فرضت التطورات الميدانية المتسارعة في الجزيرة السورية واقعاً جديداً على المنطقة الشرقية من البلاد، تمثل بتقليص خريطة ما سمي “لإدارة الذاتية” جغرافياً، وتراجع قدرتها على المناورة سياسياً، وبات خيار الاندماج مع الدولة السورية مساراً مفروضاً لا خياراً تفاوضياً لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ماطلت في تنفيذ بنود اتفاق العاشر آذار/مارس، المتعلق بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية مع دمشق.
تشير التقديرات السياسية إلى أن “قسد” أصبحت أكثر عزلة بعد إعلان الولايات المتحدة رسمياً انتهاء مهمتها في مكافحة الإرهاب، وهي المهمة التي شكّلت الغطاء الأساسي لوجودها ونفوذها خلال السنوات الماضية. وقد ترافقت هذه الخطوة مع مؤشرات سياسية وعسكرية عكست تحولاً في المقاربة الأميركية، أبرزها اعتماد الرئيس السوري احمد الشرع ممثلاً وحيداً للمصالح الأميركية، وصولاً إلى ضم سوريا لقوات التحالف الدولي.
إلا أن اللافت ما صدر مؤخراً من تصريحات، واتصالات مكثفة بين قيادات “قسد” وإسرائيل، والتي وجهت طلباً مباشراً لتل أبيب بالتدخل لإيقاف دمشق، خصوصاً بعد ما ظهر بأنه تخلٍ أميركي عن “قسد”، وهو ما أثار موجة تساؤلات في الأوساط السياسية، حول تاريخ العلاقة بين الكيانين، وعمق الارتباط.
علاقات قديمة تطفو إلى السطح
يرى الباحث في الشؤون الأمنية عزيز موسى، أن “قسد”، منذ تأسيسها عام 2015، ارتبطت بالولايات المتحدة بوصفها “مشروعاً وظيفياً”، ما جعل العلاقة مع إسرائيل غير مركزية في تلك المرحلة. غير أن قنوات التواصل بدأت بالظهور العلني منذ عام 2019، حين سُمح لمراسل القناة (11) العبرية، بزيارة مناطق سيطرة “وحدات حماية الشعب” في القامشلي والحسكة، وإعداد تقارير خاصة لمناصرة القضية الكردية في سوريا، وصدرت للمرة الأولى تصريحات رسمية مغازلة من قائد “قسد” مظلوم عبدي موجهة لإسرائيل، لافتاً إلى أن إسرائيل قدمت دعماً سابقاً وضغطت على واشنطن 2022 لمنع عملية عسكرية تركية تجاه المناطق الكردية.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن إسرائيل فرضت حضورها مبكراً على “قسد”، كما فعلت مع العديد من القوى الفاعلة في المنطقة، وكانت جزءاً أساسياً في بلورة “قسد” كقوة عسكرية مؤثرة، واصفاً العلاقة بين الطرفين بـ “العميقة”، مع وجود مكتب تنسيق وارتباط إسرائيلي في مدينة الشدادي، منذ تأسيس “قسد”، والذي مكّنها من مراقبة التطورات الميدانية في المنطقة الشرقية عن كثب، وهو ما تدركه أنقرة، وغالباً ما تصف “قسد” في بياناتها الرسمية بأنها إحدى الأدوات الإسرائيلية في المنطقة.
نداء استغاثة
تعكس الانتقادات التي وجّهها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، لقائد “قسد” مظلوم عبدي، خلال لقاءات في أربيل في كانون الثاني/يناير الجاري، حجم الانزعاج الأميركي من محاولات بعض القيادات الكردية إدخال العامل الإسرائيلي على خط الصراع في الجزيرة السورية، حيث اتهم براك، عبدي بمحاولة جرّ إسرائيل إلى المشهد السوري، وإحداث توتر خطير بين حليفين إقليميين لواشنطن وهما تركيا، وإسرائيل.
يوضح عزيز موسى، أن جناحاً متشدداً داخل قيادة “قسد”، يرتبط أيديولوجياً وتنظيمياً بحزب العمال الكردستاني، يدفع باتجاه فتح قنوات تواصل مباشرة مع إسرائيل، في محاولة لإيجاد ترتيبات جديدة تمنع تفكك “قسد”، خصوصاً بعد خسارتها جغرافية “الإدارة الذاتية”، والتي جاءت في ظل ضغوط أميركية وإقليمية متزايدة لدفع “قسد” نحو الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو ما تعتبره قيادة التنظيم إنهاءً لمشروعها، الأمر الذي لمّحت إليه الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية، إلهام أحمد، في لقاء مع قناة “i24” الإسرائيلية، إلى إمكانية طلب دعم إسرائيلي مباشر، ضمن سيناريو شبيه بما جرى في محافظة السويداء، غير أن المعطيات الميدانية والسياسية لا توحي بإمكانية تحقق هذا الخيار.
بدوره، يشير يونس الكريم إلى أن “قسد” علّقت آمالها في اللحظات الأخيرة على تدخل إسرائيلي يتجاوز السقف الأميركي، مستندة إلى اتفاقات اقتصادية تم توقيعها مع شركات إسرائيلية بخصوص المياه والنفط، إضافة إلى تصريحات إسرائيلية عن دعم “المكونات السورية”، ومشاريع ربط الجنوب الدرزي بالشمال، وهو ما دفع بعض القيادات “الاستغاثة” بتل أبيب، وسط جهود أوروبية ودولية خجولة لإبقاء ملف الإدارة الذاتية حياً، وأبرزها تصريحات القيادي العسكري سيبان حمو.
ورقة خاسرة
يعتقد موسى أن تراجع مناطق سيطرة قسد في الجزيرة السورية، قلّص الأوراق التي يمكن أن تقدمها لإسرائيل ككيان وظيفي. وحتى في حال توفرت فرصة محدودة، فإنها تظل محصورة في أدوار أمنية أو استخبارية محتملة، سواء في مواجهة تركيا أو في إطار مراقبة النفوذ الإيراني، وهي أدوار باتت معدومة الجدوى حالياً.
فيما يلفت الكريم إلى أن “قسد” خسرت أوراقاً استراتيجية كانت تعزز موقعها التفاوضي سابقاً، مثل ملف النفط، ورقة مكافحة تنظيم “داعش”، إضافة إلى تراجع تأثيرها في ملفات الساحل والسويداء، وهذا ما جعلها أكثر ضعفاً، وينعكس هذا التراجع سلباً على موقعها في أي مفاوضات قادمة، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الدولي.
في المحصلة، تبدو رهانات “قسد” على الدعم الإسرائيلي ورقة خاسرة في لحظة دولية تعاد فيها هندسة المشهد السوري بدقة، وتُغلق فيه النوافذ أمام المشاريع الوظيفية لصالح مسارات الاندماج وإعادة توحيد الدولة، والتعامل مع الحكومة في دمشق كممثل وحيد للمصالح الدولية في المنطقة.
- المدن


























