في خمسة أيام تمكنت القوات المحسوبة على سلطة دمشق من بسط سيطرتها على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب اللذين كانا خاضعين لقوات الأمن المحلي (الأسايش) المحسوبة على قوات سوريا الديمقراطية، بموجب اتفاق الأول من نيسان العام الماضي. بذلك تكون سلطة دمشق قد أنهت من جانبها هذا الاتفاق الذي شكّل أول تطبيق محلي في إطار اتفاق العاشر من آذار الذي تتهم السلطة، ومن ورائها تركيا، «قسد» بالمماطلة في تنفيذه.
الواقع أن التجييش الإعلامي اليومي، خلال الأشهر الماضية، كان يدفع في اتجاه الصدام العسكري مع قوات سوريا الديمقراطية، سواء على وسائل الإعلام الداعمة لسلطة دمشق أو من خلال تصريحات وزيري الدفاع والخارجية التركيين. ولكن من جهة أخرى صدرت إشارات إيجابية من سلطة دمشق بشأن كيفية دمج قوات سوريا الديمقراطية في جيش السلطة المركزية، فقيل إنه تم التوافق على عملية إدماج على شكل ثلاث فرق عسكرية تحتفظ بمواقعها في المحافظات الشمالية الشرقية الثلاث، الحسكة ودير الزور والرقة، إضافة إلى لواء مكافحة الإرهاب ولواء قوات حماية المرأة. بدا وكأن الأمر يتعلق في اتجاهين داخل سلطة دمشق، أحدهما يميل إلى الحلول السياسية التوافقية فيما يدفع الثاني في اتجاه الصدام العسكري بقصد الإخضاع. قد يمكن تفسير التزام أحمد الشرع الصمت طوال معركة السيطرة على الحيين الكرديين في حلب، بل وقبل ذلك، بهذه الازدواجية.
لنعد إلى الثامن والعشرين من كانون الأول الماضي حين زار دمشق وفد تركي وازن ضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات القومي حيث اجتمعوا مع نظرائهم السوريين. أثناء المؤتمر الصحافي الذي أعقب الاجتماع تمت مقاطعة كلام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. نشرت وزارة الخارجية لاحقاً اعتذاراً عما حدث مبررة إياه بأنه خطأ غير مقصود. وفي اليوم التالي توجه الفريق السوري إياه (الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات) إلى موسكو حيث اجتمعوا بنظرائهم الروس! ثم تم الإعلان على عجل عن اجتماع خامس بين سلطة دمشق ووفد إسرائيلي في باريس بإشراف أمريكي من الوزن الثقيل، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وتوماس باراك جميعاً. ولم يغب هاكان فيدان عن هذا الاجتماع، إلا ليتابع مجرياته من العاصمة الفرنسية نفسها!
وحدها وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بياناً عن اجتماع باريس، جاء فيه أن دمشق وتل أبيب توافقتا على إنشاء خلية اتصال مشتركة لتبادل المعلومات الاستخبارية و«خفض التصعيد العسكري» إضافة إلى آلية للانخراط الدبلوماسي والتجاري بإشراف أمريكي مباشر!
يمكن الاستنتاج من التلكؤ الأمريكي في التدخل لوقف معركة حلب أن واشنطن أعطت تركيا «جائزة ترضية» في حلب، مقابل ما حصلت عليه إسرائيل
وفي اليوم التالي مباشرةً عقد اجتماع في دمشق بين وفد من قسد برئاسة قائدها مظلوم عبدي ووفد من سلطة دمشق لم يضم أحمد الشرع كما كان متوقعاً. ووفقاً لتصريحات عضو وفد قسد، فوزة يوسف، أدلت بها لمنصة المونيتور «حدث أمر غريب» حين دخل أسعد الشيباني على الاجتماع الذي كانت تسوده «أجواء إيجابية» فسحب الضابط الأمريكي من قيادة التحالف الدولي الذي كان مشاركاً في الاجتماع، ثم عاد بعد قليل ليعلن انتهاء الاجتماع وتحديد موعد الثامن من كانون الثاني لاستئنافه!
لم تمض بضع ساعات على مغادرة وفد قسد دمشق إلا وكانت المناوشات المتفرقة حول حيي الأشرفية والشيخ مقصود قد تحولت إلى حرب شاملة استخدمت فيها فصائل الشمال الدبابات والمدافع والطائرات بدون طيار لقصفهما. غير أن الحرب الإعلامية لم تقل شراسة عن الحرب الميدانية. فقد سعى الناطقون باسم سلطة دمشق إلى تثبيت رواية مفادها أن «الدولة» تقاتل جيباً «يحتله» تنظيم قسد «الإرهابي» المتحالف مع إسرائيل وإيران (!) وأن قسد هي التي أشعلت فتيل الحرب، وأنها تتخذ من السكان المدنيين دروعاً بشرية، وأن قوات «الجيش العربي السوري» حريصة على حياة المدنيين… إلى آخر هذه الدعاية الحربية التي حفظنا مفرداتها من إعلام نظام الأسد كما من الناطقين باسم الحكومة الإسرائيلية أثناء حربها الإبادية على قطاع غزة.
لا يمكن لهذا التسلسل في الأحداث أن يكون اعتباطياً بلا معنى. ونلاحظ أن اجتماع باريس السوري ـ الإسرائيلي ينطوي على أهمية كبيرة في تفسير ما سبقه وما تلاه. لا نأتي بجديد حين نقول إن فراغ القوة في سوريا الذي نشأ بعد سقوط النظام وخروج إيران يتنافس على إشغاله كل من إسرائيل وتركيا بدعاوى تتعلق بـ«أمنهما القومي»، وأن الولايات المتحدة بقيادة ترامب تحاول التوفيق بين حليفيها من خلال توزع مناطق النفوذ: إسرائيل في الجنوب وصولاً إلى قرب العاصمة دمشق منطقة خالية من السلاح، وتركيا في الشمال بمدى غير محدد إلى الآن، مع نفوذ سياسي كبير على سلطة دمشق، وسعي دؤوب للتخلص من الشوكة التي تمثلها قوات سوريا الديمقراطية الحليفة لواشنطن، في أسرع وقت ممكن.
إسرائيل غير مطمئنة للنفوذ التركي في سوريا وعلى سلطة دمشق، وتركيا تتوجس من احتمال تحالف كردي ـ إسرائيلي يجعل تل أبيب على حدودها الجنوبية.
الصحافي عبد القادر سلفي المقرب من الحكومة التركية نقل، في مقالته الأخيرة في صحيفة «حرييت» عن مصادر أمنية تركية عن اكتمال الاستعدادات لشن حرب على شرقي الفرات، بتحالف تركي ـ سوري ـ أمريكي، بعد اكتمال سيطرة سلطة دمشق على الأشرفية والشيخ مقصود، ما لم ترضخ قيادة قسد لتنفيذ عملية الاندماج في إطار اتفاق العاشر من آذار. هذا تعبير عن استماتة تركية لحل قسد استكمالاً لحل حزب العمال الكردستاني الذي تم بصورة طوعية في إطار عملية سياسية يقودها عبد الله أوجلان، باتت تراوح مكانها في الأسابيع الأخيرة لأن أنقرة لا تريد المضي فيها قبل الحصول على جائزتها السورية.
ويمكن الاستنتاج من التلكؤ الأمريكي في التدخل لوقف معركة حلب أن واشنطن أعطت تركيا «جائزة ترضية» في حلب، مقابل ما حصلت عليه إسرائيل في تفاهمات باريس.
ما دام السوريون عاجزين عن التفاهم فيما بينهم، على رغم الفرصة العظيمة التي أتاحها سقوط نظام الأسد، وما دامت سلطة دمشق تستسهل كل شيء في سبيل الاحتفاظ بها، ستبقى سوريا ملعباً للقوى الإقليمية والدولية.
كاتب سوري
- القدس العربي

























