الانخراط في الشراكات الاقتصادية المشبوهة من رجال أعمال سوريين مع سلطة نظام الأسد القمعية موافقةٌ صريحةٌ منهم على آثارها السياسية، كما الاقتصادية، وبخاصة في ظلّ حرب النظام على شعبه خلال 14 عاماً من عمر الثورة. إذ لا يمكن توصيف هذه الشراكات بأنها نشاطات مدنية أو استثمارات اقتصادية خالية من صبغتها السياسية ومفاعيلها العسكرية، لأنها في جوهرها تُعدّ من روافد الموارد المالية اللازمة لاستمرار آلة القتل في تدمير البنى التحتية، وقتل السوريين، وتشريد من بقوا منهم أحياءً. فالتهديم والتدمير الممنهج للأحياء والقرى والمدن، وبخاصة في المناطق القابلة للاستثمار العمراني، ومصادرة الأراضي والأملاك من دون وجه حقّ داخل العاصمة دمشق وفي محيطها، لم يكن محصوراً فقط في خريطة العمل العسكري الممنهج ضدّ الحاضنة الاجتماعية لمعارضي الأسد فحسب؛ بل تداخل هذا التدمير مع مشاريع اقتصادية وعمرانية استثمرت في العنف وحوّلته إلى فرص استثمارية تدرّ أرباحاً يتقاسمونها مع السلطة. وهذه النشاطات تحديداً تُخرج هذه الفئة من تصنيفها رجال أعمال إلى أذرع الأسد المالية. فرجال أعمال اعتمدوا على قوة شركائهم السياسية في نزع أراضٍ (على سبيل المثال) رغماً عن إرادة ملاكها، وامتدّت سطوة بعضهم لتشمل ما يمكن تسميته “اقتصاد الأنقاض”، إذ تحوّلت مخلّفات الدمار نفسها إلى مورد للربح من خلال نهب الركام وإعادة تدويره والمتاجرة به، في مشهد يعكس أقصى درجات اندماج العنف العسكري مع الجشع الاقتصادي. وبهذا المعنى، لم يكن الدمار نتيجةً جانبيةً للحرب، بل أصبح جزءاً من نموذج الربح المعتمد على الحرب ذاتها.
من هنا، نتفهّم طبيعة الاعتراض الشعبي على التسويات الحكومية مع رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، على الرغم من أنها (من حيث المبدأ النظري المجرّد) مقاربة ضرورية، ليس لحاجة سورية إلى الأموال التي تنتج منها، بل لأنها قد تكون المعبر إلى معرفة الحقيقة عن أنفاق الاستثمار السلطوي التي تمتدّ نحو خمسة عقود سابقة، وكانت سبباً مباشراً في إنتاج حالة تفقير متعمّد لشرائح واسعة من المجتمع السوري، وهي في معظمها سببٌ في تهجير رؤوس أموال نظيفة إلى خارج سورية. كذلك أسهمت الشراكات الناشئة في مرحلة الحرب في تقسيم المجتمع السوري بين مستويين: فقراء مسحوقون ومُستغَلّون، وطبقة منتفعين من السلطة ومُحدَثي نعمة من أثرياء الحرب.
الاكتفاء بالعائدات المالية من التسويات، من دون التعرّف إلى أبواب الفساد ورصدها، قد لا يعني تفكيك منظومتهم الفاسدة التي نشأت وتغلغلت في الاقتصاد السوري
غير أن القبول بهذه المقاربة لا يمكن أن يكون بغرض الحصول على تعويضات مالية فقط، بل ينبغي أن يرتبط بجملة من المعايير الصارمة التي تمنحها مضموناً حقيقياً يتجاوز الطابع الإجرائي أو المالي؛ كأن تتمثّل بالاعتراف والكشف العلني والمفصّل عن آليات الكسب غير المشروع، بما يشمل الطرائق التي حُوّل من خلالها القرب من السلطة السياسية والأمنية إلى أرباح اقتصادية، واستخدام الامتيازات الاحتكارية، واستغلال التشريعات الاستثنائية، والتهرّب الضريبي، والاتجار بالموارد العامة، والاستفادة من اقتصاد الحرب والعقوبات. فالتسوية التي لا تفضح هذه الآليات تبقى قاصرةً عن تفكيك منظومة الفساد، وتتحوّل إلى إعادة دمج صامتة لما تبقّى من ثروات نشأت أصلًا خارج أيّ إطار مشروع. والإعلانُ أن هذه التسويات لا تشمل الإعفاء من المساءلة الجرمية لا يكفي؛ لأن الأجدر أن يسبق أيَّ تسوية اعتذارٌ صريح، وليس “بوست” في فيسبوك يتحدّث عن طيّ صفحة الماضي. فنحن لا نتحدّث عن علاقة حبّ فاشلة يمكن القفز من فوقها، بل عن شراكة بتمويل آلة حرب قاتلة. فالاعتراف لا يشكّل مجرّد تفصيل رمزي، بل يمثّل خطوةً أساسية لكسر منطق الإفلات من المساءلة من جهة، ولتجريد الثروة غير المشروعة من شرعيتها السياسية والاجتماعية من جهة مقابلة. وحتى في حال غياب المحاسبة الجنائية الكاملة، لعدم القدرة على توفير أدلّة الإدانة لشخص بعينه، فإنه على الأقل (باعتذاره) يُبدي ندمه على شراكته مع نظام قتل وشرّد وهدّم، ومن دون ذلك، لن يتوانى عن الاستمرار في سياسة الكسب غير المشروع في اللحظة المناسبة لذلك.
وعليه، الاكتفاء بالعائدات المالية من هذه التسويات، من دون التعرّف إلى أبواب الفساد ورصدها، قد لا يعني تفكيك منظومتهم الفاسدة التي نشأت وتغلغلت في الاقتصاد السوري؛ ما يوجب ضرورة الانتقال من عملية التسوية المالية المغلقة إلى مسار كشف علني للحقيقة الاقتصادية في سورية، التي أنتجت ثروات هائلة غير مشروعة لـ”حيتان مالية” قد تتوارثها أجيال جديدة لا يمكن محاصرتها بعد إفلاتها من المحاسبة المُستحَقّة.
- العربي الجديد



























