أرض الميعاد، الفردية، أسطورة الحدود، النجاح، القدرية الظاهرة، الديموقراطية؛ تشكل هذه المصطلحات نواة الفلسفة الأميركية، التي بدأت صياغة معالمها الفكرية أواسط القرن التاسع عشر إثر الخروج من حرب الإنفصال وتدشين أول جامعة في الولايات المتحدة.
في كتابه "الفلسفة الأميركية" يؤرخ جيرار ديلودال أستاذ الفلسفة الحاصل على جائزة هربرت شنايدر، للحقبات التي دشنت الذرائعية الأميركية بشكلها الراهن، فخاضت أوْلى معاركها ما بين إنهاء حرب الإنفصال والحرب العالمية الثانية (1865-1940)، ولكنه يتبعها بالمرحلة الممتدة بين عامي 1967 و1996؛ شارحاً بمنهجية مقارنة النظريات الفلسفية التي وضعها مبتكروها بدءاً من توماس باين وتوماس جفرسون مروراً بتشارلز بيرس ووليام جيمس وصولاً الى ريتشارد رورتي وساندرا روزنتال، والتي أفضت تجاربهم الى ما يعرف بالبراغماتية التي تجد جذورها في أفكار ومذاهب متعددة، مثل فكرة العقل العملي لـ كانط، وتمجيد شوبنهور للإرادة، وفي نظرية البقاء للأصلح لداروين، والنفعية التي تقيس الخير بالنظر الى مدى نفعيته، وأخيراً في المفاهيم الأمبيريقية للفلاسفة الانكليز.
مع الجيل المؤسسين، يستعرض الكاتب بكثير من الإسهاب سيرتهم الذاتية، ويصف تشارلز بيرس بمكتشف المنطق الحديث ولكن بروح متعالية، واصفاً وليام جيمس فيلسوف التجريب "بأنه تنبؤي أكثر منه منظِّر" وذلك بعد خروجه من رواق علم النفس الى الفلسفة، فاكتشف أهمية المطابقة بين النظريات ونتائج التطبيق، وقارب خلاصاته من الأخلاق والدين، والفكرة الصحيحة برأيه، إذا توفرت لها نتائج جيدة، وإذا كانت مثبتة، أي أن الحقيقة تصل الى الفكرة وليس العكس. ومع جون ديوي بدت الذرائعية أكثر ميلاً نحو التجربة، فيلسوف الإنسان العادي الاميركي كما يراه ديلودال، بنى جهده المعرفي على التجربة الحية، التجربة الخاضعة دوماً للبرهان، البحث الخاضع للسؤال، فأقام تجربته على ثلاثية: الفكر/ المختبر، المدرسة/ المختبر، المجتمع / المختبر، مما يؤول الى نشر الديموقراطية في كل العالم.
اختلف الجيل الثاني للذرائعية عن الآباء الأوائل، ما عاد يشغله سؤال الماهية، فعمل على تطبيق التجربة داخل علوم جديدة، كالمنطق واللسانيات والسياسة؛ فها هو تشارلز موريس في مؤلفه "العلامات، اللغة والسلوك" يخلص الى أن علم الدلالة لا يعالج أبداً كل العلامات مع موضوعاتها، بل بوصفه علم دلالة بالعلاقة الوحيدة بين العلامات وسمياتها. واتخذت الذرائعية مع سيدني هوك بعداً سياسياً، فقرأ الماركسية من منطلقها الايديولوجي، وأعاب على الشيوعية الستالينية إفراطها في الاستبداد المتمثل بالتجربتين الفاشية والنازية، آخذاً على المادية الجدلية نفيها لفعالية الفرد ودوره في التغيير، معتبراً أن الحديث عن حتمية مسيرة التاريخ نحو نهايات مُقدرة لا تؤدي إلاّ لسيطرة النظام الآحادي القائم على سلطة الفرد الواحد؛ لا يكتفي هوك بمجادلته للستالينية، بل يقارعها، وينتقدها، مؤكداً على إمكان الأفراد في إحداث التحولات التاريخية، فتحققت رؤيته دون أن يُقدر له معاصرة تفكك الاتحاد السوفياتي بفارق عام واحد، فالتوتاليتارية حاملة شعار البروليتاريا وحتمية التاريخ، وقعت صريعة أفكارها نتيجة العوامل الداخلية قبل أن تتهاوى تحت تأثير إستراتيجيا رقعة الشطرنج الأميركية.
الحدث بدل الجوهر، الزمنية بدل الأزلية، العقل بدل التأمل، الدلالة بدل الحدس، المنطق بدل البلاغة، المستقبل بدل الماضي، هذه الثنائيات المتجادلة بلورت مميزات الفلسفة الأميركية، المتعارضة بشكل جذري مع نظيرتها الأوروبية وتحديداً الفلسفتين الألمانية والفرنسية، فالمسار التجريبي الذي تحكّم بها دفعها للسير قدماً نحو خاصية الالتزام الاجتماعي بدل فكرة الوعي الفردي، أي إحياء الواقع المتفائل وليس ميتافيزيقيا الوجود المتشائمة. إن النهج الذرائعي الذي أنتج فلسفة الأمة الاميركية، لا يمكن قياسه أو مقاربته إلاّ من منظار عملي، أسبغ على أبناء القارة الجديدة أبعاداً مختلفة عن معركة الأفكار التي عاشتها أوروبا أقله منذ عصر الأنوار؛ فالاوروبيون شغلهم المعنى بكل تشعباته الوجودية والدينية والسياسية، في حين أن أقرانهم الاميركيين بحثوا عن الآليات التطبيقية لتطوير الفرد والمجتمع، قياساً على المناهج التجريبية التي اتصفت بها كل علومهم في الاقتصاد والسياسة وعلم النفس، وحتى العلوم الدينية التي لا تعتبر هاجساً أو غاية للتأمل العقلي عندهم كما هو سائد على الجبهة الأوروبية.
الجيل الثالث (1976-1996) للذرائعيين الاميركيين استهل طروحاته بطرح تساؤلات إشكالية: هل يجب العودة الى الذرائعية؟ هل يجب تخطيها؟ ما هي طبيعتها؟ فأتى الجواب بالتأكيد على ولادة هوية خاصة، عنونتها اليزابيت فلاور بالفلسفة في أميركا وليس الفلسفة الأميركية. وبدءاً من عام 1976 تاريخ المئوية الثانية للولايات المتحدة، لم يطرح الفلاسفة الجدد مفاهيم تتناقض بكليتها مع ما أسس له الأولون، بل استكملوا نقاشهم المعرفي في سياقات تاريخية مختلفة حددها الكاتب بأربعة مراحل: الأولى، إكتشاف الفلسفة الاميركية على يد الفلاسفة الاميركيين؛ الثانية، ظهور فلسفة المدينة؛ الثالثة، ولادة الحركة الوطنية؛ الرابعة، ولادة الحركة النسوية.
لقد ولّدت الذرائعية بأجيالها المتعاقبة فلسفة الأمة الأميركية، في مجالها الجغرافي والخارجي، والتأثير الأبرز لهذا النهج تمثل بالسياسات الاستراتيجية التي صاغها صانع القرار في واشنطن؛ فهؤلاء الاوروبيون القدامى الذين تداعوا الى العالم الجديد آمنوا بالدور الاميركي، العالمي، والرسالي، تجاه الأمم الأخرى، ولا يمكن للذين يجهلون الأسس الايديولوجية التي قامت عليها فلسفتهم إلاَ أن يدركوا أهمية صناعة الأفكار القائمة على النزعة المثالية والتدخلية في آن، والتي خيضت من أجلها معارك، للبرهنة على دور الولايات المتحدة في قيادة العالم، ولعل ما قاله الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون خير دليل على ذلك: "إن الله مع أميركا، إن الله يريد أن تقود أميركا العالم".
[ الكتاب: الفلسفة الأميركية
[ الكاتب: جيرار ديلودال
[ التعريب: جورج كتورة، الهام الشعراني
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية والمنظمة العربية للترجمة بيروت 2009
"المستقبل"




















