بخروج المكون العربي من قوات سوريا الديمقراطية، تعود هذه إلى أصلها الكردي كـ»وحدات حماية الشعب» و«وحدات حماية المرأة» التابعتين لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبالتوازي مع هذا التحجيم من حيث عدد المقاتلين، والتصفية من حيث البنية العرقية – الثقافية، تقلصت أيضاً مناطق سيطرتها إلى تلك التي يشكل فيها الكرد غالبية سكانية، الحسكة والقامشلي وكوباني والقرى المحيطة بهذه المدن. غير أن الأهم من هذه العوامل، من منظور موازين القوى، هو فقدان حماية الحليف الأمريكي الذي اعتمد سلطة دمشق، بدلاً من قسد، في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية – داعش. فإعادة التموضع الأمريكية هذه هي التي وضعت قسد في أضعف حالاتها أمام سلطة دمشق المدعومة من دول إقليمية ودولية منحته شرعية «الدولة» السورية، لتترك أمام قسد خياراً وحيداً هو الاستسلام الكامل بلا شروط.
من زاوية نظر قسد، ومن ورائها حزب العمال الكردستاني، فهذا تطور كارثي. فقد حلت قيادة «الكردستاني» نفسها، في إطار العملية السياسية الجارية في تركيا منذ نحو سنة ونصف، مقابل وعود غامضة من الدولة التركية، وفي ذهنها أنها تملك ورقة قوة تتمثل في شبه الدولة في مناطق شمال وشرق سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لا تقتصر على قوة عسكرية كبيرة محمية من قوات التحالف الدولي، بل تملك أيضاً موارد مادية كبيرة تحصل عليها من الثروة النفطية السورية، ومخزوناً كبيراً من السلاح، وهياكل إدارية تحت مسمى «الإدارة الذاتية» تستمد منها شرعية تمثيلية. فبوجود هذه الإمكانيات الكبيرة يمكن لـ«الكردستاني» أن يحل نفسه ويتخلى عن كفاحه المسلح ضد الدولة التركية، ويخلي مناطق تمركزه في جبال قنديل في شمال العراق، مقابل وعود بحل المسألة الكردية في تركيا على أساس المواطنة المتساوية وضمان الحقوق الثقافية على قدم المساواة مع الأتراك والمكونات الأخرى، بوصف هذه النتيجة المبتغاة تتويجاً لصراع دموي يمتد إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي. إضافة إلى ذلك كانت قيادة «الكردستاني» موعودة بإطلاق سراح زعيمها أوجلان بعدما أمضى في السجن أكثر من ربع قرن، وتسوية أوضاع مقاتلي الحزب من الناحية القانونية بحيث يعودون إلى بيوتهم بعد تسليم سلاحهم، ويعاد إدماجهم في المجتمع ويواصلون نشاطهم السياسي المدني لمن أراد منهم ذلك في إطار الحياة السياسية العادية في تركيا.
إعادة التموضع الأمريكية هذه هي التي وضعت قسد في أضعف حالاتها أمام سلطة دمشق المدعومة من دول إقليمية ودولية
هذا هو باختصار تصور أوجلان الذي قام بقيادة هذه العملية من جهة «الكردستاني» بصورة متوافقة مع الزعيم القومي المتشدد دولت بهجلي الذي كان صاحب المبادرة في إطلاقها والضغط على حكومة أردوغان للمضي فيها بلا عراقيل. وقد حققت العملية نتائج مهمة من زاوية نظر الدولة التركية، أهمهما حل «الكردستاني» الذي تقرر في مؤتمر للحزب ولا يمكن التراجع عنه بخفة، وتكريس زعامة أوجلان للحركة السياسية الكردية في تركيا وكذلك في دول الجوار حيثما كان للحزب وجود. تكمن أهمية هذه النقطة في أن هذا الزعيم موجود بين أيدي الدولة التركية العميقة، وتم استخدامه في عدد من المناسبات في مواجهة زعامة صلاح الدين دمرتاش للحركة السياسية الكردية في تركيا، وبخاصة في المعارك الانتخابية التي تموضعت فيها هذه الحركة في الصف المعارض للتحالف الحاكم بقيادة أردوغان وبهجلي. فكانت تتم الاستعانة بتصريحات لأوجلان لاستمالة الناخب الكردي إلى صف السلطة. لنسجل هنا أن ذلك التكتيك لم ينجح، بل أدى إلى زيادة التفاف ذلك الناخب حول حزبه الممثل في البرلمان.
اليوم، وعلى ضوء التطورات السريعة في سوريا، يتردد في الرأي العام التركي كلام عن «نهاية» العملية السياسية في تركيا، أو «موتها السريري» بالنظر إلى تلكؤ السلطة في الوفاء بحصتها من الالتزامات، بعدما أوفى أوجلان وحزبه بكل ما طلب منهما. ونقل نواب «حزب المساواة والديمقراطية» عن أوجلان، بعد آخر زيارة له في السجن، كلاماً يسوده التشاؤم، وحثاً للحكومة على المضي في العملية السياسية، وقلقاً بشأن ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود.
تبدو القيادة التركية راضية عن تمديد الهدنة الهشة بين سلطة دمشق وقوات قسد، فقد أعلن عنها وزير الخارجية التركي فيدان قبل وزارة دفاع دمشق، في تجل صريح للطرف الحقيقي صاحب مشروع إخضاع قسد وتفكيكها كجزء من تفكيك حزب العمال الكردستاني. أما قيادة قسد الممزقة بين متطلبات الوقائع الجديدة في سوريا وحاجات قيادة «الكردستاني» المنحل نظرياً، فهي تسعى للاستعانة بما بقي في حوزتها من أوراق قليلة لمواجهة الضغط الهائل الذي تتعرض له، كقيادة إقليم كردستان وفرنسا وأعضاء في الكونغرس الأمريكي، وحتى إسرائيل. ولكن يبدو أن أحداً من هؤلاء لم يستجب لأنهم يجدون أنفسهم أمام قيادة ترامب المصممة على مواصلة دعمها لسلطة الشرع. فلم يبق أمامها غير الاستعانة بالشارع الكردي لتشكيل رأي عام ضاغط على أمل تحسين شروط تفاوضها مع سلطة الشرع، وتخفيف صدمة السقوط. فامتلأت الشوارع في المدن التركية والأوروبية بمظاهرات التضامن مع كرد سوريا الذين أطبق جيش سلطة دمشق الحصار عليهم في كوباني والقامشلي ومناطق أخرى.
يبقى أن سقوط أنظمة وقوى أمر واقع في منطقتنا لا يكون إلا مترافقاً مع سقوط الدولة أو البيئة الاجتماعية المحكومة من قبلها، أو كليهما معاً. فكما كان سقوط نظام صدام حسين في العراق سقوطاً للدولة العراقية نفسها، وسقوط نظام الأسد سقوطاً للدولة السورية، ومثلهما ينطبق على ليبيا واليمن والسودان، يمكن لنهاية قسد أن تشكل نهاية للحلم الكردي، لا في الاستقلال، بل حتى في المواطنة المتساوية. الكرد اليوم، وبصرف النظر عن قسد، لا يثقون بسلطة دمشق، ولا بتعهداتها أو مرسومها الجمهوري، بعدما رأوا ما فعلته قواتها في مدن الساحل وفي السويداء، وحيثما سيطروا في المناطق التي انسحبت منها قسد. تحتاج الثقة إلى وقت وسلوك يعززها، لا بروباغندا إعلامية تطمس الحقائق وتختلق الأكاذيب.
كاتب سوري
- القدس العربي


























