ملخص
بعد الحسم السريع لمصلحة الحكومة السورية في حلب، وترحيل من بقي من مقاتلي “قسد” إلى مدينة الطبقة شرق سوريا، بدأت الأنظار تتجه إلى الجزيرة السورية حيث معقل “قوات سوريا الديمقراطية”، فيما يحاول المبعوث الأميركي توم براك الضغط على الطرفين لتطبيق “اتفاق آذار” بسرعة، تجنباً لعملية عسكرية واسعة النطاق يتحضر لها الجيش السوري.
مدينة حلب، ثاني أهم المدن السورية بعد العاصمة دمشق والعاصمة الاقتصادية للبلاد، كانت أول مدينة تمكنت “قوات ردع العدوان” من السيطرة عليها وطرد قوات نظام بشار الأسد منها نهاية عام 2024، وفي حلب أحياء ذات غالبية كردية مثل الأشرفية والشيخ مقصود بقيت تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) طوال الفترة الماضية، وعلى رغم الاتفاقات الموقعة بين الحكومة السورية و”قسد” فإن معظم بنودها بقي حبراً على ورق، فيما يوجه الطرفان التهم لبعضهما بعضاً وبصورة متواصلة.
لكن الملاحظ أن صبر دمشق بدأ ينفد أخيراً بعد توجيه اتهامات لـ “قسد” باستهداف الأحياء السكنية في حلب مما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، فشن الجيش السوري عملية سريعة انتهت خلال أيام بالسيطرة على الأشرفية والشيخ مقصود وإخراج من بقي من المقاتلين الأكراد إلى منطقة الطبقة بمحافظة الرقة شمال شرقي سوريا.
وفي أعقاب الحسم الذي شهده حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، عاد السؤال ليتصدر النقاش السياسي والعسكري في سوريا حول هل يتكرر السيناريو ذاته شرق الفرات، وتحديداً في مناطق الجزيرة السورية؟
السؤال لا ينفصل عن تعقيدات الجغرافيا وتداخل المصالح الدولية وطبيعة “قسد” نفسها، ولا عن المتغيرات التي فرضها الحسم السريع في حلب وما تركه من تداعيات على موازين القوى، بين من يرى أن ما جرى في حلب يشكل نموذجاً قابلاً للاستنساخ، ومن يعتقد أن شرق الفرات حال مختلفة تحتاج إلى أدوات أخرى، مع من يرجح أن تجربة حلب ستؤدي إلى تسريع الحل السياسي ودمج “قسد” في الدولة السورية.
الحاضنة الشعبية و”بيضة القبان”
يقلل الأكاديمي والباحث السوري عرابي عبدالحي عرابي من كلفة وتداعيات أية مواجهة محتملة شرق الجزيرة مقارنة بما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، ويشير في حديثه الخاص مع “اندبندنت عربية” إلى أن “الجغرافيا الواسعة في الجزيرة السورية تجعل الحسم أسرع وأقل كلفة”، لافتاً إلى أن “الأنفاق والتحصينات التي اعتمدت عليها ‘قسد’ لم يؤثرا عملياً في مسار العمليات السابقة، بحسب ما شهدناه في الأشرفية والشيخ مقصود”، مؤكداً أن “الفارق الجوهري يتمثل في الحاضنة الشعبية، ففي الشيخ مقصود والأشرفية كانت هناك نسبة كبيرة من الحاضنة الكردية، وعلى رغم ذلك لم تحظَ ‘قسد’ بقبول كامل حتى داخل المكون الكردي نفسه، أما في الجزيرة، حيث الغالبية عربية إلى جانب مكون كردي يتململ بدوره من سياسات ‘قسد’، فإن الظروف أكثر ملاءمة لحسم أسرع”، معتبراً أن “أي مسار سياسي تتبناه ‘قسد’ ليس سوى محاولة لكسب الوقت وفرض أمر واقع”، ومؤكداً أن “الحل النهائي هو تفكيك ‘قسد’ سياسياً أو عسكرياً”.
محادثات يقودها التحالف الدولي
من زاوية أخرى يرى رئيس “المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية” مضر حماد الأسعد أن “تكرار السيناريو وارد ولكن بصورة مرحلية ومحدودة في بداياته”، موضحاً أن “المرحلة الأولى قد تبدأ في مناطق مثل دير حافر وسد تشرين، حيث يمكن للجيش السوري أن يدخل ويثبت حضوره، في حين تبقى منطقة الجزيرة التي تضم الحسكة والرقة وريف دير الزور الشرقي رهناً لمحادثات ومداولات قد تطول”.
ويقول الأسعد في حديثه إلى “اندبندنت عربية” إنه “مع بداية التطورات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود جرت اتصالات مكثفة بين كل من الحكومة السورية والتحالف الدولي و’قسد’ وكان القرار محسوماً بإنهاء وجود ‘قوات سوريا الديمقراطية’ في حلب وتأمين المدينة، وهذا ما نقله التحالف الدولي لقادة ‘قسد’ ولكن لم تكن هناك استجابة، فاستمرت العمليات الميدانية حتى إجلاء من بقي من المقاتلين إلى الطبقة”، مؤكداً أن “التحالف الدولي لعب دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين الحكومة و’قسد’، وبعد الحسم في حلب لا يزال المبعوث الأميركي توم براك والتحالف يعملان على مسار تقارب بين الطرفين وضمان تطبيق اتفاق الـ 10 من مارس (آذار) 2025 بأسرع وقت، لكن تدخلات أخرى أبرزها الدعم الإيراني لـ ‘قسد’ وتزويدها بالطائرات المسيرة التي تأتي من خلال معبر سيمالكا الحدودي الذي تسيطر عليه وتديره القوات”.
وأضاف أن “الدور الإيراني وتأثير ‘حزب العمال الكردستاني’ أسهما في تعقيد الوضع أكثر، ووفق المعلومات التي نملكها فإن الولايات المتحدة تعمل حالياً على دفع ‘قسد’ نحو مفاوضات سياسية جادة تنتهي قريباً بتطبيق اتفاق الـ 10 من مارس 2025، وهذا الخيار الأول، أما الثاني والذي لا يزال مطروحاً فهو الخيار العسكري الذي يبدأ بتخلي التحالف الدولي عن ‘قسد’ كما تخلى عنها أخيراً في حلب”.
الجزيرة السورية مسرح مفتوح
من جانبه يحذر الباحث السوري ضياء قدور من إسقاط تجربة حلب حرفياً على الجزيرة السورية، مؤكداً أن “إمكان استنساخ السيناريو يخضع لمحددات جيوسياسية وعملياتية مختلفة، فبينما كان الحسم في الشيخ مقصود قائماً على الحصار والعزل الجغرافي في بيئة حضرية مغلقة، فإن الجزيرة مسرح مفتوح وواسع ومتصل بحدود دولية، مما يجعل التكرار الحرفي مستبعداً”.
غير أن قدور يرى أن البديل هو “التكييف الإستراتيجي عبر اعتماد سياسة تقطيع الأوصال، أي تحويل مدن مثل القامشلي والحسكة إلى جيوب معزولة أمنياً، والضغط المتدرج لإجبار ‘قسد’ على الاختيار بين الانسحاب المنظم أو الصدام غير المتكافئ”.
ويشير الباحث السوري إلى أن “نموذج حلب أرسى عقيدة أمنية تقوم على الإكراه المتدرج مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مما يؤدي في النهاية إلى تقويض بنية الإدارة الذاتية من الداخل”، وبحسب قدور فإن “ما جرى في حلب يمثل خريطة طريق لاستعادة السيادة عبر دبلوماسية قسرية من دون الانزلاق إلى حروب استنزاف طويلة”.
مسألة وقت لا أكثر
أما المحلل السياسي الكردي علي تمي فلا يخفي قناعته بأن “التدخل العسكري في الجزيرة السورية مسألة وقت”، ويعدد أن من أسباب ذلك “حاجة الحكومة السورية إلى النفط والغاز لإعادة بناء البنية التحتية، إضافة إلى أهمية المعابر الاقتصادية”، لافتاً إلى اهتمام شركات أميركية بالدخول إلى السوق السورية وهو ما يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، فضلاً عن الضغط الشعبي المتزايد في الجزيرة والدعوات المطالبة بتدخل الدولة، وكل ذلك يجعل خيار الحسم العسكري مرجحاً على المدى المتوسط”.
الحل العسكري لا يزال باكراً
في المقابل يدعو الباحث في الشأن السياسي والأمني فاضي خانجي إلى قدر أكبر من التريث، معتبراً أن “الحديث عن تصعيد عسكري شامل في الجزيرة لا يزال باكراً”، ويوضح أن “العملية الأخيرة كانت محدودة جغرافياً وهدفت بالأساس إلى شل قدرة ‘قسد’ على استهداف أحياء حلب وتأمين الاستقرار في محافظة ذات أهمية إستراتيجية للتعافي الاقتصادي”.
ويشير خانجي إلى أن اتفاق الـ 10 من مارس 2025 لا يزال سارياً من حيث الإطار، على رغم الجمود الذي أصابه نتيجة تعنت “قسد”، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن خسارتها في حلب أضعفت موقعها التفاوضي بصورة واضحة.
المشروع السياسي الجامع
وفي السياق يرجح الصحافي السوري عبدالله مسلم تكرار سيناريو حلب في الجزيرة السورية، ويقول إن “الحاضنة الشعبية تسهم بدور كبير في حسم العامل العسكري، فـ ‘قسد’ تنظيم كبير ولديه قوة عسكرية لا يستهان بها، ولكن على رغم قوتها لكن دمشق تتفوق عليها بكثير، وبعيداً من التفوق العسكري فإن القوات تفتقر إلى الحاضنة الشعبية في مناطق سيطرتها عموماً، وبخاصة المناطق ذات الغالبية العربية مثل دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة، ففي حال حصول أي معركة فإن آلاف المجندين العرب في ‘قسد’ لن يقاتلوا، خصوصاً أن تلك المنطقة ذات تركيبة قبائلية، وبمعنى آخر فإن المعركة على الصعيد العسكري غير متكافئة”.
وأوضح مسلم أن اعتماد دمشق على هذا النمط من المعالجة يطرح إشكالاً جوهرياً لدى الدولة السورية، فإذا لم يكن لدى الحكومة مشروع سياسي جامع يضمن مشاركة جميع المكونات من عرب وكرد وغيرهم في صياغة مستقبل البلاد، والاقتصار على الحلول الأمنية، يترك جذور الأزمة واحتمالات إعادة إنتاج التوتر قائمتين في أية لحظة، لذلك على الدولة السورية عدم الاكتفاء بالحل الأمني وتقديم مقاربة سياسية جامعة تضمن مشاركة جميع المكونات في بناء الدولة الجديدة.
وفي المحصلة يبدو أن سيناريو الشيخ مقصود والأشرفية بات مرجعاً في مقاربة ملف شرق الفرات لكنه ليس قالباً جاهزاً للاستنساخ، فبين من يرى الحسم قريباً وأقل كلفة، ومن يعتقد أن الطريق لا يزال طويلاً ومحكوماً بالتفاوض، تتقاطع العوامل المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، والمؤكد أن موقع “قسد” لم يعد كما كان قبل حلب، وأن ميزان القوة يميل تدريجاً ضدها، لكن شكل النهاية، سياسية كانت أم عسكرية، سيظل رهناً بقدرة الأطراف على قراءة تعقيدات الجزيرة والموقف الأميركي ومدى إمكان تخلي واشنطن عن “قسد”، أو أن تقوم الأخيرة بتقديم تنازلات ترضي دمشق وتجنب البلاد موجة جديدة من العنف لا تخدم الأكراد ولا تنفع بقية مكونات الشعب السوري، ليبقى الرهان على تأثير توم براك في الطرفين.
- إندبندنت
























