بمنطق المواطنة، ومن التعالي بمنطق “نحن” والنبذ بمنطق “هم” إلى إقامة منطق العيش بحقوق متساوية والنضال لتحقيق هذا المبدأ عند كل الحساسيات، أمام سلطة واحدة. ومن هنا نرى أن التساهل في تحقيق هذا الاحتكار، حتى لو كان محمولاً على الثورة أو الغالبية أو مظلومية ما، سيعيد بالضرورة إنتاج ما ثار ضده السوريون بالأصل: من تعدد السلطات وصلاحياتها من دون رقيب، أو إعطاء شرعية لأشكال السلاح المختلفة، ما يفتح الباب أمام نزاعات تظهر مستقبلاً ولا يعلم أحد شكل وموعد نهايتها.
الدولة التي ستُبنى بعد الخراب المقيم لن تُبنى بالعدد ولا بمنطق العواطف ولا الثأر، بل ستُبنى بإعادة تعريف القوة أولاً بوصفها أداة أساسية في تحقيق الأمن وتمكين العمران.
والآن صار بوسعنا أن نفتح الباب لجملة من الأسئلة لا يعفينا منها السياق آنف التفصيل، وليس هذا جديراً بالطرح: هل لون الحكم ديني؟ أو هل تنتمي غالبية السوريين لهذا اللون تحديداً؟ بل الأسئلة الملحّة اليوم يجب أن تكون: هل القوة مفهوم يحقق المواطنة وسيادة الدولة باحتكارها له بالقانون؟ أم يجب أن تكون القوة موزعة بناءً على الهوية؟ فإذا اتفقنا على أن القوة يجب أن تكون حكراً على القانون والسلطة المؤتمنة على تطبيقه، فإن الدولة بهذا المعنى تمارس حيادها بشكل فعلي، ولو أدارها جهاز من خلفية اجتماعية وثقافية واحدة. أما إن كانت هذه القوة تتوزع بحسب الانتماء الهوياتي، فهنا لنا أن نقف بوجه دولة تفقد حيادها، ولا يغطي سوءتها شعارات جامعة لا يتفق عليها سوى من تمثلهم. فالحياد الذي نعنيه ليس هو حياد الانتماء، وإنما هو حياد وظيفية الدولة، المتمثل في حماية الجميع ومنعهم من استخدام القوة خارج إطار القانون.
ولكي ننهي، علينا أن نجد الأسئلة التي تحملنا على التقدم، فليس قولنا اليوم إن الحكم السوري هو حكم أغلبية من لون ما نفياً لهوية المجتمع، فهذا لا يستطيعه أحد سابقاً ولا لاحقاً، ولا يشكل هذا القول تنصّلاً من الاعتراف بدور الأغلبية في التحرير تحديداً، وإنما نعني بذلك رفض اختزال الدولة في أسئلة قاصرة عن إدراك غنى المجتمع السوري. فالدولة التي ستُبنى بعد الخراب المقيم لن تُبنى بالعدد ولا بمنطق العواطف ولا الثأر، بل ستُبنى بإعادة تعريف القوة أولاً بوصفها أداة أساسية في تحقيق الأمن وتمكين العمران كما يقول ابن خلدون، هذه القوة التي لا تقبل الاختزال بهوية فرعية، وأن تكون تحت حكم القانون بالكامل، وأن ترمي لحفظ الأرواح والممتلكات. وأرى أننا نقترب من الوصول إلى هذه النقطة بعد الأحداث الأخيرة، للانتقال من منطق الجماعة – كما يقدمه بعض من تأذوا من نجاح السوريين مهما كانت محقة تاريخياً – إلى منطق الدولة، ومن منطق الغلبة إلى منطق سيادة المواطنة.
- تلفزيون سوريا
























