لم يعد لدى إسرائيل ما تسوغ فيه سياستها العنصرية حيال الشعب الفلسطيني، والتي بلغت ذروتها في حصار غزة والعدوان عليها، وباتت إسرائيل مُلاحقة ومُحاصرة أخلاقياً في العديد من دول العالم بما فيها إسرائيل ذاتها، وبات الشغل الشاغل للصحافة الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة، النواح على سمعة إسرائيل المتراجعة باضطراد وخاصة في الدول التي تعتبرها حليفة إستراتيجية، حتى وصل الاختراق إلى الكونغرس الأميركي، حيث ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن 54 نائبا في الكونغرس يطلق عليهم اسم "القوة 54 لغزة"، باتوا يشكلون قوام كتلة تطالب برفع الحصار عن غزة، وأشارت الصحيفة "إلى أن الزمن الذي كان فيه أعضاء الكونجرس الأميركي موالين تلقائيا لإسرائيل قد ولى"، وأصبح اليوم بمقدورهم إعاقة نشاط مؤيدي إسرائيل داخل الكونغرس.
ولا يمكن عزل نشاط المجموعة 54 عن دعوة عضوي الكونغرس بريان بيرد ونيك يبلونو، جورج ميتشل إلى زيارة قطاع غزة، حيث أكد بريان بيرد أنه أجرى في الآونة الأخيرة محادثات مع مبعوث الإدارة الأميركية للشرق الأوسط جورج ميتشل حول زيارته إلى قطاع غزة، للإطلاع على معاناة الفلسطينيين في ظل الحصار الإسرائيلي، وكان بيرد ويبلونو قد وصلا مؤخرا إلى غزة بهدف كسر الحصار، وقال بيرد " يجب علينا أن نسعى لإبحار سفن محملة بالمساعدات الطبية والغذائية إلى قطاع غزة مباشرة ".
إن النشاط الذي يشهده الكونغرس الأميركي لفك الحصار عن غزة، ليس المؤشر الوحيد على عمق الأزمة التي وصلت إليها السياسة الإسرائيلية، بل هو امتداد لما شهدته العديد من الدول الأوروبية سواء على الصعيد الجماهيري أو على الصعيد الرسمي والمؤسسات الحقوقية والقانونية، ومن المحطات والمواقف الجديرة بالذكر الحقائق التي نشرتها الصحيفة السويدية بشأن تقطيع أوصال الفلسطينيين والاتجار بأعضائهم، الأمر الذي أثار عاصفة عنيفة داخل إسرائيل حيث شنت إسرائيل حملة غير موضوعية اتهمت فيها السويد باللاسامية، ما انعكس سلبا على إسرائيل وزاد من تعاطف السويديين مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، كما أن محاولة توقيف ليفني في بريطانيا التي أسفرت عن تدخل إسرائيلي واضح في القوانين والتشريعات البريطانية، أيضا زاد من حالة الازدراء داخل المجتمع البريطاني لمحاولات إسرائيل الفظة للتدخل في شؤون دولتهم، أضف إلى ذلك التوتر الذي ساد العلاقات التركية الإسرائيلية جراء حماقات وزارة الخارجية الإسرائيلية، النابعة من موقف حاقد على تركيا بسبب موقفها من العدوان والحصار.
وأكثر ما أصاب إسرائيل بعدم التوازن تقرير غولدستون، حيث صدمت المحافل الإسرائيلية لمعرفة أن غالبية المعلومات والاقتباسات الواردة في تقرير غولدستون كانت من مصادر إسرائيلية، وهذا وثقته صحيفة يديعوت الإسرائيلية في عددها الصادر يوم 29/1/2010 وتضمن تحقيقا أجرته منظمة "إن أردتم" أظهر أن لجنة غولدستون حصلت على أغلبية المعلومات والوثائق التي تدين إسرائيل من منظمات إسرائيلية تمول من قبل مؤسسة "صندوق إسرائيل الجديد" الموجودة في أميركا، وحسب المنظمة التي شنت حملة ضد المنظمات التي غذت التقرير بالمعلومات، فإن التقرير تضمن 1208 ملاحظات تشمل 1377 توجيها لمصادر معلومات مختلفة، وقرابة نصف الاقتباسات الواردة في التقرير من مصادر إسرائيلية، فحوالي 92% منها جاءت من تلك المنظمات، وهذا ما لم تستطع إسرائيل دحضه أو حتى وصف غولدستون بعدم الموضوعية، وكل ما تقدمت فيه إسرائيل من ردود على التقرير لم يقنع حتى الإسرائيليين أنفسهم، لدرجة أنهم راحوا يناقشون ماذا لو لم يقنع هذا الرد حلفاء إسرائيل كيف ستتصرف حكومة نتنياهو في هذه الحالة، وحتى الرد الإسرائيلي تضمن اعترافا صريحا باستخدام الفوسفور الأبيض ضد المدنيين الفلسطينيين في العدوان على غزة، وخاصة ضد مدرسة الأونروا التي كانت تأوي من شردهم العدوان، وجاء في الرد الإسرائيلي أنه تم استخدام الفوسفور الأبيض ولكن بقرار فردي من قبل ضابطين جرى توبيخهما.
لقد ضاق العالم ذرعا بسياسة الحصار التي تفرضها إسرائيل على قطاع غزة، والأجواء باتت مهيأة لكسر هذا الحصار عبر خطوات عملية، وما على الفلسطينيين سوى استثمار هذه الأجواء واتخاذ خطوات تجعل من فك الحصار إمكانية عملية، عبر ترتيب البيت الفلسطيني حيث لا يمكن استثمار تلك الأجواء في ظل حالة الانقسام ، فالتسريع بخطوات المصالحة والوحدة البرنامجية قبل كل شيء من شأنه أن يسرع عملية فك الحصار، إذ أن المصالحة وحدها لا تكفي وهي مصطلح مضلل ما لم يصاحب ذلك وحدة برنامجية حقيقية في مواجهة أجندة التهويد الإسرائيلية، فثمة فرق شاسع ما بين مصطلح المصالحة ومصطلح الوحدة الوطنية، والمصالحة هي خطوة واحدة بينما الوحدة الوطنية تحتاج إلى عدة خطوات، تبدأ بالوفاق وتنتهي بالوحدة البرنامجية.
كاتب فلسطيني
"المستقبل"




















